إن ما يجري اليوم في فلسطين ولبنان وإيران وأوكرانيا والسودان، ليس صراعات متفرقة، بل هي جبهة واحدة مفتوحة على مصراعيها، هدفها إبادة الموحدين الذين لا يزالون متمسكين بدينهم، وتجريد الأمة من قوتها الحقيقية: إخلاصها لله رب العالمين.
حقيقة الصراع الأبدي
لا جرم أن الصراع الأبدي القائم بين معسكري الإيمان والكفر لم يكن صراعاً قط بين: أسماء بلا مسميات، ولا بين أشكال بلا مضامين، ولا بين انتساب مزور للمنتسب إليه … وإنما حقيقة الصراع الأبدي الرهيب قائمة وسط: حقائق، ومسميات، ومضامين. فالصراع مشتعل بين: حقيقتي التوحيد والشرك؛ وملتهب بين: مضموني الإيمان والكفر؛ ومتأجج بين مسمى الحق والباطل.
علة استباحة الدماء والأعراض
وبجلاء هذه الحقيقة الغائبة التائهة نلمس ونتيقن: علة استباحة دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم ومقدساتهم وسط جماهيره الغفيرة – والتي يُستعصى حصرها على العادّين – دون تحريك ساكن، أو تسكين متحرك، اللهم إلا الشجب والإدانة! تلك الألفاظ الرنانة التي تعرت عن معانيها ولوازمها، والتي حرم عليها مجاوزة محلها من صفحات الجرائد والمجلات، وتمتمات رجال الإذاعة والتلفاز!
قال – صلى الله عليه وسلم -: “وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها” 1(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٦١، ١٩١) والإمام مسلم في صحيحه – كتاب الإمارة برقم: ٤٦، والنسائي في البيعة وابن ماجه في الفتن..
ماضٍ مشرق وحاضرٌ مظلم
فأول هذه الأمة لما قاموا بحقائق التوحيد ومقتضياته: علماً، وعملاً، واعتقاداً، وسلوكاً؛ أظلتهم الرحمة، وغشيتهم العافية، وضمن لهم مولاهم تبارك وتعالى: النصر، والعلو، والتمكين، ولو اجتمع عليهم من بأقطار المعمورة حتى يسبي بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً.
وآخر هذه الأمة لما غفل كثير من المنتسبين إليها عن: معنى التوحيد وأركانه وشروطه، وضاع فرقانه بينهم، واختلطت أعلامه بأعلام ضده ونقيضه من الشرك والإلحاد، ومن ثم عاد مختزلاً بينهم: تارة في النطق فقط، وتارة في الاعتقاد دون العمل، وتارة في الانتساب المزيف، وتارة في إرث موروث بلا بينة ولا برهان، وتارة في شهادات الميلاد وبطاقات الرشد وجوازات المرور …
آثار الغفلة المدمرة
وترتب على تلك الغفلة:
- تسلط الأعداء ومعاينة البلاء حتى صار أمرنا كالغنم المائجة على وجهها هربا من ذئاب رعاتها وأعدائها، لا تدري لماذا الفرار ولا أين القرار.
- ضياع الأمانة الملقاة على عاتق الأمة.
- قلب الموازين والقيم.
- تأمين الخائن والزنديق.
- تخوين المؤمن الأمين.
- ترئيس العتاة المتكبرين.
- العمل على استئصال الموحدين المخلصين.
- السعي على ظهور وعلو المفسدين الضالين.
- رفع رايات الإلحاد والعلمانية.
- إخماد راية التوحيد والإيمان.
- موالاة المشركين والكافرين.
- البراءة من حزب الله الموحدين.
- تنحية شرائع الرحمن.
- تحكيم شرائع الشيطان.
- الدعوة إلى التوحيد الصافي أصبحت جريمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام.
- الدعوة إلى الإلحاد والتشكيك في أصول الاعتقاد غدت مستندات الحياة الآمنة الرغدة الهنيئة …
المعركة القادمة: من طوفان الأقصى إلى مواجهة الطاغوت
إن في الأفق ملامحاً أكيدة، وقرائن عديدة، وخطوطاً عريضة: منذرة ومحذرة بقرب وقوع المعركة الفاصلة بين: المسلمين الموحدين، وبين قوى الكفر قاطبة على اختلاف مللهم ونحلهم وعقائدهم. إن كفار اليوم قد صفوا كافة حساباتهم بينهم، وغضوا الطرف جانباً عنها، ريثما يتم التخلص من المسلمين والقضاء على دينهم.
ألم ترَ إلى ما جرى في طوفان الأقصى حين هتف الموحدون تكبيرهم، وخرقوا أسوار العجز، وأذاقوا العدو ذل الهزيمة ولو لساعات؟! فإذا بالعالم يتغير، وبالوجوه تتساقط أقنعتها، وبالمخططات تنكشف أوراقها! تلك المعركة لم تكن مجرد اشتباك عابر، بل كانت إعلاناً ببدء العد التنازلي لسقوط مشاريع التطبيع والإذعان، وكشفت أن أمريكا هي رأس حربة الكفر وقلعة الصليبية الحديثة.
ثم انظر إلى ما تلاها من غزو صهيوني همجي لغزة، حرقاً وتدميراً وتهجيراً، لم يشهد التاريخ له مثيلاً في وحشيته، تخوضه أعتى آلة حربية مدعومة أمريكياً وغربياً، بينما الأمة تنظر! فكانت المشاهد المروعة التي أيقظت الغافلين: أطفال تلفظ أنفاسها تحت الأنقاض، ومستشفيات تقصف، ومدارس تدمّر، وعلماء وقادة يغتالون في بيوتهم وعلى أرصفة العزة والكرامة.
ولم يكتفِ الكفر بدعمه الصريح للعدو الصهيوني، بل أخذ يمد جسوره مع أذناب الشيطان في المنطقة. فها هي إيران، تلك الدولة التي تُظهر غير ما تُبطن، تتوعد وتهدد وترفع شعارات، ثم لا تلبث أن تدخل في مواجهة مباشرة مع أمريكا، ضاربة عرض الحائط بكل الموازين، بعد أن أوغلت في دماء المسلمين سنيناً طويلة، وسلطت مليشياتها على شعوب المنطقة تباعاً. إن ما يحدث اليوم من حرب إيرانية – أمريكية معلنة أو مستترة، ليس إلا صراع دموي على النفوذ والمصالح، كل طرف يريد أن يبتلع الآخر، وغزة والمسلمون هم الوقود والضحية والثمن.
إن كفار اليوم قد أعدوا العدة وشحذوا الهمم، وامتطوا الجياد، وسلوا السيوف، وصفوا الصفوف … ورأوا أن الوقت قد حان للتخلص من الإسلام جذرياً، عبر حروب بالوكالة، وتجفيف منابع الدعم، وتضليل الشعوب بأن الصراع صراع دول وحدود، لا صراع عقيدة ودين.
دعوة للمربين والدعاة: وقفة مع المسؤولين
وما زال كثير من الدعاة والمربين والمصلحين مصرين: على وضع الغمامة على أعينهم، وعلى جعل أصابعهم في آذانهم، خشية تشخيص الداء القتال الذي يفتك بجسد الأمة.
بل إن من العلماء والدعاة من تنكبوا الطريق الصحيح، وأطاعوا الطغاة في ما أمروهم به من تزييف الحقائق، وترويج الأباطيل، وتبرئة المجرمين، وتقديس الأنظمة الجائرة. فكانوا — ويا للأسف — قنوات لنشر الباطل تحت مسميات: “الحكمة”، و”مراعاة المصالح”، و”درء المفاسد”، و”عدم التصدي للولاة”!!
لبسوا على الناس دينهم، وحرموا ما أحل الله من الجهاد في سبيله والبراءة من أعدائه، وأحلوا ما حرم الله من طاعة الحكام الفسقة والرضى بحكمهم بغير ما أنزل الله.
أطاعوا الطغاة في تسكين الأمة وإخماد ثورتها على الظلم، وفي تبرير استباحة الدماء والأعراض، وفي تحويل غضب الأمة عن عدوها الحقيقي إلى صراعات هامشية وفتاوى مميتة تخدم سلاطين الجور وتخون دماء الشهداء.
إن هؤلاء — للأسف — هم مفاتيح شر هذه الأمة، ومصاريع عذابها، وحجابها بينها وبين ربها، وهم الذين قال فيهم رسول الله — صلى الله عليه وسلم —: “ليتخذن أئمة يضلون ويضلون”، وقال: “إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين”.
فمن هؤلاء العلماء السوء والدعاة المأجورين الذين باعوا دينهم بعرض الدنيا، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وجعلوا من منابر العلم منابر للطغيان، ومن أقلامهم سيوفاً تُذبح بها المبادئ وتُذبح معها الأبرياء.
وبعد هذه المقدمة أضع نصب أعين الدعاة والمربين والمصلحين الراشدين — الذين لم تُصبهم عدوى الخوف والطمع — حقيقة راسخة ناطقة بأنه لا عود لهذا الدين مسيطراً ومهيمناً ومتحدياً، إلا بتجريد التوحيد والتربية عليه، والقضاء على الشرك بكافة صوره وألوانه.
لماذا التوحيد؟
- التوحيد هو الحبل الوحيد الممدود بين الأمة وربها.
- التوحيد هو المستمسك الرصين الكفيل بالقضاء على كافة ألوان الشرك والإلحاد المتمثلة في الوطنية، والقومية العربية، والعلمانية، والحداثة …
- التوحيد هو الشعار الخالص والعلم الفريد الذي يضمن للأمة وحدتها وتفردها وعلوها.
- التوحيد هو الفرقان الفارق، والحد الفاصل بين المسلمين والمشركين.
- التوحيد هو ثمن الجنة، ومهر الزحزحة عن النيران ولا سبيل للنجاة بدونه.
- التوحيد هو الحصن الحصين والمأمن الأمين من مكائد وفتن مردة الطغاة والشياطين.
- التوحيد هو المطهّر الفعال لصفوف المسلمين من آفات المنافقين والزنادقة.
- التوحيد هو السبيل المعصوم للبراءة من البدع ومحدثات الأمور.
- التوحيد هو البيان العملي والتجسيد الفعلي لدعوة الكتب الربانية ولرسالة الرسل الإلهية.
- التوحيد هو حائطة الصد الشامخ الذي تتهاوى عليه كافة الضربات المتلاحقة من سائر الكفار والملاحدة.
الهوامش
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٦١، ١٩١) والإمام مسلم في صحيحه – كتاب الإمارة برقم: ٤٦، والنسائي في البيعة وابن ماجه في الفتن.
المصدر
مقتبس ومُعدَّل بتصرف من: كتاب: ” آثار حجج التوحيد في مؤاخذة العبيد” مدحت آل فراج، مع إضافات وتوسعات من الناشر.


