يناقش المقال التغيير في الخطاب الإعلامي الخليجي تجاه المشير خليفة حفتر، مع التركيز على السياق السياسي والمصالح الإقليمية المتغيرة، وليس على الحقائق الجديدة.
تحول الخطاب الإعلامي الخليجي تجاه حفتر: المصالح أم الحقائق؟
في الآونة الأخيرة، لوحظ تحول لافت في الخطاب الإعلامي السعودي والخليجي تجاه المشير خليفة حفتر، حيث بات يوصف بأنه “عميل لإسرائيل”. هذا التحول يطرح سؤالًا جوهريًا: هل جاء نتيجة اكتشاف حقائق جديدة، أم أنه انعكاس لتغير التحالفات الإقليمية؟
في الواقع، يبدو أن العامل الحاسم هو تحول المصالح، وليس ظهور أدلة غير معروفة سابقًا. فقد كان حفتر لسنوات جزءًا من مشروع إقليمي تقوده الإمارات، يهدف إلى عسكرة الدولة والهيمنة على القرار السياسي، وتحييد التيارات الإسلامية والثورية. هذا المشروع التقى موضوعيًا مع أجندة إسرائيلية تهدف إلى إضعاف الدول وتفتيتها، وفرض السيطرة على الشعوب عبر أنظمة عسكرية تابعة.
ومع اختلاف السعودية والإمارات في ملفات إقليمية حساسة مثل اليمن والقرن الأفريقي والنفوذ، بدأ الخطاب الإعلامي السعودي يكشف ما كان مسكوتًا عنه سابقًا. بمعنى آخر، لم يتغير حفتر نفسه، ولا طرأ تحول جذري على وعي الإعلام، بل تغير موقعه في خريطة المصالح الإقليمية.
سردية “المنقذ الوطني”: صناعة إعلامية مموّلة
أما سردية “حفتر الوطني محارب الإرهاب”، فقد صُنعت بعناية عبر سنوات من الضخ الإعلامي المموّل إماراتيًا وخليجيًا ومصريًا، اعتمد على ثلاث رسائل رئيسية:
- الترويج لوعد الأمان والاستقرار.
- ربط أي معارضة له بـ”الإرهاب”.
- استخدام تنظيم “داعش” كشماعة جاهزة لتبرير الحملات العسكرية.
ولكن الواقع يشير إلى أن حفتر لم يحارب الإرهاب كمنهج، بل حارب خصومه السياسيين والمشايخ والثوار وأي قوة ترفض الخضوع له. كما عمل على إضعاف القبائل الخاضعة له عسكريًا واجتماعيًا عبر الاغتيالات والإهانات.
تدمير درنة وبنغازي: محاربة الإرهاب أم الخصوم؟
في درنة، دُمرت المدينة تحت ذريعة محاربة “داعش”، بينما كان مجاهدوها وثوارها هم من قضوا على التنظيم فعليًا عام 2015. لكن حفتر حاصر المدينة وهرّب عناصر “داعش” إلى سرت، ثم واصل حصار درنة وتدميرها لأربع سنوات أخرى.
وفي بنغازي، سويت أحياء كاملة بالأرض بحجة مكافحة الإرهاب، بينما كان العديد من قادة المدينة براء من هذه التهمة. ولا تزال آلاف المعتقلين والمغيّبين قيد المصير المجهول، دون أن يُبنى دولة أو تقام مؤسسات حقيقية.
هجوم 2019 على طرابلس: الكذبة الكبرى
لو كان حفتر وطنيًا حقًا ويسعى لإنقاذ ليبيا، فلماذا هاجم طرابلس في أبريل 2019؟ المدينة كانت تحت حكومة معترف بها دوليًا، وبها بعثة أممية ومسار سياسي نشط. الهجوم تم بدعم إماراتي مباشر، وباستخدام طائرات مسيرة وقصف للأحياء المدنية، وتعزيز بقوات مرتزقة. وعندما فشل الهجوم، جرى تبريره بالادعاء بأن “طرابلس مليئة بالإرهابيين”، بينما الحقيقة هي أن المدينة صمدت وسقط المشروع العسكري، تاركًا وراءه دمارًا وضحايا.
لماذا ما زال البعض يدافع عن حفتر؟
يمكن تفسير الاستمرار في تأييد حفتر في بعض الأوساط بأسباب متعددة، منها:
- الانخداع بالشعارات والإعلام الموجه.
- كره فوضى المليشيات والبحث عن “منقذ”.
- التمويل المباشر من أجهزة حفتر أو استخبارات إقليمية.
- السعي لتحقيق مصالح ضيقة، حتى لو عبر التحالف مع قوى مهيمنة.
لكن الحقيقة الثابتة هي أن العسكر أمثال حفتر لا يبنون دولًا، بل يقيمون سلطات فوق الركام.
الخلاصة: ليبيا لا تحتاج منقذًا عسكريًا
حفتر لم يكن أبدًا وطنيًا، ولم يحارب الإرهاب، بل استخدمه كذريعة لتصفية الخصوم. كان أداة في مشروع إقليمي، وبعد أن انتهت صلاحيته، انقلب عليه من أيدوه. ليبيا لا تحتاج إلى “منقذ عسكري”، بل إلى:
- دولة يحكمها رجال أوفياء.
- مؤسسات تُبنى على القانون والعدل.
- جيش وطني يحارب الخونة ويعمل على تحرير ليبيا من الهيمنة الخارجية.
- إعلام توعوي يقف في صف الحق.
- محاسبة المفسدين وإنهاء الوصاية الخارجية شرقًا وغربًا.
التحدي الحقيقي اليوم هو استخلاص الدروس، وبناء مستقبل ليبي بعيدًا عن الأدوات العسكرية والمشاريع الإقليمية المتنافسة.
المصدر
صفحة أحرار بنغازي، على منصة ميتا.
اقرأ أيضا
المخطط الإماراتي-الإسرائيلي: الاستحواذ على البحر الأحمر وتقسيم العالم العربي

