هذه سنّة عامة تنطبق على البشر جميعًا : كيف يكون التزام الدين مؤثّرا في العوامل الدنيوية المادية، فالارتباط مباشر وواضح، ومن الأمثلة البسيطة….
إشكالية الفهم: الالتزام الفردي وحده لا يكفي للتمكين
كثيرا ما يربط الدعاة النصر والتمكين بصحّة دين الناس ورجوعهم إلى الله، وكثيرا ما يفهم بعض الناس هذا الأمر خطأ، بمن فيهم أولئك الدعاة، فيظنّون الالتزام الفردي بالدين وامتلاء المساجد سيكون له دور “غيبي” في النصر والتمكين، وهذا صحيح إلى حدّ كبير فالأمر بيد الله عزّ وجلّ، لكنْ هناك جانب مهم جدّا مغفول عنه في خطاب التمكين المتعلّق بعودة الناس إلى الدين، والغفلة عن هذا الجانب هي التي تدفع بعض الناس إلى الاعتراض على ربط النصر والتمكين بمدى الالتزام الديني، إذ يجدون الناس يلتزمون بالدين ويملؤون المساجد ويظلّون مع ذلك مستضعفين مهزومين!
السنن العامة: كيف يفتح الالتزام بالدين بركات السماء والأرض؟
والواقع أنّ من الآثار الأساسية لالتزام الدين في الدنيا فتح البركات من السماء والأرض كما أخبرنا الله في كتابه: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ}، وإنّما يظهر الفساد بما كسبت أيدي الناس: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}. فالدين يرشد إلى الخير والصلاح والنماء وينهى عن الفساد والخراب من خلال قيمه وتوجيهاته وأحكامه التشريعية الواضحة. ونحن نرى بأمّ أعيننا كيف يؤدّي ترك أحكام الدين وقيمه في العالم الغربي إلى فساد الحياة الإنسانية سواء بشيوع الأخلاق الفاسدة المفسدة لاستمرار هذه الحياة، أو عبر تدمير مقومات الحياة الطبيعية والموائل النباتية والحيوانية الناتج عن جشع الإنسان وقيمه الرأسمالية الاستهلاكية المغايرة للرؤية الدينية.
الدين كمنظومة: قيم التشريع وأثرها المادي في استقرار المجتمعات
هذه سنّة عامة تنطبق على البشر جميعًا، وقد ذكرتُها لتقريب معنى: كيف يكون التزام الدين مؤثّرا في العوامل الدنيوية المادية، فالارتباط مباشر وواضح، ومن الأمثلة البسيطة: ضرب قيم الحضارة الغربية لمؤسسة الزواج المستقر التي شرعها الدين وشرعنة الشذوذ، وهو ما يؤدّي إلى ضعف المجتمعات الغربية وتراجعها على المستوى العُمري والكمّي، ومن ثم على المستويات الاجتماعية والاقتصادية، وهي عوامل قوة مادية واضحة.
لكن إذا جئنا إلى الأمة المسلمة سنجد سننًا أخرى مرتبطة بمقومات إيمانية وتشريعية متى فرّطت الأمّة فيها أدّى ذلك إلى تخلّفها ووقوعها في قبضة الأعداء، أو إلى فشل سياساتها وتأزّم المشاكل في مجتمعاتها، وسأذكر مثالا واحدًا، وهو مدى التزام هذه الأمة بالولاء، أي بتولّي المؤمنين والعمل بمقتضيات هذا الولاء من النصرة، والحذر من الوقوع فيما ينقضه كما حذّرنا الله مرارًا في كتابه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا}.
المثال المحوري: الولاء والبراء وأثره الكارثي في تدمير مقومات الأمة
ماذا حدث حين تخلّفنا عن هذا الأصل الإيماني الراسخ؟
شواهد التاريخ: من الأندلس إلى الخليج.. ثمن تغييب الولاء للإسلام
ضاعت الأندلس مع ملوك الطوائف الذين ظاهروا المشركين على المؤمنين، وأدّت الثورة العربية الكبرى إلى احتلال العالم العربي وتمزيقه حين تولّى قادتُها الإنجليزَ على العثمانيين المسلمين، وأصبح الخليج مهيمَنًا عليه أمريكيًّا حين دخلت دول الخليج طوعًا في ولاية الأمريكيين وقبلت بوجود القواعد العسكرية الأمريكية في بلادها وباجتياح بلد مسلم وتدمير قدراته وتمزيق مجتمعه برعاية أمريكية.. وقُل الأمر نفسه عن السودان ومصر وغيرها من بلدان المسلمين، التي مثّل تولّي أعداء الأمّة فيها من قبل القيادات المؤثّرة في الأمر السياسي أحد أكبر عوامل فشل هذه الأمة في الخروج من نفقها المظلم. فالذي يقول لك إنّ السبب هو بعدنا عن التزام الدين محقّ كلّيًا لكنْ ربّما لم يفهم الصورة كاملة. والذي يقول: كلا، بل السبب سياسي وهو تبعيّتنا للغرب؛ محقّ جزئيًّا، وتغيب عنه الصورة المتكاملة للدين ومقتضيات مفهوم الولاء الذي هو أحد أركان التوحيد في كتاب الله.
تقويض الذات: الولاءات القطرية ومحاصرة آفاق النهضة
ومن آفاق مفهوم الولاء أيضًا والآثار الكارثية في التخلّف عنه أنّ هذه الأمة حين تقوقعت على ولاءات وطنية مخترعة باتت حركات النهوض فيها محصورة في أقطارها الصغيرة، غير قادرة على مد أيدي التعاون والتعاضد مع سائر المسلمين. فحصرت بعض الحركات نفسها وأهدافها في قُطرها الصغير ذي الآفاق المحدودة شبه المستحيلة للتغيير ضمن مقدّرات هذا القُطر، ونأتْ بنفسها عن التعاون مع إخوانها من المسلمين في سائر الأقطار، مما أدّى إلى فشل ذريع متكرّر ناتج عن تضييق أفق الأمة وحصره بالأمة الوطنية، مع وجود قيم فاسدة تجعل التعاضد مع المسلمين من أقطار أخرى مندرجًا تحت مفهوم علماني قذر مفاده ذمّ “التدخّل في شؤون شعوب أخرى”. فتبنّي هذا المفهوم المناقض لمفهوم الولاء الإسلامي هو أحد أسباب الفشل المادي، والرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يتقوقع على “تحرير مكّة” بل وجد آفاقًا للعمل في المدينة، وهي بلاد أخرى، رغم وجود فئات كبيرة فيها ترفض وجوده وتكفر بدينه، ولاحقًا أصبح صحابته القرشيّون هم القيادة السياسية المركزية في هذه المدينة الواقعة شمال مكة والتي ترجع أصول أهلها الأنصار إلى اليمن جنوب مكة!
التكامل المنشود: الجمع بين الإصلاح الفردي وإقامة الشرع المجتمعي
حدث كل ذلك الأثر الدنيوي “المادي” الكبير لمجرّد التخلّف عن أحد أركان التوحيد، وهو الولاء، فكيف إذا أردنا إحصاء ما تخلّفنا عنه من الدين؟ وخصوصا في باب الشريعة: مثل الالتزام بأحكام الأموال في الإسلام، ومثل إقامة الحدود ومن ضمنها القصاص العادل الذي يكفل استقرار المجتمعات ما بعد الثورات تحديدًا، ومثل النظر في مآلات الأفعال كما هو راسخ في السيرة النبوية، وغيرها من القيم والأحكام الشرعية والهدايات النبوية التي تنير لنا طريقنا في الدنيا، فينشأ عن التزامها آثار “مادية” نلمسها بأيدينا، ممّا يجعلنا نفهم آفاقًا أخرى لمقولة ارتباط الالتزام الديني بالنصر والتمكين، فالدين لم يأت ليخالف السنن الواقعية في الحياة أو يتخلّف عنها وينحصر في أثر غيبي فحسب، بل جاء لضبطها ومنع الفساد الناشئ عن تدبير الحياة بغير هداية الوحي، والله المستعان.
المصدر
صفحة شريف محمد جابر، على منصة ميتا.
اقرأ أيضا
الوعد بالتمكين لدعوات المرسلين

