منذ وصول السيسي إلى الحكم عقب انقلابه العسكري في يوليو/ تموز 2013 ، تبدو علاقاته بالكيان الصهيوني مثار جدل دائم، ومصدراً لتكهنات ضخمة، وأسئلة حائرة تبحث عن إجابات، الأمر تخطى مرحلة عقد اتفاقيات سلام وتطبيع للعلاقات مع عدو تاريخي، خاضت مصر ضده خمسة حروب..

إحياء مسار خروج “بني إسرائيل” من مصر

استيقظ المصريون صباح يوم الـ 26 من مايو/ أيار على إعلان رئيس مجلس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، عن توجيهات رئاسية له بإحياء مسار خروج “بني إسرائيل” من مصر، وأنه سيتم تنظيم رحلات سياحية إليه، فور الانتهاء من أعمال تطوير موقع “التّجلي الأعظم”، بمدينة سانت كاترين في جنوب سيناء.

البعثات الاستكشافية الإسرائيلية فشلت في العثور على المسار

وجاء إعلان الحكومة المصرية دون تحديد واضح لمعالم هذا المسار، خاصة وأن هناك جدلا كبيرا بين الأثريين والمؤرخين حول تفاصيله.. وفي تقرير لموقع “الحرة” الإخباري، قال الأمين السابق للمجلس الأعلى للآثار، محمد عبدالمقصود، إنه “فيما يتعلق بالمسار في سيناء الذي تسعى الحكومة المصرية لإحيائه، لا يوجد أي دليل واضح للطريق الذي سلكه بنو إسرائيل وقتها”؛ وأضاف قائلاً “زمن احتلال الإسرائيليين لسيناء، أرسلوا العديد من البعثات الاستكشافية من مختلف الجامعات الإسرائيلية لمسح سيناء من أجل البحث عن مسار الخروج، ولم يعثروا على أي دليل”.

لا يوجد دليل على مسار خروج بني إسرائيل من مصر

وأوضح أن “بعض هذه البعثات توصلت إلى أن كل ما يتعلق بمسار الخروج ليس له وجود، أو لم يحدث على الأقل في هذه المنطقة، فيما فسر آخرون أن سبب عدم وجود أي بصمات أو آثار لـبني إسرائيل يعود إلى أنهم كانوا مثل الرحالة، يتعمدون عدم ترك أي آثار خلفهم، لأنهم كانوا يهربون من فرعون مصر في هذا التوقيت”؛ ما يجعل المسار الذي تريد مصر إحياءه خطوة لا يمكن إثبات صحتها تاريخيا وأثريا.

إحياء مسار خروج “بني إسرائيل” من مصر لماذ الآن؟!

وعلى أية حال، سواء تم التوصل لمعالم ذلك المسار بأدلة تاريخية أو لم يتم، فإن اتجاه الحكومة لإحياء مسار خروج اليهود من مصر عبر سيناء، في وقت ترتكب فيه الدولة اليهودية الاستعمارية على أرض فلسطين مذابح مروعة بحق أشقائنا في غزة، وتمارس انتهاكات إجرامية بحق حدودنا الشرقية في سيناء، وتضرب بعرض الحائط كافة الاتفاقات الموقعة بيننا وبينهم للسلام، يجعل منه أمرا مستهجنا وغير مفهوم؛ بل وقد يتحول هذا الاستهجان لديك إلى حالة من الصدمة، حين تعرف بأن بلادنا قد أنفقت ما يزيد عن مليار دولار لتجسيد تلك الرحلة لخروج اليهود.

قد يبدو كلامي هذا ضربا من الجنون، لكن دعني أشرح لك ما حدث بالتفصيل؟

في عام 2021 أعلن نظام السيسي عن اكتمال أعمال التشييد والبناء للمتحف المصري الكبير، والذي يُعد أكبر متحف للآثار في العالم، فهو يمتد على مساحة تتخطى الـ 300 ألف متر مربع، وبتكلفة قدّر وزير السياحة والآثار أحمد عيسى في تصريح له، بأنها تقترب من 1.5 مليار دولار.

مشروع يوفّر دليلًا تاريخيًا على وجود اليهود في أرض مصر

لكننا حين نتابع أخبار ذلك المتحف المصري الكبير، نكتشف أن هناك دعوى قضائية، قد طالبت بوقف أعمال تشييده منذ العام 2012؛ واستندت الدعوى، على أن تصميم المتحف يسيء لمصر وتاريخها، ويعتمد على إيجاد سند تاريخي لليهود على أرض مصر، بتجسيده لقصة خروج بنى إسرائيل في العهد الفرعوني، كما يضع رموزاً يهودية صهيونية، منها «نجمة داود والشمعدان»، ويرسخ الزعم اليهودي القائل إن رمسيس الثاني هو فرعون الخروج.

متحف مصري بتصميم صهيوني

وقد حملت الدعوى رقم 30123 لسنة 66 قضائياً، وأقامها الباحث “أحمد عوض” مستندا فيها على رسالة علمية، نال من خلالها درجة الماجيستير من كلية «الفنون التطبيقية» بجامعة حلوان، وقد صدر له بموجب تلك الدعوى تقرير من مكتب خبراء وزارة العدل.. ويقول عوض في الرسالة إن مصمم المتحف هو المعماري “روسين هينجن” وهو أيرلندي الجنسية يهودي الديانة، وقد تتلمذ على يد المعماري الإسرائيلي “موسى صفدي”، مصمم متحف الهولوكوست في تل أبيب. وقد تمت الموافقة على ذلك التصميم الصهيوني زمن مبارك، بعد مسابقة دولية تحت رعاية اليونسكو، وأشرف عليها الاتحاد الدولي للمعماريين في العام 2002.

مظاهر التصميم الصهيوني للمتحف الكبير

وأضاف الباحث في رسالته أن مصمم المتحف تعمد ترسيخ فكرة حدث خروج اليهود من مصر بصحبة النبي موسى (عليه السلام) بعد بنائهم للحضارة المصرية القديمة، وقد ظهرت تلك الفكرة في نواحٍ عديدة بالتصميم المعماري، منها تمثال الملك رمسيس الثاني الذي يدّعي اليهود أنه فرعون الخروج، والذي نُقل منذ عدة سنوات إلى المتحف من ميدان رمسيس في وسط القاهرة، ليكون في قلب الفراغ المعماري الداخلي للمتحف ومواجهًا لحائط المبكى اليهودي بالقدس المحتلة.

رموز وتصميمات ماسونية

كما تم تصميم سلم هائل في مدخل المتحف لتصطف عليه جموع تماثيل ملوك مصر القديمة، بحيث تكون وجهتهم جميعًا إلى الضلع الشمالي الشرقي للزاوية الثانية، والمتصلة بالحائط اليهودي. كما تتكون واجهة المتحف من وحدات هندسية مثلثة تعرف باسم “مثلث سربنسكي”، الذي له رمزية ماسونية ويستخدم في المتاحف اليهودية والتصميمات الماسونية في أوربا وأمريكا، ويعرف مثلث سربنسكي في التراث الشعبي اليهودي باسم مفتاح سليمان السادس.

شمعدان “المينوراة”

وأشار “عوض” إلى أنه تم تقسيم الفراغات الداخلية والكتلة الرئيسية لبناء المتحف المصري إلى ستة أقسام معمارية، بمساندة سبعة جدران متصلة، ليصبح شكلها على منوال شمعدان “المينوراة”، الذي يمثل العين الإلهية الحامية للشعب اليهودي عند خروجه من مصر القديمة (كما يزعمون).

مشهد انفلاق البحر

وتم وضع تمثال رمسيس الثاني في الفراغ أمام الفجوة التي تمثل انفلاق البحر، الذي تم التعبير عنه بستة أسقف متموجة تشبه الأمواج، مع وضع متنزهات خلف المبنى الرئيسي للمتحف أطلقوا عليها اسم “أرض مصر” تعبر عن المملكة المصرية القديمة، ووضعوا متنزهات أمامية بها نخيل (على الرغم من كونها قد تحجب الرؤية) للتعبير عن السبعين نخلة، التي أكل منها اليهود وأنقذتهم من الجوع بعد خروجهم من البحر والسير في الصحراء.

تصميم المتحف بهذا الشكل يُعتبر إهانة لمصر وتاريخها الحضاري وشعبها

وعقب موجة كبيرة من الجدل صاحبت بناء المشروع، صرح اللواء عاطف مفتاح، المشرف العام على مشروع المتحف المصري الكبير، لصحيفة “الوطن” في مايو 2019، أنهم قاموا بإدخال تغييرات كبيرة على حائط أراده المصمم، لكنه كان يحمل رموزا ماسونية مسيئة لمصر، وأنهم قاموا بخفض ميزانية هذا الحائط من 200 مليون، إلى 20 مليون دولار. لكن اللواء – بالطبع- تحرج من القول إن التصميم بكامله هو إساءة لمصر وحضارتها وشعبها، لأنه يحقق حلم اليهود في تسويق أكاذيبهم، عن طريق مشروع مصري على أرض مصر وبأموال مصرية.

السيسي هدية من الرب

منذ وصول السيسي إلى الحكم عقب انقلابه العسكري في يوليو/ تموز 2013 ، تبدو علاقاته بالكيان الصهيوني مثار جدل دائم، ومصدراً لتكهنات ضخمة، وأسئلة حائرة تبحث عن إجابات، الأمر تخطى مرحلة عقد اتفاقيات سلام وتطبيع للعلاقات مع عدو تاريخي، خاضت مصر ضده خمسة حروب.. بل نحن أمام تصريحات مصرية تتحدث عن سلام دافئ مع الكيان الصهيوني، وحاكم مصري – لأول مرة- تنظر له إسرائيل على أنه هدية من الرب إليها، وأنه بطل قومي ليهود العالم، وهو ما اعترف به السفير الإسرائيلي لدى القاهرة “يعقوب أميتاي”، ونشره موقع “ميدل إيست مونيتور” بعد أيام قليلة من الانقلاب.

إن علاقة السيسي باليهود هي بالفعل علاقة مريبة وملتبسة، فهناك لقاءات دورية له مع منظمات يهودية صهيونية، ولقاء سنوي ثابت مع أعضاء “المؤتمر اليهودي العالمي” في الولايات المتحدة الأمريكية، ورئيسه “رون لاودر”، الذي التقاه السيسي 5 مرات في 3 أعوام، ولم يسبق لرئيس مصري أن احتفى بهذه المنظمة “الأهلية”، أو بحث معهم قضايا الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، كما فعل السيسي، بحسب تصريحات المتحدث الرئاسي عن تلك اللقاءات.

وهذا المؤتمر هو عبارة عن اتحاد دولي للمنظمات اليهودية، مؤلَّف من أكثر من 70 منظمة، وهو من أهم المؤسسات والجمعيات الصهيونية في العالم، ويسعى إلى تقوية الوحدة بين اليهود، والحفاظ على العادات الثقافية والدينية والاجتماعية لديهم.

السيسي يلتقي منظمات يهودية وصهيونية أمريكية

وفي تقرير لموقع “مدى مصر” نُشر في فبراير عام 2017، تم رصد خمسة لقاءات أجراها السيسي خلال 20 شهرًا، مع ممثلين عن منظمات يهودية وصهيونية أمريكية، أربعة منها كانت في القاهرة، مع استقبال رسمي وحفاوة كبيرة من النظام. وقد تم التباحث مع تلك المنظمات حول قضايا دولية عديدة، منها تدعيم العلاقات بين مصر وإسرائيل، بالإضافة إلى قضايا مصرية شديدة الخصوصية، مثل قضايا مكافحة الإرهاب، ومواجهة أفكار الإسلام السياسي، وغيرها الكثير.

السيسي يحي التراث اليهودي في البلاد

وفي ديسمبر/ كانون الأول عام 2018 أعلن نظام السيسي عن تخصيصه مبلغا قدره 1.3 مليار جنيه (ما يعادل 72 مليون دولار وقتها) لإحياء التراث اليهودي في البلاد، الأمر الذي أثار موجة كبيرة من الجدل، لاسيما وأن عدد أفراد الجالية اليهودية في مصر تقلص إلى خمسة، جميعهم من النساء المسنات، ما يمنع إقامة الصلاة في هذه المعابد، حيث يشترط كركن أساسي في الصلاة اليهودية، ألا يقل عدد المصلين عن 10 أشخاص بالغين (فوق 13 عاما)، وأن يكونوا جميعهم من الرجال.

وفي 10 يناير/ كانون الثاني 2020، وجهت صفحة السفارة الإسرائيلية في مصر، على موقع التواصل الاجتماعي X (تويتر سابقا)، الشكر لحكومة السيسي على إعادة إحياء الأثر اليهودي.. يحدث ذلك في الوقت الذي تشن فيه السلطات المصرية حملة شرسة على المساجد، وتعمل على هدم أعداد ملحوظة منها خلال السنوات الماضية، فضلا عن منع الدروس والأنشطة الاجتماعية والثقافية بداخلها، تحت حجة مكافحة التطرف والإرهاب، مع تشويه متعمد لها من وسائل الإعلام المحسوبة على النظام.

اليهود يثقون في السيسي

وفي عام 2017 كشف استطلاع للرأي نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية أن غالبية اليهود يثقون في السيسي، وأنه يحتل المرتبة الأولى بنظرهم، من بين كافة الزعماء العرب. وقد عبر السيسي صراحة في أكثر من لقاء له، عن اعتزازه بنشأته في حارة اليهود بحي الجمالية في “القاهرة”، وكان آخر تلك التصريحات في أكتوبر الماضي، أثناء زيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن للعاصمة المصرية، لبحث تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث عقب على مقولة بلينكن أثناء زيارته إلى إسرائيل بأنه «شخص يهودي»، فقال السيسي: (وأنا مواطن مصري نشأت بجانب اليهود، وعشت معهم، وهم لم يتعرضوا في مصر أبدا، لأي شكل من أشكال القمع أو الاستهداف).

من شواهد صهيونية السيسي

وعلى الرغم من غموض الأسباب التي دفعت والد “السيسي” للانتقال من مسقط رأسه في محافظة المنوفية إلى الحارة التي لا يسكنها سوى اليهود بالقاهرة، وعلى الرغم من افتقارنا للمعلومات التي تؤكد أو تنفي ما ذكرته مواقع عسكرية أمريكية من أن والدة السيسي تدين بالديانة اليهودية، وأنها قدمت من المغرب إلى مصر، تحت اسم “مليكة تيتاني”، فإننا نرى العلاقة الحميمة بين السيسي واليهود والصهيونية في مجمل أفعاله وسياساته، ومن غرائب تلك العلاقة استعماله العديد من العبارات، التي لا نجدها جزءا من مفردات اللغة الحياتية للمصريين، بينما هي موجودة في أسفار التوراة، كمثل تعبيرات (أهل الشر، وحضرتك يا رب، والعوز، وربنا أعطاني البركة).

كذلك تركيزه على بعض الألوان ذات الدلالات، كألوان غطاء الرأس اليهودي المقدس، التي صُنع منها لاحقا علم إسرائيل (الأزرق والأبيض)، فنجد قاعات مؤتمراته واحتفالاته، ومقار وزارة الداخلية وأقسام الشرطة وعدد كبير من المؤسسات الحكومية والهيئات الصحية، والمباني التي أنشئت حديثا، تم صبغها جميعا بهذين اللونين.

قد لا يسع مقالي هذا للمزيد من الأدلة والشواهد على تلك العلاقة العجيبة والغريبة، بين السيسي والديانة اليهودية والكيان الصهيوني، لكننا عند الوقوف عليها سنحصل – بالتأكيد- على تفسير منطقي للكثير من المواقف التي اتخذها النظام المصري، وتسببت في صدمة لدى الكثيرين.

المصدر

مدونة العرب، شيرين عرفة.

اقرأ أيضا

دروس للأمة من كارثة مصر في “يونية”

منبع الشر الكبير: النظام والسلطة

من صفات المنافقين المسارعة في ولاء الكافرين

هدم المساجد في مصر .. سياق ودلالات

النظام المصري .. بين تعظيم الكنيسة وإهانة الإسلام

المصريون .. أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا ومساجدنا

التعليقات غير متاحة