عمل المرأة في بيئة مختلطة تحت شعار الضوابط ليس إلا طرحًا خياليًا يصطدم بحقائق الشريعة والواقع، لأنه فتح لباب الفتنة مع محاولة تجميله بألفاظ شرعية.
فالشريعة لم تأتِ لمعالجة الفتنة بعد وقوعها فقط، بل جاءت لسدّ أبوابها من أصلها.
فكيف يُقال بعد ذلك: نضع ضوابط؟
بدايةً غضّ البصر
أمر الله تعالى المؤمنين والمؤمنات بغضّ البصر، فقال الله تعالى: { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ …… وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } [النور:30-31]
وقال النبي – صلى الله عليه وسلم – “العينان تزنيان وزناهما النظر” أخرجه البخاري.
فكيف يُتصوَّر تحقيق هذا الأمر في بيئة تقوم أصلًا على تكرار اللقاء، وتبادل النظر والتعامل المباشر ساعات طويلة يوميًا؟
هل هذا إلا تكليف بما يتعذر في واقع الاختلاط؟
ثانيًا: النهي عن الخضوع بالقول
قال الله تعالى: { فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } [الأحزاب:32] وهذا نهي صريح عن ترقيق الصوت والتلطّف فيه بما يُحرّك القلوب.
لكن بيئات العمل اليوم تقوم على: اللباقة، واللطف، والتفاعل، والابتسامة، وحسن الخطاب.
فكيف تُطالَب المرأة بأن تؤدي عملها بكفاءة، ثم تُمنع من كل ما تقوم عليه مهارات التواصل؟
أليس هذا تناقضًا ظاهرًا؟
ثالثًا: الأمر بالستر وترك الزينة
قال الله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا } [النور:31]، وقال: { وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ } [الأحزاب:33]
قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ» السنن الكبرى – النسائي- .
الوهم في تسمية “ضوابط الاختلاط”
فالشريعة أمرت المرأة أن تخرج غير متعطرة، غير لافتة، بعيدة عن التبرج.
لكن واقع العمل المختلط يقوم على الظهور اليومي، والاهتمام بالمظهر، والتفاعل مع الآخرين.
فكيف يُجمع بين الأمرين؟
كيف تُطلب الزينة المهنية، ثم تُمنع الزينة الشرعية؟
وهُنا الأهم
فإن ما يُروَّج له اليوم تحت مسمى ضوابط الاختلاط ليس إلا محاولة لتسويغ واقع مخالف لأصل الشريعة لا لضبطه حقيقة.
فالمسألة ليست في ضعف تطبيق الضوابط، بل في أن هذه الضوابط نفسها تُناقض البيئة التي يُراد إسقاطها عليها.
الأصل الشرعي: القرار في البيت
فقد قرر الله تعالى أصلًا لا لبس فيه فقال: { وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ } [الأحزاب:33]، فجعل القرار في البيت هو الأصلٌ الواجب ، وجعل الخروج استثناءً تُقدّره الحاجة والضرورة، لا أن يُقلب الأمر فتُنشأ حياة كاملة قائمة على الخروج اليومي والمخالطة المستمرة.
المرأة عورة والخروج مظنة فتنة
عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ، وَأَقْرَبُ مَا تَكُونُ مِنْ وَجْهِ رَبِّهَا وَهِيَ فِي قَعْرِ بَيْتِهَا»رواه الترمذي
فإذا كان الخروج نفسه مظنة فتنة، فكيف بالخروج الدائم، والاختلاط المتكرر،
والتعامل المباشر لساعات طويلة؟
أليس هذا إمعانًا في فتح الباب الذي جاءت الشريعة بإغلاقه؟
النصوص التحذيرية من فتنة النساء
▫️عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» صحيح البخاري.
▫️ قال رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ” صحيح البخاري.
فهذه ليست نصوصًا عابرة، بل قواعد أساسية تُبيّن أن باب النساء من أخطر أبواب الفتنة، وأن الشريعة تتشوف إلى سده، لا إلى توسيعه ثم ترقيعه تحت شعار الضوابط.
تفنيد القول بإمكان ضبط الاختلاط
وعليه، فإن القول بإمكان ضبط الاختلاط هو في حقيقته وهمٌ يُخالف الشرع والواقع معًا. إذ كيف يُفتح الباب على مصراعيه، ثم يُدّعى القدرة على منع ما يترتب عليه؟
إن الاختلاط بيئة قائمة بذاتها على: النظر، والمخالطة، والتكرار، والألفة وهذه هي عين الأسباب التي جاءت الشريعة بقطعها.
فإدخال المرأة في هذه البيئة، ثم مطالبتها بتحقيق ضوابط تُناقضها فهذا تحميل للشريعة ما لم تأتِ به، وجعلٌ لأحكامها في موضع التعطيل العملي.
تناقض “ضوابط الاختلاط” مع أصول الشريعة
ولهذا فإن ما يُسمى ضوابط الاختلاط ينهدم من أصله، لأنه يصطدم مع أصلٍ شرعي أعظم هو أن المرأة مأمورة بالقرار، ومصونة عن مواطن الفتنة، وأنها بذاتها فتنة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف تُجعل في قلب بيئة تُحرّك هذه الفتنة يوميًا ثم يُقال: لا بأس، هناك ضوابط؟
إن هذا قلبٌ للميزان، وتبديلٌ للأصول، وتسويغٌ لما جاءت الشريعة لسدّه.
فالشريعة جاءت بسدّ الذرائع لا بفتحها، وبحفظ القلوب قبل فسادها، وليس هذا انتقاصًا من المرأة، بل هو حفظ لها، وصيانة للمجتمع من أبواب تبدأ صغيرة ثم لا تُغلق.
المصدر
صفحة د.حامد الإدريسي، على منصة X.


