في ظل هذه الحروب الشعواء التي يشنها بعض من ينتسبون للأزهر على من يسمونهم بالوهابية أو أتباع ابن تيمية أو النابتة وما أشبه ذلك من الأسماء، أحببت أن أُذكِّر بموقف نبيل وقفته مجلة الأزهر دفاعاً عن الإمام ابن تيمية رحمه الله.
وذلك في مقال نشرته بعدد رجب 1380هـ الموافق ديسمبر 1960م بعنوان: “في ذكرى ابن تيمية”، وهو بقلم الشيخ محمد نجيب المطيعي رحمه الله.
قصة المقال: كيف بدأت المعركة الدفاعية عن ابن تيمية؟
ولهذا المقال قصة، خلاصتها أن المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، كان قد قرر إقامة مهرجان أو أسبوع ثقافي يخصص للاحتفاء بابن تيمية باعتباره واحداً من المجددين من علماء المسلمين.
لكن ذلك القرار لم يَرُقْ لبعض الكتاب والأدباء، فنشرت مجلة الهلال في عددها الصادر في ديسمبر 1960 مقالاً افتتاحياً بقلم رئيس تحريرها الأستاذ طاهر الطناحي، يستنكر فيه ذلك القرار.
اتهامات مجلة الهلال لابن تيمية
وكان مما ذكره في مقاله أن ابن تيمية لا يستحق مثل هذا الاحتفاء. وفي سبيل إثباته لما يقول، أخذ يكرر بعض التهم القديمة التي كان خصوم الإمام ابن تيمية يرمونه بها، كاتهامه بـ:
- التجسيم وتشبيه الله بخلقه.
- كما ذكر الطناحي أن ابن تيمية كان يطعن في الصحابة.
- وأنه كان ينتسب لمذهب الإمام أحمد لكنه كان أحياناً يتحلل من ذلك المذهب.
- وأنه كان يوقع الطلاق بلفظ الثلاث طلقة واحدة.
- وأنه قد حبس وسجن أكثر من مرة.
رد الأزهر: الشيخ المطيعي يدافع ويفنّد
وقد انبرى الشيخ المطيعي رحمه الله للدفاع عن ابن تيمية وتفنيد التهم التي ألصقتها به مجلة الهلال، فكتب المقال المشار إليه.
وفيه بيَّن الشيخ:
- كذب ما نسب إلى ابن تيمية من التشبيه ومن الطعن في الصحابة.
- كما بيَّن أن مخالفة ابن تيمية لبعض آراء إمامه أحمد بن حنبل لا ضير فيها، بل هي من أثر اتباعه رحمه الله للدليل.
- كما جلَّى آراء ابن تيمية الفقهية في مسائل الطلاق، وذكر أن قوانين الأحوال الشخصية قد صارت تأخذ برأيه في مسألة الطلاق الثلاث وغيرها.
ملاحظات مهمة: سعة أفق الأزهر قديماً
ولست أريد أن أقف كثيراً عند تفاصيل دفاع المطيعي عن ابن تيمية، ولكني أريد أن أخرج من هذا الموضوع بملاحظات مهمة، أجملها فيما يلي:
أولاً: تجاوز الأزهر للاتهامات القديمة
نلاحظ سعة أفق المسؤولين عن الأزهر ومجلته في ذلك الوقت، فقد تجاوزت المجلة في تلك الحقبة ما كان يذكر في بعض الكتب الأزهرية من اتهام ابن تيمية رحمه الله بالبدعة والضلالة، فعرفت قيمتَه وأنه -مهما اختُلف معه في بعض آرائه- واحد من علماء المسلمين الذين يعتد بعلمهم وفضلهم.
فإضافة إلى هذا الذي ذكرناه من دفاع الشيخ المطيعي عن ابن تيمية، فإنك تجد أعداد مجلة الأزهر في الفترة المشار إليها لا تخلو من الإشارة إلى ابن تيمية أو النقل عنه، وخاصة في أبواب الفتاوى والأحكام.
ثانياً: الاستفادة من غير الأزهريين
كما أنه من الملاحظ أن القائمين على شأن الأزهر في ذلك الوقت كانوا لا يمانعون في الاستفادة من علم غير الأزهريين وخبرتهم، بما ينفع الإسلام والمسلمين.
ولك أن تعلم أن الشيخ محب الدين الخطيب رحمه الله قد تولى رئاسة تحرير مجلة الأزهر حوالي ست سنوات (من سنة 1952م حتى 1958م)، ومحب الدين الخطيب لم يكن أزهرياً، بل هو رائد من رواد الدعوة السلفية بالشام ومصر، وهو صاحب المكتبة السلفية ومطبعتها بالمنيل والتي كانت تطبع كتب ابن تيمية وابن القيم وتلاميذهما.
ثالثاً: الشيخ المطيعي نموذجاً للعلم بلا أزهرية
بل إن الشيخ المطيعي صاحب المقال المشار إليه لم يكن من خريجي الأزهر، ولم يدرس فيه ولا حتى في المدارس العامة، ومع ذلك كانت مجلة الأزهر تنشر له، وكان بعد ذلك بسنوات يتولى الإجابة على استفتاءات المستمعين في برنامج: “بريد الإسلام” بإذاعة القرآن الكريم.
رابعاً: الألباني عضواً بلجنة الحديث بالأعلى للشؤون الإسلامية
وكذا كان الحال في وزارة الأوقاف، ففي عدد ربيع الآخر 1380هـ (سبتمبر 1960) من مجلة الهدي النبوي، نُشر خبر مفاده أن وزير الأوقاف قد اختار العالم السلفي الشيخ ناصر الدين الألباني عضواً بلجنة الحديث بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية [كان ذلك في فترة الوحدة بين مصر وسوريا].
وقد احتفت المجلة المذكورة بهذا الاختيار الذي صادف أهله –كما قالت- وذلك لما كان للشيخ الألباني رحمه الله من جهد معروف في خدمة السنة المطهرة والقيام عليها.
تكريم الألباني وحضور الشيخ الغزالي
وفي تفاصيل الخبر أن جماعة أنصار السنة –وهي التي كانت تمثل التيار السلفي آنذاك– قد أقامت حفل تكريم للشيخ الألباني بهذه المناسبة، حضره لفيف من مقدري الشيخ وعارفي فضله من شيوخ الأزهر وغيرهم.
وكان من الحاضرين الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، الذي كان وقتها مديراً للمساجد بوزارة الأوقاف، وقد ألقى كلمة ترحيبية بالشيخ الألباني في ذلك الحفل.
خامساً: علماء الأزهر يشيعون جنازة الشيخ محمد حامد الفقي
ومما لفت نظري أيضاً ما وقفت عليه في مجلة الهدي النبوي عدد شعبان 1378هـ (فبراير 1959م)، الصادر عقب وفاة الشيخ محمد حامد الفقي مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية، والذي كان من أكثر الناس اهتماماً بنشر تراث ابن تيمية وابن القيم وعلماء الدعوة النجدية.
حيث أوردت المجلة أن عدداً كبيراً من علماء الأزهر قد شاركوا في تشييع جنازة الشيخ حامد، على رأسهم:
- الشيخ الباقوري وزير الأوقاف وقتها.
- والمفتي الشيخ حسن مأمون.
- والشيخ حسنين مخلوف.
- والشيخ عبد الرحمن تاج.
موقف وزير الأوقاف من جماعة أنصار السنة
كما ذكرت المجلة أن جماعة أنصار السنة قد تقدمت بطلب إلى الشيخ الباقوري بأن يترك لهم المسجد الذي كان يخطب فيه الشيخ حامد الفقي، يقيمون فيه الشعائر ويخطبون فيه الجمعة.
وأن الشيخ الباقوري وافق على طلبهم قائلاً: “إن فضيلة الشيخ حامد كان والداً لنا، وأستاذاً للجميع” .
أسبوع ابن تيمية أقيم رغم الاعتراضات
وأخيراً: فمن المهم أن نعرف أن أسبوع ابن تيمية قد أقيم بالفعل، في الأسبوع الأول من شهر أبريل 1961م، بمدينة دمشق بالإقليم الشمالي (كما كانت سوريا تسمى أيام دولة الوحدة).
وقد قُدِّمت فيه عدة بحوث ودراسات تتعلق بابن تيمية وجهاده واجتهاده، جمعت بعد ذلك في كتاب بعنوان: “أسبوع الفقه الإسلامي ومهرجان الإمام ابن تيمية دمشق” .
فلم يُلقِ المسؤولون بمجلس الفنون والآداب بالاً للاعتراضات التي أثارتها مجلة الهلال وغيرها حول هذا الموضوع.
تأملات في الحاضر: هل نطمع في مثل هذا اليوم؟
فهل نطمع اليوم في أن يُقام أسبوع ثقافي –لا أقول لابن تيمية– ولكن لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو البخاري أو مسلم؟
وكيف يمكن أن نطمع في ذلك في ظل الإرهاب الفكري الذي يمارسه أدعياء الثقافة في مصر، الذين باتوا يشككون في كل شيء من ثوابت ديننا، من أمثال إبراهيم عيسى وإسلام البحيري ومحمد الباز وغيرهم؟
محاربة السلفيين بدلاً من مواجهة المتربصين
ثم نرى بعض رجال المؤسسات الدينية الرسمية -بدلاً من أن يتصدوا لمثل هذه الاعتداءات السافرة على الإسلام وثوابته– يصرفون جهدهم في محاربة كل من خالفهم في قول أو عارضهم في رأي، من أهل العلم والدين.
ويكفي أن نشير إلى موضوع الخطبة الموحدة الذي تحدده وزارة الأوقاف، مهددة كل خطيب لا يلتزم به بالاستبعاد من الخطابة.
والنتيجة المؤلمة
علماً بأن هناك بالفعل عشرات من أئمة المساجد الرسميين قد حُولوا إلى أعمال إدارية، لكن ليس لعدم التزامهم بالخطبة الموحدة، وإنما لكونهم على النهج السلفي بحسب توصيف الوزارة.
فإنا لله وإنا إليه راجعون.
المصدر
صفحة دكتور عبد الآخر حماد، على منصة ميتا بتصرف.


