خيرية هذه الأمة صفة وتشريف لها. والتشريف يتبع التكليف؛ فالخيرية مشروطة؛ فمن قام بشرطها حققها ومن لا كانت العقوبة شديدة؛ فلا يغترن أحد بانتساب إذا لم يعمل بشَرْطه.

مقدمة

قد كان لهذه الأمة مكانة عالية راقية، ثم ضاعت هذه المكانة، والمسلمون اليوم يبحثون من جديد ليستعيدوا العزة المفقودة، ويستعيدوا المكانة التي كانت تعيشها الأمة في ماضيها، أما مكانة هذه الأمة فقد نص الله تبارك وتعالى عليها في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:143]. والوسَط هو مركز الاتزان.

وقد صرح الله بهذه الأفضلية في آية أخرى بوضوح فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:110]، وقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:78].

إذاً؛ فبشهادة الله تبارك وتعالى تكون هذه الأمة خير الأمم وأفضلها على الإطلاق؛ لأنها وسَط، والوسَط هو الأفضل، فالوسط عند الله يُجَتَبى ويُختار.

سبب تفضيل الله تعالى هذه الأمة على غيرها

فضَّل الله تبارك وتعالى هذه الأمة على غيرها من الأمم؛ لأن الأمة الإسلامية استقامت على منهج الله، فالإسلام هو الذي صنع هذه الأمة، فقد بنى عقيدتها، ورسم منهجها وطريقها، وأقام أخلاقها وقيمها، وتأمل في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:143]، تجد أن كلمة ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾ ليس معناها: “خلقناكم”، وإنما المعنى الصحيح “صيرناكم” أمة وسطاً، وإنما صيرها الله كذلك بدينه المنزل عندما استقامت على الخصائص التي رسمها لها رب العالمين، وتستطيع أن تلحظ هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110]، فهَهنا “مُخْرِج” وهو الله، و”مُخْرَج” وهي الأمة، وأداة حصل بها هذا الإخراج وهي الإسلام.

فبالاستقامة على الإسلام تحققت الأفضلية.

إذاً؛ فليست الأفضلية والخيرية لقباً أُطلق على هذه الأمة من غير مضمون، ولكنه عنوان لحقيقة تجسَّدت في هذه الأمة، فقد سما هذا الدين بهذه الأمة في عقيدتها، وتفكيرها، وتوجهات قلوبها وأقوالها وأعمالها، ونظَّمها حتى مثلَّت الأنموذج الفاضل الذي يريده الله تبارك وتعالى للبشرية.

وهذه “الأفضلية” مرهونة باستمرار هذه الأمة على الخصائص التي حددها الإسلام، فإذا تدنّت هذه الخصائص أو انحرفت أو زالت فإن الخيرية تتناقص وتضمر وتضعف، وهذا هو السر في تخلف هذه الأمة في عصرنا.

إن أفضلية هذه الأمة تتلخص بأخذها بهذا الدين في نفسها، ودعوة الناس إلى الحق الذي قرره هذا الدين، ونهيهم عن الباطل الذي نهاهم عنه هذا الدين، مع تحقيق الإيمان وفق ما جاء به الإسلام، قال تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:110].

سبب إخبار الله تعالى بمكانة هذه الأمة وفضلها

وقد أخبرَنا الله تعالى أننا خير أمة أخرجت للناس لا لنتفاخر ونتمادح به، ونقف في المجامع والمحافل فنقول: إننا خير أمة أخرجت للناس؛ لأن الحياة الإنسانية مجال صراع رهيب بين الأمم، فكل أمة مهما كانت منزلتها ولو كانت في القاع تقول: أنا الأفضل وأنا الأحسن؛ فأخبر الله بمكانة هذه الأمة حتى لا تذل في مجال الصراع والخصام؛ لأن هذه الأمة صاحبة رسالة، وستصارع اليهود والنصارى والوثنيين والشيوعيين والبوذيين، فحتى لا تهون في مجال الخصام والصراع أخبرها الله تبارك وتعالى بمكانتها، فقال عز وجل: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:139].

ولقد ادعى كل من اليهود والنصارى أنهم الأفضل والأكمل وأن غيرهم ليس على شيء كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة:113]، و”الذين لا يعلمون” هم العرب الوثنيون، فقد قالوا: إن اليهود ليسوا على شيء، والنصارى ليسوا على شيء، فركب كل فريق هذه الدعوى مطالباً غيره باتباع منهجه؛ لأنه هو الأفضل والأحسن، والجنة وقْف عليه، وهو ابن الله؛ فالذي ينبغي للبشرية أن تتابعه وألَّا تقاتله، بل ينبغي أن تحترمه وتقدّره، فقد جاء عن اليهود والنصارى أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة:135]، أي: أنهم يطالبون غيرهم بأن يصبحوا يهوداً أو نصارى، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة:135].

وقد كان اليهود في ميزان الله تبارك وتعالى خير الأمم عندما استقاموا على الشريعة التي أنزلها الله تبارك وتعالى عليهم، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:47]، قبل أن يقول فيهم: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان:32].

والنصارى كانوا أصحاب رسالة، ولهم في ميزان الله فضل عندما استقاموا على الدين الذي أنزله الله إليهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾ [الصف:14].

ولكن اليهود والنصارى انحرفوا عن المسار وتنكبوا الجادة، فأصبح اليهود مغضوباً عليهم والنصارى ضالين، وهم في ميزان الله من الخاسرين، فلقد غيَّروا وبدَّلوا فلعنهم الله، وغضب عليهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة، فقد سرَتْ فيهم العلل والأدواء التي شوهت العقيدة الصافية والشريعة المُنزَّلة، واختلّت عندهم القيم والتصورات الإيمانية كما اختل السلوك والقول والعمل، فمن اتهاماتٍ للخالق العظيم، إلى تشويهٍ لسير الأنبياء، إلى تحريفٍ للكتب المنزلة، إلى كتمانٍ للعلم، إلى سفك للدماء وتمرد على أحكام الشريعة، واتباع للشيطان.

وبعد هذا البيان لحال الأمم التي تدعي الأفضلية في سورة البقرة يأتي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:143] أي: انتهت خيرية اليهود والنصارى، وأنتم يا أمة الإسلام الآن في المستوى الذي يصفه الله تبارك وتعالى بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ﴾ [آل عمران:110] أي: أنتم الأمة الفاضلة.

ضابط التحضر والتخلف

إن الأمم الأخرى التي تدعي الأفضلية، والتي ليس لها دين ـ غير اليهود والنصارى ـ ففضلها دنيوي عارض، ليس له في ميزان الله اعتبار؛ لأنه قائم على متاع الحياة الدنيا. قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:185] وقال سبحانه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:7].

فلقد وصف القرآن الحضارات التي ارتفعت في العلوم المادية ولكنها انحدرت في عقيدتها وأخلاقها وقيمها بـ “الضلال والزيغ”؛ لأن المجتمع الذي يوصف بالرّقي في ميزان الله هو المجتمع الذي يقيم حياته وفق منهج الله، وإن كان غير متقدم في مجال العمران والزراعة والصناعة.

أما الجاهلية فإنها تعتبر المجتمع راقياً إذا كان يملك العلوم المادية. والمجتمع المتأخر في عرفها هو المجتمع الفقير الذي لا يملك أسباب الرقي المادي والذي تنتشر فيه الأمية، ونحن عندما ندرس المجتمع المثالي الإسلامي نجده مجتمعاً فقيراً، لا يكاد يجد الفرد فيه ما يسد به رمقه، ولا ما يواري به جسده، فقد كانت بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر عليها الهلال والهلال والهلال ثلاثة أهِلّة في شهرين ولا يوقد فيها نار لإنضاج طعام، ونجد الذين كانوا يحسنون القراءة والكتابة في المجتمع الأول الفاضل قليلين، وكذلك الذين يحسنون الصناعة أيضاً.

إذاً؛ فالمجتمع الصالح المتحضر هو هذا المجتمع الذي كان فيه الرسول صلى الله عليه وسلم.

إن نظرة الإسلام إلى المجتمع الراقي تصادم نظرة الجاهلية، فالإسلام يسِمُ أكثر التجمعات الإنسانية تقدماً بـ “التأخر” و”الرجعية” و”الضلال” إذا لم تحقق العبودية لله، وإذا لم تُقِم حياتها وفق تشريعاته ومنهجه.

إن هذا الرقي المادي والعلم المادي لم يخلِّص فرعون ونمرود وعاداً وثمود وغيرهم من الأمم من مقت الله وغضبه.

وليس معنى هذا أن الإسلام يحارب الرقي المادي، فالإسلام يأمرنا أن نسعى في الأرض لنسخر ما فيها من خيرات لصالحنا، قال سبحانه: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:15]، لكن الإسلام يريد أن نبني هذا الرقي على أصول سليمة قويمة، ويريدنا أن نقوِّم علوم الحياة ونضبطها بضوابط إلهية تحميها من الانحراف والضلال، يريدنا أن نقيم الصروح والأبنية وفق تشريع الله تبارك وتعالى، عندما يكون الهدف الكبير من بناء ضخم كالأهرام، أو بناء ضخم مثل (تاج محل) أو تلك الأديرة والكنائس التي تراها في إيطاليا وفي العالم الغربي التي بنيت لهدف تافه، أن يكون هذا البناء الذي كلف أعماراً ومئات وألوفاً وعشرات الألوف من البشر ليكون قبراً لإنسان، أي حضارة هذه..؟! وأي رقي هذا..؟!

نحن لا نوافق الأمم التي تدعي أنها الأفضل والأحسن؛ لأنها تملك العمارات الشاهقة، والحدائق الغناء، والمسارح الرحبة، والقصور الفخمة، والشوارع المنسقة، والمدارس، والجامعات، والمستشفيات. لا نوافقها على أنها الأفضل من أجل ذلك وحده؛ ولا لأنها توصلت إلى علوم هائلة بنَت بها الرقي المادي، فلو كان هذا صحيحاً لكان اللص صاحب القصر الكبير أفضل من الشريف صاحب الكوخ الصغير، والعالِم الذي يخطط لتدمير البشرية أفضل من الإنسان العادي الذي يسعى في إصلاح العباد.

خاتمة

لقد أقامت كثير من الأمم حضارات راقية في المجال المادي، ولكنها أقامتها على أسس ظالمة، فأتى الله بنيانهم من القواعد ودمر ما كانوا يعرشون، قال عز وجل: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:45] وقال عز وجل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج:48] وقال سبحانه: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:11 – 15].

من أجل ذلك عرّفَنا الله تبارك وتعالى بمكانتنا وأننا خير الأمم، سواء الأمم التي لها دين، أو ليس لها دين.

كما ينبغي الالتفات الى أن الله سبحانه وتعالى خص هذه الأمة ـ مع خيريّتها ـ بخصيصة أخرى مهمة وفارقة ومانعة من اندراس الدين وتحريفه؛ وهي أنه مهما حدث من الانحراف فقد ضمن تعالى وجود طائفة من الأمة ظاهرين على الحق يظهرون حجته ويدفعون عنه حتى يفيء من أراد الحق وطلبَه.

…………………………………..

المصدر:

  • عمر سليمان الأشقر. مختصر محاضرة مفرغة، المكتبة الشاملة.

اقرأ أيضا:

التعليقات غير متاحة