لا يزال أنين المسلمين فرادى وجماعات من سيطرة الفجار وشيوع الانحراف وفرضه على الناس فرضا..! في سياق شاذ ومنقلِب تُفرض فيه على الناس الغواية ويُمنعون الفضيلة..!!

الخبر

“وجّه مواطن سعودي في مقطع فيديو انتشر بكثافة في المنصات الخليجية استغاثة للمعنيين، شكا فيها من افتتاح ما قال إنه مرقص إلى جوار منزله في منطقة مكة، وقد تحوّل سؤاله “كيف أربي بناتي؟” إلى وسم متفاعل بكثافة.

وقال المواطن السعودي إن لديه ثلاث بنات أكبرهن في المرحلة المتوسطة، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن الحي الذي يقطنه يوجد فيه أيضا مسجد “المليون حافظ”، وهو أمر يحمل الكثير من التناقض.

وقد رد عليه بعض الكتاب المنافقين  فاختار أن يهاجم المواطن المتضرر، واتهمه بأنه من أصحاب ما يعرف بالصحوة، فكتب “رواسب الصحوة تطفو على السطح”. (1موقع “الجزيرة”،8/2/2020 ، على الرابط:
 “كيف أربي بناتي؟”.. مواطن سعودي يطلق نداء استغاثة بسبب مرقص بمكة
)

التعليق

أولا: بشّر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بحال يكون فيه الأئمة ينكرون على الناس ما يعرفون من دين الله ويعرّفونهم ما ينكرونه.

وذكر تعالى صفات المنافقين، وأن من أبرز معالم صفاتهم هي أنه ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ (التوبة: 67) وقد كان البعض يستبعد حدوث هذا أو يحصره في صور معينة في أشكال الوثينة القديمة.. حتى فوجئوا بحرفية وقوع ما أخبر الله تعالى، وفوجئوا بوقوعه بعمومه المطلق؛ فوجدوا الأمر بالمنكر بحرفيته وعمومه، والنهي عن المعروف بكافة أشكاله وصوره، وفوجئوا بالإشراف المباشر والمتعمد و”المسلَّح” والمهدِّد بأنواع العقوبات لإشراب المجتمع الفواحش والمنكرات وترسيخه فيه..!

ثانيا: إن صرخة هذا المسلم وأمثاله ممن يتألمون لدينهم وأعراضهم تبعث رسالة بخطورة الحراك الجمعي الخاطيء لتأييد الطغاة والفجار، وخطورة السكوت الجمعي على حال الطغاة والفجار. وتوصل رسالة بأن خطر الانحراف الجمعي؛ وأنه ليس أن تشاهده في التلفاز أو أنه يسري في بيئات ومجتمعات محددة لا تخص عموم المسلمين، كلا؛ فهذا وهْمٌ مُهلك؛ فللفسق سراية في المجتمع يصعب إيقافه وردعه ويصعب تحديد مجاله ويصعب التوقّي منه إلا بمعاناة ووقوع في الغربة، وقوة في الدين قد تكون لخواص الأمة وصفوتها بينما عمومها قد يطاله من الانجراف والتأثير ما يحرمهم من الخير.

وإن هذه الجموع نفسها كانت محلا للتاثير الخيّر وعلى استعداد له ومحبة فيه؛ ولكنها تابعة للتأثير المسلَّط عليها. وهذه عادة أغلب المجتمعات أنها تخضع لتأثير الصفوة أو النخبة ذات الشوكة المتمكنة؛ فإن كانت “الشوكة” للصفوة المؤمنة تلقّت الخير عن قناعة ورضا بطبيعة الإيمان المجمل. وكان فيها من الخير للإسلام والدعوة والجهاد ما يفيد الأمة ويدفعها في مسارها الخيّر والمؤمِّل..

وإن كانت الشوكة لذي سلطان فاجر ونخبة فاسدة ـ نخبة مختارة عن قصد لسفاهتها ونفاقها وانعدام دينها ولقناعتها بالمشاريع اللادينية ـ عندئذ تتأثر الجموع نفسُها وتتسرب اليها مفاهيم الباطل وإرادات الانحراف وتتشرب القيم الفاسدة ولم تمتنع عليها.

من هنا كان تخوف هذا المسلم ـ حفظه الله ـ وهو يصرخ في شوارع المسلمين لا يتصور أن هذا ما آلت اليه الأمور ولا يتصور أن يستطيع التربية في جوّ كهذا، ولا يتصور أن هذه الأوضاع ستُخرج نبتا طيبا ـ حتى لو نجح هو فرديا ـ فالمسألة ليست حالة فردية بل المسألة هي “إخراج الأجيال”. وإخراج الأجيال منوط بالسلطة القائمة في نظم الدولة الحديثة التي تتدخل في جميع مراحل التعليم والتربية والإعلام وتحدد المواد والقيم الإيجابية والقيم السلبية محل الإنكار.

إن الصرخة الفطرية التي صرخها هذا المسلم هي إدراك بفطرته الى أن مقصود الفجرة هو “صناعة البيئة” المهيئة؛ ثم يتركون للنزوات تقود النفوس طالما أنهم يضغطون من خلال البيئة على الشهوات المنحرفة؛ خاصة إذا منعوا إنكار المنكرات بغل يد جهاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وخاصة أيضا إذا سلّطوا القتل والسجن والتشويه والحروب الإعلامية والإجتماعية على الدعاة والعلماء الصادقين المهيَأين للوقوف أمام موجة القذاورات التي طفحت في بلاد المسلمين.

إن مد يد الرهبة على أهل العلم والصلاح، ومد يد الإغواء والشهوات للأجيال، مع تجفيف منابع التعليم من قيم الخير لتكون جاهلة قابلة لما يُلقى فيها من بذور أفكار وإرادات منحرفة؛ لهي خطة الشيطان لتغيير أجيال يراد لها ذلك ويمهَّد لها السبيل على يد طغاة نزقة لا يرجون الله واليوم الآخر.

خاتمة

يجب أن تصل صرخة هذا المسلم الى كل مسؤول والى كل عالم وداعية ومصلح، والى كل ساكت، والى الجموع المتكاثرة من المسلمين والتي باجتماعها يكون لها من القوة ما يخشاه الطغاة ويتصاغرون أمامه ويكفّون عن غيّهم..

أيها المسلمون في بلاد الحرمين.. إن أخاكم الذي أطلق صيحته تلك هو منكم، وأحدكم، ومن الخير الاستجابة لندائه التلقائي، والتنادي الى تحذيره الفطري، قبل أن تستفحل أمورٌ يصعُب استدراكها..

وإننا نذكّر المجرمين ببعض ما أنزل الله تعالى من تحذير وترهيب لعلهم يفقهون ما فيه عاجلا وآجلا؛ فالله تعالى يقول ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ (الطارق: 15-17) ويقول سبحانه عن نداء الملائكة لهؤلاء الفجرة يوم الدين ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ (المرسلات: 38).

والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

……………………………..

هوامش:

  1. موقع “الجزيرة”،8/2/2020 ، على الرابط:
     “كيف أربي بناتي؟”.. مواطن سعودي يطلق نداء استغاثة بسبب مرقص بمكة.

اقرأ أيضا:

التعليقات غير متاحة