ستظلّ الصلاة من أعظم الحجج وأقطعها على منكري السنّة النبوية، وعلى من يزعمون أنّ الرسول صلّى الله عليه وسلم لا يوحى إليه غير القرآن شيء، وليس له تشريع ليس في كتاب الله وإلّا فقد اتّخذناه شريكًا مع الله كما يزعمون، وأنّ في كتاب الله الكفاية لكل أمور الدين.. إلى آخر هذه المقولات التي تنبع عن جهل بكتاب الله.
القرآن يأمر بالصلاة لكنه لا يبيّن تفاصيلها العملية
فالصلاة فريضة مركزية في الإسلام، تكرّر الأمر بها في القرآن عشرات المرّات، وارتبطت بالإيمان وبالنجاة وبإقامة الدين ذاته كما لا يخفى على قارئ لكتاب الله. ومع ذلك، لم يبيّن القرآن كيفية أدائها ولا تفاصيلها العملية والقولية، مع أننا لا يمكن أن نقيم الصلاة بغير معرفة هيئتها وما نقول فيها، ولا شكّ أنّها شعيرة فيها هيئة جسدية محدّدة وأحكام وأقوال محدّدة، وليست معنًى يقيمه كل شخص كما يشاء، وممّا يؤكّد ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ}، فهي ليست مجرّد “الصلة” أو ما شابه مما يقوله الخرّاصون!
تحديد هيئة الصلاة تشريع ملزم لا يكون إلا بوحي من غير القرآن
ولا شكّ أن تحديد كيف نصلّي بما يرضي الله هو من صميم التشريع في الدين، وشيء لا يكون إلا بوحي، وليس من الأمور الثانوية أو الاجتهادية. فإذا ثبت هذا التحديد عن الرسول صلّى الله عليه وسلم؛ كان وحيًا من الله من غير القرآن، وكان تشريعًا ملزمًا.
الإنكار يؤدي إلى ابتداع معانٍ تناقض الكتاب
غير أن منكري السنّة يقعون هنا في مأزق حقيقي؛ إذ إنّ بعضهم يضطرّ – اتّساقًا مع مقولة الاكتفاء بالقرآن – إلى إنكار الصلاة التي يصلّيها المسلمون وابتداع معانٍ تناقض كتاب الله، وهو موقف سخيف وسطحي ومحرج، ومرفوض بإجماع المسلمين قديمًا وحديثًا.
شبهة “السنة العملية” المتوارثة: عرض وتفنيد
ولذلك يلجأ أكثرهم إلى شبهة من أضعف الشبهات، وهي قولهم إن الصلاة نُقلت بوصفها “سنّة عملية” شاهدها المسلمون من فعل النبي صلّى الله عليه وسلم وتناقلوها جيلًا بعد جيل، ولا نحتاج إلى مدوّنات السنّة والفقه لمعرفتها.
وهذه الشبهة متهافتة لأسباب عديدة أبرزها:
التفنيد الأول: الإقرار بوحي وتشريع خارج القرآن ينقض أصل الدعوى
– أولا: سواء قال منكرو تشريعات الرسول صلّى الله عليه وسلّم في غير القرآن إنّ الصلاة نُقلت عبر دواوين السنّة المحفوظة، أو قالوا إنها نُقلت بوصفها “سنّة عملية” شاهدها المسلمون من فعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ فهم في الحالتين يقرّون بأن للرسول صلّى الله عليه وسلّم وحيًا وتشريعًا ملزمًا خارج نصّ القرآن، وهذا وحده كافٍ لنقض أصل دعواهم.
الاعتماد على الحركة فقط يُسقط جوهر الصلاة القولي
– ثانيا: كثيرًا ما يردّد هؤلاء بأن الصلاة ليست مجرّد “حركات”، لكنهم حين يحتجّون بأن الصلاة نُقلت بوصفها سنّة عملية شاهدها المسلمون من فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم دون الحاجة إلى سنن منقولة في صدور أئمة الحديث والفقهاء ومحفوظة في دواوينهم، فإنهم يثبتون أنّ المنقول بالمشاهدة هو الفعل الحركي فحسب فينقضون غزلهم!
التفنيد الثالث: الصلاة تتضمن أقوالاً مسموعة منقولة في كتب السنة
– ثالثا: هذا الفعل الحركي للصلاة لم يكن حركات جسدية صامتة؛ بل تضمن تكبيرًا وقراءة وتسبيحًا وتشهدًا وأذكارًا وأحكامًا وشروطًا سمعها الصحابة من النبي صلّى الله عليه وسلّم وصحّحهم في بعضها ونقلوها قولًا لا حركة فحسب. وبذلك يَثبت أن جزءًا جوهريًا من الصلاة منقول قوليًا ومدوَّن في كتب السنّة، لا مجرد تقليد حركي.
التفنيد الرابع: التناقض في الثقة بنفس النقلة في العملية دون القولية
– رابعا: يقع منكرو السنّة في تناقض صارخ حين يثقون بالصحابة والتابعين وتابعيهم من أئمة الحديث والسنّة والفقه في نقل الصلاة، مع أنهم يطعنون فيهم ليل نهار بزعم تحريف الدين والزيادة فيه ويصمونهم بأسوأ الأوصاف! فالذين نقلوا هيئة الصلاة هم أنفسهم الذين نقلوا أقوال النبي صلّى الله عليه وسلّم وسنّته القولية، فكيف يثقون بهم في نقل “السنّة العملية” بلا تحريف، ثم يُدّعى أنهم خانوا الأمانة في سائر السنن؟!
التفنيد الخامس: النقل العملي المجرد غير منضبط والواقع يشهد بذلك
– خامسا: الاعتماد على النقل العملي المجرد القائم على الممارسة غير المدوّنة غير منضبط بطبيعته، ويشهد بذلك الواقع؛ إذ نرى شعائر كثيرة – كالحضرات البدعية عند الصوفية مثلا – تتبدل وتختلف خلال عقود قليلة بسبب غياب التدوين والضبط العلمي، وربّما وجدنا فرعًا صوفيا يختلف في أدائه لها عن فرع آخر يفصل بينهما قرن واحد أو قرنان فحسب، بينما حافظ المسلمون على هيئة الصلاة أكثر من أربعة عشر قرنًا! ولو تُركت الصلاة لمجرد التقليد العملي بلا مرجعية ضابطة عبر قرون طويلة، لتفاوتت هيئاتها تفاوتًا واسعًا. لكن الذي حفظ الصلاة بدقة لافتة هو اجتماع السنة العملية مع السنة القولية المدوّنة، ومع وجود علماء وفقهاء ومعلّمين يضبطون أداءها ويعلّمون الأجيال ويصحّحون الانحراف. وهذا يؤكد أن حفظ الصلاة لم يكن ممكنًا سوى بوجود السنّة القولية والمكتوبة والفقه الذي بني عليها، لا اكتفاءً بالممارسة العملية المجردة.
ثبوت الحاجة إلى السنة القولية المدونة لحفظ الصلاة وسائر الأحكام
وبهذا يتّضح تهافت قول منكري السنّة المنقولة في الدواوين الذامّين كتبها وكتب الفقه، الذين يقولون: الصلاة معروفة بالسنّة العملية ولا نحتاج إلى كتب السنن والفقه لمعرفتها! وقس على ذلك سائر السنن والأحكام.
المصدر
صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا.

