بين طموح التغيير وواقع الدولة الحديثة، يقف الفكر السياسي الإسلامي أمام مفترق طرق حاسم…
فهل يكفي تغيير الحاكم لإصلاح الأمة، أم أن القضية أعمق من ذلك بكثير؟
بين التراث والواقع: إعادة التفكير في قضايا الحكم والتغيير
تُعدّ مسألة الحكم من أكثر القضايا التي شغلت عقول المفكرين والباحثين في تاريخ الأمة الإسلامية، لما لها من أثر مباشر في تشكيل واقع المجتمعات وتوجيه مساراتها الحضارية. ومع تعقّد الدولة الحديثة وتداخل مفاهيمها السياسية والقانونية، أصبح من الضروري إعادة النظر في منطلقات التفكير حول التغيير، بعيدًا عن ردود الفعل العاطفية أو التصورات المثالية، وبوعي علمي يميز بين الاتجاهات المختلفة ويحللها بموضوعية.
بين الشريعة والدولة الحديثة: قراءة في مسارات التغيير
في خضم التحوّلات السياسية والاجتماعية التي تشهدها المجتمعات الإسلامية، تبرز إشكالية العلاقة بين الإسلام والدولة، وكيفية التعامل مع النماذج السياسية الحديثة. هذا البحث يحاول تحليل ثلاثة مستويات رئيسية في الفكر السياسي الإسلامي الحديث لتغيير النظام الحاكم، مع بيان خصائص كل مستوى وتياراته الفكرية.
المستوى الأول: تغيير الطقم مع بقاء البنية والأفكار الحاكمة
خصائص هذا المستوى
يتميز هذا المستوى بالسعي لتغيير الطقم القديم للحاكم وزبانيته مع اختلاف في التوجّه والتحالفات والسياسات ومساحات الحرية وما شابه مع محاربة الفساد وحماية الحقوق. لكن مع بقاء بنية النظام الإدارية وأجهزته، وبقاء الأفكار الحاكمة العليا: كالعلمانية والديمقراطية والوطنية القطرية والجمهورية وتحية العلَم والنشيد الوطني وغير ذلك من القيم والمفاهيم الغربية، مع عدم إلغاء القانون القديم بل العمل به وتغيير بعض بنوده تدريجيا.
التوجه الفكري والحركي
يسعى هذا المستوى إلى المواءمة بين القيم والمفاهيم الغربية وبين الإسلام، فتجد فيه مقولات مثل أنّ دولة المواطنة هي النموذج الأقرب لدولة النبوة، وأن الديمقراطية هي الشورى وما شابه.
الممثلون: مختلف حركات الإسلام السياسي ذات المزاج الإخواني، وأحزاب العدالة والتنمية، الغنوشي، حسن الترابي وآخرون.
المستوى الثاني: تغيير الأساس الفكري مع بقاء البنى الإدارية
جوهر التحول في هذا المستوى
يتجاوز هذا المستوى الأول، وهو يشمل تغيير طقم النظام السابق مع تغيير الأساس الفكري والقيمي الذي تقوم عليه الدولة. فيرفض كل شيء يتعلق بالدولة السابقة من قانون ودستور، وينشد بناء جديدًا على نظام مفاهيم وقيم جديد مختلف جذريا عن النظام السابق الذي تداولته عدة أنظمة. فتكون الشريعة هي المرجع الأعلى، وتكون آلية إنتاج الفقه الإسلامي المتوارثة (أصول الفقه) هي المولدة للقانون، ويكون الولاء الإسلامي هو هوية الدولة، مع الطموح إلى وحدة الأمة في كيان سياسي جامع.
لكن ذلك كلّه دون تغيير البنى الإدارية وهياكل الدولة كالسلطات الثلاث وسَنّ الدولة للقوانين وتخصص إدارات الدولة وبعض أشكال البيروقراطية المرتبطة بتعقّد حياة المجتمعات البشرية في عصرنا.
التوازن بين الأصالة والواقع
وهذا النموذج يستند إلى محكمات الشريعة، ويحاول إنتاج فقه جديد بخصوص الأوضاع المعاصرة، ويسترشد بالتاريخ وخصوصا السيرة والفترة الراشدة دون أن يتمسّك حرفيّا بالأشكال التاريخية المرتبطة بالعصر وأدواته.
الممثلون: عبد القادر عودة، سيد قطب، تقي الدين النبهاني المبكّر قبل حزب التحرير وآخرون من الأجيال اللاحقة.
المستوى الثالث: التغيير الشامل والقطيعة مع نموذج الدولة الحديثة
رؤى متطرفة للتغيير
وهناك مستوى ثالث أكثر مصادمة لواقع الدولة الغربية الحديثة، وهو “يحلم” بتغيير بنية الدولة كليا وإعادة بناء نموذج جديد، إمّا نموذج دولتي صارم لكنْ على أسس مغايرة وببُنية إدارية مغايرة تماما للنماذج القائمة الآن، أو نموذج لادولتي يقدّم تصوّرات شديدة المثالية حول مجتمع إسلامي فاضل مستمدّة من تصوّره للتاريخ.
وهو يتفق مع المستوى الثاني إلى حدّ كبير على مستوى المفاهيم والقيم، ولكنه يختلف معه في زيادة جرعة الرفض لكل بنى الدولة الحديثة باعتبار أنها غربية ومرتبطة ارتباطًا لا ينفكّ عن القيم العلمانية، دون أن يلاحظ الإرث البشري المشترك في تطور الكثير من بنى الدولة وشكلها، وإمكان انفكاك الأدوات والوسائل وكثير من الآليات والبنى الإدارية عن الأصل الفلسفي والقيمي.
الخصائص المشتركة
والذي يجمع بين أصحاب هذا المستوى على اختلاف توجهاتهم ومنطلقاتهم قراءة الإسلام تاريخيّا، واعتبار وجود صورة واحدة للمجتمع الإسلامي والحكم الإسلامي هي الصورة التي يتخيّلونها في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي. وعادة ما يكون النموذج اللادولتي من هذا المستوى رافضا لفكرة الدولة ومؤسساتها المختلفة والقانون، ويقترح أنماطًا مستمدة من التاريخ تدير فيها المجتمعات نفسها بنفسها. مع تجاهل تام لفكرة أن التاريخ لا يعود.
التناقض الخفي
ومن المؤسف أن الأحداث الأليمة وخيبات الأمل التي رافقت الثورات العربية قد دفعت الكثير من الشباب المهتم بشؤون الأمة إلى القفز مباشرة من المستوى الأول إلى المستوى الثالث، وهو أمر يمكن فهمه في إطار حالة اليأس والخيبة من حركات الإسلام السياسي التي قدّمت تجارب حكم فاشلة، مع ما يوفّره المستوى الثالث من اشتباك فكري مثالي غير واقعي (خصوصا في نموذجه اللادولتي) يشبع الضمير ولا يمكن صبّه في إطار “حركة تغيير” في أي بلد مسلم، سواء لعدم قابليّته للحياة بطابعه التحليلي النقدي، أو لكون التاريخ لا يعود إلى الوراء كما ذكرنا، أو لعدم امتلاكه أي رؤى بخصوص كيفية إزاحة “كابوس الدولة” كما يبدو في حسّ معتنقي هذا النموذج.
وأبرز ما يميّز هذا المستوى الثالث هو ولعه بفكرة “عدم التأثّر بالغرب”، فهو يظنّ أن هذه الأطروحات التي يقدّمها بعيدة عن التأثّر بالغرب لكونه شديد النقد له، ولكنه في الواقع متأثر بنماذج غربية: “شمولية” في النموذج الدولتي، و”لاسلطوية” و”ليبرتارية” و”أناركية” و”بيئية” في النموذج اللادولتي، أي المعادي للدولة الحديثة كبُنية، وهي عداوة لا يشفع عندهم فيها تغير محتواها الفكري والقيمي والتشريعي!
الممثلون: حزب التحرير في النموذج الدولتي، وجميل أكبر والمتأثّرون بوائل حلاق وأمثاله من الأكاديميين في النموذج اللادولتي.
مقارنة بين المستويات الثلاثة
الاستفادة من التراث البشري المشترك
بينما لا يجد المستوى الثاني حرجًا في الاستفادة من تجارب البشرية على مستويات تنظيمية وإدارية وأدواتية لا تتعارض مع الشريعة (وليس مع التاريخ الإسلامي!). أما المستوى الأول، فهو أقرب إلى أن يكون محاولة لإضفاء الشرعية على نماذج دولة المواطنة العلمانية الديمقراطية المعاصرة بإسقاطات هشّة من الشريعة والتاريخ، دون سعي في تغييرها.
الخلاصة: نحو حوار ضروري لتحديد الموقف والمنطلقات
تحديد الموقع والاتجاه
أعتقد أننا في حاجة ماسّة قبل أن نتحدث عن المنشود في أوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية العامّة أن ندرك أين نحن؟ وماذا نريد؟ وأن نحدّد موقفنا ومنطلقاته من هذه المستويات الثلاثة، وأن نقرأ مختلف الأطروحات المندرجة تحت كل مستوى.
طريق إعادة البناء
وهو حوار ضروري، مع النفس ومع الآخرين، في طريق إعادة بناء هذه الأمة المتصدّعة بالعلمانية والعصبيات القومية والوطنية والتبعيّة للخارج والضعف والتخلّف والتفسّخ الأخلاقي. فقط من خلال هذا التمييز الواضح بين مستويات التغيير، وتحديد موقعنا منها، يمكننا الشروع في بناء مشروع نهضوي واقعي وقابل للتحقيق.
المصدر
صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا.


