هل تعلم أن القول بأن ‘الإسلام دين مسالم لا يعرف الحرب إلا دفاعًا’… هو في الحقيقة تشويه للإسلام؟ هكذا يرى شوقي في ‘نهج البردة’. لم يقل: الإسلام دين مسالم. بل قال بجرأة: نعم، الفتح بالسيف مشروع، ولكن بعد الفتح بالقلم. وأثبت أن الحرب هي أُس نظام الكون والأمم.

في هذا المقال: تصحيح لمفاهيم ذروة السنام في الجهاد.

بين بُرْدة البوصيري ونهج شوقي

من المدائح النبوية الشهيرة قصيدة شوقي “نهج البردة”، والتي عارض بها قصيدة البوصيري الشهيرة المسماة بالبردة. وهذه القصيدة -أي نهج البردة- وإن لم تخلُ من بعض الهنات والغلو الذي لعله قد تابع فيه صاحب البردة، إلّا أني لمست فيها جوانب تصحيحية لكثير من الأخطاء والمفاهيم التي وقع فيها كثير من الناس.

تصحيح مفهوم الجهاد في الإسلام

ومن ذلك ما يتعلق بقضية الجهاد والقتال في الإسلام. فلئن كان البوصيري حين تكلّم عن الجهاد في بردته قد ركّز على بيان قوة النبي صلى الله عليه وسلم وشجاعته هو وأصحابه، وخوف الأعداء منهم، فإن شوقي قد نهَج في نهجه نهجًا آخر، حيث عني بالرد على دعاوى المستشرقين وأتباعهم، وردّ مفترياتهم في أن الإسلام دين عدواني وأنه قد انتشر بالسيف والقهر. فردّ تلك المفتريات وبيّن أنها تضليل وسفسطة، لكنه لم يتورّط فيما تورّط فيه كثير من المعاصرين حين أرادوا أن ينفوا عن الإسلام تلك التهمة، فراحوا يروّجون أن الإسلام دين مسالم لا يعرف الحرب إلا دفاعًا، ظانّين أنهم بذلك يُحسّنون صورة الإسلام عند الغربيين.

موقف شوقي: مشروعية الفتح بالسيف مع تقديم الدعوة

وإنما سلك شوقي مسلكًا آخر، بيّن فيه أن الغزو وفتح البلدان بقوة السيف أمر مشروع في الإسلام، لكنه لا يكون إلا لأهل الشقاق والعناد الذين يأبون الانصياع للحق بعد بلوغ الدعوة وقيام الحجة عليهم. انظر إليه رحمه الله وهو يقول:

قالوا غزوتَ ورُسْلُ الله ما بُعثوا * لقتلِ نفسٍ ولا جاؤوا لسفكِ دمِ

جهلٌ وتضليلُ أحلامٍ وسفسطةٌ * فتحتَ بالسيفِ بعد الفتحِ بالقلمِ

لما أتى لك عفواً كلُّ ذي حسبٍ * تكفَّل السيف بالجهال والعَمَمِ

والشر إن تلقه بالخير ضقت به * ذرعاً وإن تلقه بالشر ينحسمِ

فهو رحمه الله لا ينفي مشروعية الفتح بالسيف والقتال (أي الغزو في سبيل الله)، ولكنه يقول -كما قال قبله أئمة الإسلام-: إنه لا بد عند غزو بلاد الكفر من البدء بالدعوة والبيان. فأما أهل العقول والحِجَا فإنهم يقبلون الحق إذا عُرض عليهم. وأما أهل الجهل والجاهلية فإنهم لا ينصاعون لقوة الحجة والبرهان، وإنما ينصاعون لقوة السيف والسنان. وهؤلاء يُقاتَلون، فإن قبلوا الإسلام فبها ونعمت، وإن بقوا على دينهم ولكنهم رضوا بالانصياع لأحكام الإسلام والعيش في كنف دولة الإسلام، فلا بأس بذلك أيضًا.

تعريف جهاد الطلب وجهاد الدفع

وهذا هو الذي يسميه الفقهاء: جهاد الطلب، ويقابله جهاد الدفع. وكلاهما مشروع في الإسلام. فجهاد الدفع هو الدفاع عن بلاد المسلمين إذا دهمها عدو، وجهاد الطلب هو طلب الكفار في عقر دارهم بعد بلوغ دعوة الإسلام إليهم، لا لإكراههم على الدخول في الدين، وإنما لإقامة حكم الله في الأرض وتوسيع رقعة دار الإسلام.

وهذا الذي يظهر من كلام شوقي -وهو أن الجهاد ليس للدفاع فقط- هو الذي دلت عليه النصوص الشرعية وفعل السلف وإجماع أهل العلم من قديم.

الأدلة من القرآن الكريم

الدليل الأول:

من الأدلة القرآنية على ذلك قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) [الأنفال: 39]. وقد فسّر ابن عباس وغيره الفتنة هنا بأنها الشرك.1[1] تفسير الطبري: 9/ 348. ومعنى ذلك أن علة القتال هي وجود الشرك، وليس وجود الاعتداء من المشركين علينا. ولذا قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله) [البقرة: 193]: “أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع… وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار، دليل ذلك قوله تعالى: (ويكون الدين لله)… فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر”2[2] تفسير القرطبي: 2/ 353..

الأدلة من السنة النبوية

الدليل الثاني:

ومن السنة النبوية ما جاء في حديث بريدة: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، ومن معه من الأجناد خيرًا، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله”3[3] أخرجه مسلم (1731)، والترمذي (1617)، وابن ماجه (2858).. وهذا يبيّن بجلاء أن المطلوب قتال الكفار ابتداءً، وليس فقط ردًا لاعتداءاتهم. قال الفقيه المالكي شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي: “ظواهر النصوص تقتضي ترتيب القتال على الكفر والشرك… وترتيب الحكم على الوصف يدل على علّية ذلك الوصف لذلك الحكم وعدم علّية غيره”4[4] الذخيرة: 3/ 387، للفقيه المالكي شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي..

فهم الصحابة للجهاد

الدليل الثالث:

وهذا هو الذي فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، فقد انساحوا في البلدان فاتحين لها بغية نشر الحق والعدل، بغير اشتراط وقوع عدوان من أهل تلك البلاد. فعن جبير بن حية قال: “بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين…” الحديث، وفيه أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال لعامل كسرى لما سأله: ما أنتم؟ قال: “نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد…” إلى أن قال: “فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا أنه من قُتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم يرَ مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم”5[5] أخرجه البخاري (3159)..

فلم يذكر المغيرة لعامل كسرى أن خروج المسلمين إلى الفرس كان ردًا على عدوان وقع منهم على الدولة الإسلامية، وإنما بيّن له أن الباعث على الخروج إليهم هو تعبيدهم لله وحده، أو إلزامهم بدفع الجزية. ولو كان الباعث على القتال مجرد الدفاع ورد العدوان لكان الأولى أن يذكر ذلك المغيرة رضي الله عنه.

إجماع أهل التفسير على نسخ آيات الصفح

الدليل الرابع:

ومن أجل ذلك رأينا أهل التفسير يحكون الإجماع على نسخ ما كان من الآيات آمرة بالصبر أو الاكتفاء بقتال من قاتلنا. فقد قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى: (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) [الجاثية: 14]: “وهذه الآية منسوخة بأمر الله بقتال المشركين، وإنما قلنا هي منسوخة لإجماع أهل التأويل على أن ذلك كذلك”6[6] تفسير الطبري: 25/ 144..

وقال الجصاص في قوله تعالى: (فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعلنا لكم عليهم سبيلاً) [النساء: 90]: “ولا نعلم أحدًا من الفقهاء يحظر قتال من اعتزل قتالنا من المشركين، وإنما الخلاف في جواز ترك قتالهم لا في حظره، فقد حصل الاتفاق من الجميع على نسخ حظر القتال لمن كان وصفه ما ذكرنا”7[7] أحكام القرآن للجصاص: 2/ 222..

وقال الشوكاني: “أما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية أو القتل فهو معلوم من الضرورة الدينية… وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة فذلك منسوخ باتفاق المسلمين…”8[8] السيل الجرار للشوكاني: 4/ 518-519..

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “لما نزلت براءة أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتدئ جميع الكفار بالقتال، وثنيهم وكتابيهم، سواء كفوا عنه أم لم يكفوا”9[9] الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية: ص 220..

مراعاة الواقع مع تثبيت الحكم الشرعي

وبعد: فإنا بلا شك نراعي أحوال المسلمين، فلا نوجب عليهم ما لا يقدرون عليه؛ فإن الوجوب منوط بالقدرة. لكن لا يجوز أن يحملنا ذلك على تغيير الأحكام الشرعية التي استقرت عليها الأمة من قديم. بل الواجب على أهل العلم أن يوقظوا في الأمة روح الجهاد، مبينين لهم فضل قتال أعداء الله، وأن في الجهاد عزّهم وشرفهم، فتبقى فكرة الجهاد مستقرة في ذهن المسلم حتى في زمن سقوطه عنه لعجزه، ليكون مستعدًا للقيام بهذا الواجب عند تحصيله القدرة اللازمة له. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من مات ولم يغزُ، ولم يحدّث به نفسه، مات على شعبة من نفاق”10[10] أخرجه مسلم (1910)، وأبو داود (2502)، والنسائي (6/ 8) من حديث أبي هريرة..

توفيق شوقي في تأصيل الجهاد

ومن أجل ذلك أرى أن شوقي كان موفقًا غاية التوفيق حين ذكر أن عزّ المسلمين وسؤددهم هو في الأخذ بمبدأ الجهاد الذي دعاهم إليه سيدهم صلى الله عليه وسلم، مبينًا أن أُسّ نظام الكون هو في الحرب وما يلزم لها من إعداد القوة، التي لولاها ما قامت الدول، ولا ارتفعت لها عمد:

دَعَوتَهُم لِجِهادٍ فيهِ سُؤدُدُهم * وَالحَربُ أُسُّ نِظامِ الكَونِ وَالأُمَمِ

لَولاهُ لَم نَرَ لِلدَوْلاتِ في زَمَنٍ * ما طالَ مِن عَمَدٍ أَو قَرَّ مِن دُعُمِ

تِلكَ الشَواهِدُ تَترى كُلَّ آوِنَةٍ * في الأَعصُرِ الغُرِّ لا في الأَعصُرِ الدُهُمِ

هذا والله أعلى وأعلم.

الهوامش

[1] تفسير الطبري: 9/ 348.

[2] تفسير القرطبي: 2/ 353.

[3] أخرجه مسلم (1731)، والترمذي (1617)، وابن ماجه (2858).

[4] الذخيرة: 3/ 387، للفقيه المالكي شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي.

[5] أخرجه البخاري (3159).

[6] تفسير الطبري: 25/ 144.

[7] أحكام القرآن للجصاص: 2/ 222.

[8] السيل الجرار للشوكاني: 4/ 518-519.

[9] الصارم المسلول لشيخ الإسلام ابن تيمية: ص 220.

[10] أخرجه مسلم (1910)، وأبو داود (2502)، والنسائي (6/ 8) من حديث أبي هريرة.

المصدر

صفحة د. عبد الآخر حماد، على منصة ميتا.

اقرأ أيضا

الجهاد هو الجهاد

غاية الجهاد في سبيل الله تعالى

التعليقات معطلة