من عرف سنن الله اطمأن الى ربه والى طريقه اليه، وعلم سنن المجتمعات ولم تغره أو تخدعه زخارف خادعة أو ترفٌ عاجل؛ فلسنة الله طريقتها في العمل ومراحلها التي تسلكها.

سنة الماضين

لله تعالى سنن أجراها في خلقه، وأجرى تعالى على وفقها الأحداث.

ومن نعم الله على عباده التعرف اليها، والنظر الى جريانها في الأمم الحاضرة اعتبارا بمن مضى.

هنا يطمئن قلب المؤمن، ويعرف عن بصيرة، ولا يستخفه مستخفٌ أو متعجّل؛ لا ييأس ولا يقنط، ولا يتراجع؛ بل يثبت على الطريق مطمئنا الى قوة ربه وحُكمه وحكمته.

وفي سورة الأنعام بيان لهذه السُنة وطرف منها نتتبعها لمعرفة البيان الرباني الجليل.

تتابع الآيات المقررة لسُنة الله

سأذكر في هذا المقال إن شاء الله تعالى ما ورد من الآيات في سورة الأنعام، التي يجمعها الحديث عن هذه السُنّة، ثم أُردفها بشرحها، وذكر الثمرات التي ينبغي أن نستثمرها من هذه السنة، وذلك في خضم ما نعيشه من نوازل وأحداث متسارعة.

(الآية الأولى): قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (الأنعام: 6).

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن هذه الآية:

“ذكر سبحانه إهلاك من قبلنا من القرون، وبيّن أن ذلك كان لمعنى القياس، وهو ذنوبهم، فهم “الأصل” ونحن “الفرع”، والذنوب “العلة الجامعة”، والحكم الهلاك، فهذا محض قياس العلة”. (1)

(الآية الثانية): قوله سبحانه ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام: 10-11).

(الآية الثالثة): قوله سبحانه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: 42-45).

(الآية الرابعة): قوله سبحانه ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ﴾ (الأنعام: 124).

(الآية الخامسة): قوله سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأنعام: 129).

يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى عن هذه الآية:

“أي: وكذلك من سنتنا أن يواليَ كلُّ ظالم ظالمًا مثله، يؤزّه إلى الشر، ويحثّه عليه، ويزهّده في الخير، وينفّره عنه…

ومن ذلك أن العباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم ومنعهم الحقوق الواجبة ولَّى عليهم ظَلَمة يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم بالظلم أضعاف ما منعوا من حقوق الله وحقوق عباده”. (2)

“الآية السادسة” قوله سبحانه ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأنعام: 147).

“الآية السابعة” قوله سبحانه ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ﴾ (الأنعام: 157).

العبرة في مصارع الأولين

يقول سيد قطب رحمه الله:

“ألم يروا إلى مصارع الأجيال الغابرة، وقد مكنهم الله في الأرض، وأعطاهم من أسباب القوة والسلطان ما لم يعط مثله للمخاطبين من قريش في الجزيرة؛ وأرسل المطر عليهم متتابعًا، ينشئ في حياتهم الخصب والنماء، ويفيض عليهم من الأرزاق.. ثم ماذا؟

ثم عصوا ربهم، فأخذهم الله بذنوبهم، وأنشأ من بعدهم جيلًا آخر، ورث الأرض من بعدهم؛ ومضوا هم لا تَحفِل بهم الأرض! فقد ورثها قوم آخرون!

فما أهون المكذبين المُعرضين أصحاب القوة والتمكين من البشر!

ما أهونهم على الله؛ وما أهونهم على هذه الأرض أيضًا!

لقد أُهلكوا وغبروا فما أحست هذه الأرض بالخلاء والخواء؛ إنما عمرها جيل آخر؛ ومضت الأرض في دورتها، كأن لم يكن هنا سكان؛ ومضت الحياة في حركتها كأن لم يكن هنا أحياء..!

إنها حقيقة ينساها البشر ـ إلا من عصم الله ـ وعندئذ ينحرفون عن عهد الله وعن شرط الاستخلاف؛ ويمضون على غير سنة الله؛ ولا يتبين لهم في أول الطريق عواقب هذا الانحراف، ويقع الفساد رويدًا رويدًا وهم ينزلقون ولا يشعرون.. حتى يستوفي الكتاب أجله؛ ويحق وعد الله..

ثم تختلف أشكال النهاية..

مرّة يأخذهم الله بعذاب الاستئصال، بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم، كما وقع لكثير من الأقوام.

ومرة يأخذهم بالسنين ونقص الأنفس والثمرات، كما حدث كذلك لأقوام.

ومرة يأخذهم بأن يذيق بعضهم بأس بعض؛ فيعذب بعضُهم بعضًا، ويدمر بعضهم بعضًا، ويؤذي بعضهم بعضًا، ولا يعود بعضهم يأمن بعضًا؛ فتضعف شوكتهم في النهاية؛ ويسلط الله عليهم عبادًا له ـ طائعين أو عصاة ـ يخضدون شوكتهم، ويقتلعونهم مما مكنوا فيه؛ ثم يستخلف الله العباد الجدد ليبتليهم بما مكنهم.

وهكذا تمضي دورة السُنة.. السعيد من وعى أنها السنة، ومن وعى أنه الابتلاء؛ فعمل بعهد الله فيما استُخلف فيه، والشقيّ من غفل عن هذه الحقيقة، وظن أنه أوتيها بعلمه، أو أوتيها بحيلته، أو أوتيها جزافًا بلا تدبير!

إن هذا النص في القرآن يقرر حقيقة أن الذنوب تهلك أصحابها، وأن الله هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم؛ وأن هذه سنة ماضية ـ ولو لم يرها فردٌ في عمره القصير، أو جيل في أجله المحدود ـ ولكنها سُنة تصير إليها الأمم حين تفشو فيها الذنوب؛ وحين تقوم حياتها على الذنوب”. (3)

ويقول أيضا:

“لقد أخذ الله قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم لوط، كما أخذ الفراعنة والإغريق والرومان وغيرهم بهذه السنة؛ ووراء ازدهار حضارتهم ثم تدميرها، ذلك السر المغيب من قدر الله؛ وهذا القدْر الظاهر من سنته؛ وهذا التفسير الرباني لهذا الواقع التاريخي المعروف.

ولقد كان لهذه الأمم من الحضارة؛ وكان لها من التمكين في الأرض؛ وكان لها من الرخاء والمتاع؛ ما لا يقل ـ إن لم يزد في بعض نواحيه ـ عما تتمتع به اليوم أمم؛ مستغرقة في السلطان والرخاء والمتاع؛ مخدوعة بما هي فيه؛ خادعة لغيرها ممن لا يعرفون سنة الله في الشدة والرخاء..

هذه الأمم لا تدرك أن هناك سُنّة، ولا تشعر أن الله يستدرجها وفق هذه السُنّة، والذين يدورون في فلَكها يبهرهم اللَّأْلَاءُ الخاطف، ويتعاظمهم الرخاء والسلطان، ويخدعهم إملاء الله لهذه الأمم، وهي لا تعبد الله أو لا تعرفه، وهي تتمرد على سلطانه، وهي تدعي لأنفسها خصائص ألوهيته، وهي تعيث في الأرض فسادًا، وهي تظلم الناس بعد اعتدائها على سلطان الله”. (4)

مراحل سُنة الله

مما سبق بداية في تفسير الآيات يتبين لنا أن مراحل جريان سنة الله تعالى في العصاة والمكذبين تمر عبر ثلاث مراحل:

“المرحلة الأولى”: إنزال الله عقوبته بالعصاة والمكذبين بعد إقامة الحجة عليهم.

“المرحلة الثانية”: إن لم يعتبر العصاة بما يحل بهم من المصائب بسبب ذنوبهم وعصيانهم، يعاقبهم الله عز وجل بعقوبة أشد من الأولى، ألا وهي عقوبة السراء والرخاء، وفتح أبواب الدنيا عليهم، وفي هذا استدراج وإملاء ومكر بهم، نسأل الله العافية.

“المرحلة الثالثة” وهي نتيجة طبيعية للمرحلة الثانية؛ لأن الابتلاء بالرخاء والنعم وانفتاح الدنيا لا يشعر المبتلى بها أنه في عقوبة، وغالبًا ما يغترّ بذلك صاحبها ويظن أن ذلك لن يزول عنه؛ فيبطر ويزداد عتوا وإثمًا، حتى يحقّ فيه خاتمة هذه السنة بالعقوبة المباغتة، التي لا تمهله، نسأل الله العافية والسلامة.

إن من سنن الله عز وجل الماضية في عباده، والتي لا تتبدل ولا تتحول؛ أن الأمة إذا فشا فيها الظلم والمعاصي بين أفرادها ـ ولاسيما المعاصي الظاهرة ـ وقلَّ الإنكار لها؛ فإن الله عز وجل يسلّط عليهم ظالمًا أقوى منهم، يظلمهم ويضيّق عليهم في معايشهم وأرزاقهم، ويمنع عنهم حقهم، ويضرب عليهم الضرائب والمكوس، التي تسبب لهم المشقة والعناء والعنت في حياتهم.

بل إن الله عز وجل ـ وفي ضوء هذه السنة ـ يسلط على الحاكم المستبد الذي يظلم رعيته وينشر فيهم الفساد ظالمًا أظلم منه وأقوى؛ يستبيح البلاد، ويدمر اقتصادها، ويُذلّ ولاتها، وهكذا تعمل هذه السُنة الإلهية في تسليط الظالمين بعضهم على بعض.

ثمرات المعرفة بهذه السنة الإلهية

لهذه المعرفة الجليلة بسنة الله تعالى؛ منها..

اليقين بالخالق المدبر

أن يستقر في قلب المؤمن أن لهذا الكون ربًّا وخالقًا ومدبرًا يدبّر خلقه وأمره بعلم وحكمة وعزة ورحمة، وأن كل ما يحدث في ملكوت الله عز وجل فهو مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته وسننه التي لا تتبدل، وليس هناك شيء من ذلك يتم بالصدفة أو العشوائية، وهذا كله يزيد المؤمن حبًّا وتعظيمًا لربه، كما يزيده خشيًة ورجاءً ويقينًا وإخلاصًا.

الخوف من الله وتجنب سخطه

الخـوف مـن الله، واجتنـاب أسباب سخطه من المعاصي والذنوب، التي هي مفتاح هذه العقوبات من “ظواهر كونية” و”كوارث طبيعية”، أو ما كان منها من “أمراض” و”فقر” و”خوف” و”نقص في الثمرات” و”تسليط أعداء”.

التضرع الى الله

التضرع إلى الله والتوبة إليه سبحانه في رفع ما ينزل من المصائب، وما يحِّل من بأس الله عز وجل بسبب المعاصي والذنوب.

الْتفات الدعاة الى أثر الذنوب

ثمرة معرفة هذه السُنّة على الدعاة إلى الله عز وجل والمجاهدين في سبيله، ومحاسبتهم لأنفسهم حينما يتأخر نصر الله عز وجل، أو تحل المصائب والهزائم بهم، وأن ذلك بسبب الذنوب ما ظهر منها وما بطن، والتي تؤدي إلى الفرقة والتناحر والتدابر.. وحينها يحل الفشل وذهاب الريح.

معرفة سنن المجتمعات

من ثمار معرفة هذه السُنة الإلهية العظيمة أنها تقود لمعرفة سنة الله عز وجل في تغيير الأحوال على الفرد والمجتمع من الشدة إلى الرخـاء، ومـن الرخـاء إلى الشـدة.

التفاؤل بأخذ الظالمين

التفاؤل بنصر هذا الدين وإهلاك أعدائه الكفرة، الذين بارزوا الله عز وجل بكفرهم وفسادهم وظلمهم لعباده المؤمنين، فهم ليسوا بمنأًى عن هذه السنة العظيمة.

مصير منتَظر

ليس المكذبون والمتمردون على الله اليوم ببدْع من المكذبين أو المتمردين. فلقد سبقتهم أمم كثيرة وتتابعوا على المصير نفسه؛ فلا يتراجع امرؤ مؤمن، ولا يهِن، ولا يتشكك في الطريق أو ينهزم أمام قوى منتفشة اليوم؛ فعمّا قليل يحق عليهم وعد الله الجليل .. سبحانه.

……………………………..

الهوامش:

  1. إعلام الموقعين (1/134).
  2. تفسير السعدي (ص273).
  3. في ظلال القرآن (2/1038).
  4. في ظلال القرآن (3/1089، 1090).

اقرأ أيضا:

التعليقات غير متاحة