لقد أدرك الموفقون من عباد الله عز وجل خطورة القعود عن نصرة دين الله عز وجل فنفرت طوائف من هذه الأمة كل بحسبها، وبما تقدر عليه من أنواع الجهاد في مدافعة الصائل على البلاد والعباد والعقائد والأخلاق، فكان منها طائفة تصدت للغزو العسكري بجهاد اليد والسنان، وطائفة تصدت للغزو الفكري والعقدي بجهاد العلم والبيان، وطائفة أخرى تصدت للغزو السلوکي والتغريبي بجهاد التربية والتحصين والاحتساب.

التصدي للغزو العسكري من الكفار على بلدان المسلمين

ويتم هذا بإعلان فريضة الجهاد باليد والسنان على الغزاة الكافرين، وصدهم عن بلاد المسلمين بكل ممكن، وهذا هو جهاد الدفع الذي تقرر عند أهل العلم في القديم والحديث: أنه فرض عين على أهل كل بلد يغزوهم الكفار في عقر دارهم، حيث يجب على كل قادر مكلف في هذه البلدان: أن ينفر لصد العدوان وقتال الكفار المعتدين، حتى يندفع العدو عن أرض المسلمين بالمال والنفس، ويجب على بقية بلدان المسلمين أن ينصروا إخوانهم في بلدانهم المغزوة، بأن يمدوهم بالمال والسلاح والرأي والمشورة والدعاء، وإذا لم يكف المقاتلون في البلد المعتدى عليه في صد العدوان وجب على من يليهم من بلدان المسلمین نصرتهم بالرجال حتى تحصل الكفاية، كما يجب عينا على من كان من المسلمين ذا خبرة عسكرية في أي فن من فنون القتال، أو ذا خبرة إعلامية وعلمية لم تحصل بها الكفاية عند المجاهدين أن ينفروا لنصرة إخوانهم، وهذا ما قرره أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: (وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة)1(1) «الاختيارات الفقهية» (ص448). .

ويقول الإمام محمود الآلوسي في مخطوطة له عن الجهاد وهي تحت الطبع: (فإن كان كذلك بأن هجموا على بلدة من بلاد المسلمين فهو فرض عين اتفاقا من الجمهور وابن المسيب، سواء كان المستنفر عدلا أو فاسقا، فيجب على جميع أهل تلك البلدة أن ينفروا، وكذا من يقرب منهم إذا لم يكن بأهلها كفاية، وكذا من يقرب ممن يقرب منهم إذا لم يكن بمن يقرب منهم، كفاية أو تكاسلوا أو عصوا، وهكذا حتى يجب على جميع أهل الإسلام شرقا وغربا، كذا قال غير واحد من العلماء الأعلام)2(2) سفرة الزاد في سفرة الجهاد  (للآلوسي) (ص 5)..

أيكون دفع المحتل وقتاله فتنة وإرهاب؟!

وإن من عجائب زماننا، والعجائب جمة أن يقال عن الجهاد في تلك البلدان المحتلة ودفع الكفار عنها أنه قتال فتنة، وأن النافرين إليه دعاة فتنة وإرهاب !! سبحانك هذا بهتان عظيم. أهذا جزاء من يدافع عن المسلمين ودينهم وأعراضهم وأموالهم وديارهم؟ أهذا جزاء من يسعى لرفع الذلة والمهانة والاضطهاد عن المسلمين؟ أهذا جزاء من ترك أهله ووطنه حاملا روحه في كفه، يبتغي مرضات الله عز وجل وجنته بنصرة دينه ومقاتلة أعدائه .

إن الواجب علينا أن نحمد الله عز وجل ونشكره على أن قيض من شاء من عباده للقيام بفريضة الجهاد في سبيل الله عز وجل وسلطهم على أعدائه، ليحولوا بينهم وبين تحقيق أهدافهم الخبيثة، فحق إخواننا المجاهدين نصرتهم، والوقوف معهم في جهادهم بكل ما يحتاجونه من مال ورأي وإعلام ودعاء والذب عن أعراضهم، فبجهادهم أخرج الله الغزاة الروس من بلاد الأفغان ومن بعدهم الأمريكان، وبجهادهم أحبط الله عز وجل خطط الأمريكان، ومن ساندهم من الغرب والعرب في تقسيم بلاد المسلمين وتغيير خارطة البلدان الإسلامية بما يسمى بالشرق الأوسط الكبير، وبجهاد المجاهدين لم يقر للغزاة قرار في البلدان التي غزوها، بل هم في رعب وعدم استقرار، وبجهاد المجاهدين أنزل الله بهم الخسائر العظيمة في الأرواح والأموال.

تحطم المشاريع الأمريكية على صخرة المجاهدين

لقد خرجت أمريكا من ديارها بطرا وكبرا ورئاء الناس، وهم يقولون من أشد منا قوة؟ فاستباحت دیار المسلمين، واحتلت أفغانستان والعراق، وبشروا بمشروع الشرق الأوسط الكبير زاعمين أنهم سيجعلون العالم أكثر أمنا واستقرارا، فغدا أشد خوفا ورعبا وأنهم سيضعونه أكثر رفاها فغدا أشد فقرا. وكانوا يظنون أن احتلال هذين البلدين سيكون نزهة سريعة يعودون بعدها بالثروات العظيمة من الغاز الطبيعي في أفغانستان وحقول النفط في العراق والخليج، وسيعودون بآلاف المليارات التي تعوض خسائرهم وها هم يتجاوزون العقد من الزمان في غزوهم، وها هي غطرستهم وقوتهم وكبريائهم تتحطم وتنهار على يد من احتقرتهم في أفغانستان وسخرت منهم في العراق، وأصبح المجاهدون على ضعفهم وقلة الناصر هم غصة في حلوقهم، تلحقهم الهزائم يوما بعد يوم، حتى قصمهم الله بانهيار اقتصادهم انتصارا منه سبحانه لعباده المؤمنين، فجزى الله المجاهدين عنا وعن المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها خير الجزاء، فلقد كانوا سببا رئيسا فيما لحق ويلحق بالأمريكان وحلفائهم من الهزائم والانهيارات المتلاحقة والحمد لله ..

خسائر المحتل في العراق بفضل الله ثم بفضل الجهاد

فهلا قدرنا للمجاهدين حقهم وعرفنا قدرهم وقمنا بنصرهم ودعمهم؟ وحتى لا يأتي آت ويستخف بهذا الكلام، أسوق ما ذكره مکتب خدمات البحث بالكونجرس الأمريكي من إحصائيات عن خسائرهم في حرب العراق فقط، وذلك في مجلة الفورن بوليسي (نقلا عن قناة الجزيرة).

في عام 2003 كانت الخسائر (93000 دولار) كل دقيقة

في عام 2004 كانت الخسائر (111000 دولار) كل دقيقة

في عام 2005  كانت الخسائر (164000 دولار) كل دقيقة

في عام 2006 كانت الخسائر (188000 دولار) كل دقيقة

في عام 2007 كانت الخسائر (245000 دولار) كل دقيقة

في عام 2008 كانت الخسائر (371000 دولار) كل دقيقة أي ما يقارب مجموعه (700 مليار دولار)

مع أن الخبير الاقتصادي الأمريكي (جوزيف ستيجليتر) قدرها بأكثر من ذلك بكثير، حيث أوصلها إلى

(3 تريليون دولار).

أما إحصائيات حربهم المزعومة على الإرهاب حسب ما جاء في المجلة نفسها فهي كالآتي:

في عام 2001 كانت 18 مليار دولار

في عام 2002 كانت 13 مليار دولار

في عام 2003 كانت 54 مليار دولار

في عام 2004 كانت 74 مليار دولار

في عام 2005  كانت 100  مليار دولار

في عام 2006  کانت 116 مليار دولار

في عام 2007  كانت 166 مليار دولار

في عام 2008  كانت 195 مليار دولار أي ما مجموعه (736 مليار دولار)

وقد كانوا يعلمون أن هذه الأموال الهائلة ستؤثر على هيكلة الاقتصاد الأمريكي كله، وأنه سيكون على حساب الإنتاج المدني الداخلي، ولكنهم كانوا يراهنون على أن احتلال أفغانستان والعراق سيكون سريعا، وسيعوضون خسائرهم بوقت سريع، فلم يمهلهم المجاهدون ليستردوا ذلك، وها هم يسيرون من هزيمة إلى هزيمة وهذا من رحمة الله وفضله، ثم فضل الجهاد وما قام به المجاهدون الأبطال من مقارعة القوم والإثخان فيهم، وردهم على أعقابهم خائبين. وقد كانوا مغرورين بقوتهم ناسين قوة الله فأنساهم سبحانه، وأغفلهم عما يترتب على حماقاتهم من الكوارث والانهيارات، فدفعهم الله دفعا إلى نهايتهم (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال:17].

ولقد حق عليهم قوله -سبحانه-: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ) [الأنفال:36].

المنهج القرآني في التعامل مع أخطاء المجاهدين

والمجاهدون كغيرهم من البشر يخطئون ويصيبون وليسوا بمعصومين، وقد يبدر من بعض أفرادهم أخطاء ومخالفات، وحينئذ نحن مأمورون وملزمون بالمنهج الشرعي في التعامل مع الأخطاء ومرتكبيها . المنهج الذي يقوم على التثبت أولا من وقوع الأخطاء وتوثيقها، ويقوم ثانيا على التفريق بين كون المخالفة خطأ فرديا أم منهجا عاما، ويقوم ثالثا على العدل والإنصاف و عدم بخس المجاهدين حقوقهم، وذلك بأن لا تنسينا الأخطاء ما قدموه ويقدمونه من بذل وتضحيات ونكاية بالأعداء الغزاة، مما نحسبه في سبيل الله عز وجل.

كما أن هذا المنهج يراعي فقه الموازنات وتعارض المصالح الفاسدة؛ أي أن مناصحة الدعاة والمجاهدين بعضهم مع بعض يجب أن يراعى فيها الحرص على اجتماع الكلمة وتوحيد الصفوف، كما يجب أن يراعى فيها التوقيت وأسلوب النصح وظروف الأمة وقوتها وضعفها، بحيث نقطع على خصومنا من الكفرة والمنافقين من توظيف ذلك في صالحهم، كما هو الواقع اليوم فلا يصلح أن تكون المناصحة في هذه الأحوال في منابر عامة، وإنما ينبغي أن يكون بصفة خاصة بين المتناصحين بشفقة ورحمة.

ويحسن في هذا المقام أن أنقل ما كتبته منذ عدة سنوات عن هذا الشأن في مقالة بعنوان: (المنهج القرآني في التعامل مع أخطاء المجاهدين)، وكان مما جاء فيها:

(وقفت في كتاب الله آیات کریمة عظيمة ترسم لنا المنهج الحق العدل في التعامل مع أخطاء المجاهدين، دون إفراط ولا تفريط، ودون أن يوظفها العدو في صالحه، وهذه الآيات هي قوله – عز وجل:

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة:217-218].

أسباب نزول الآيات

وقبل أن نقف عند الدروس من هذه الآية وما فيها من منهج حاسم في التعامل مع أخطاء المجاهدين وأعداء المجاهدين، يحسن بنا أن نقف على سبب نزول هذه الآيات، كما جاءت في كتب التفسير.

قد جاء في روايات متعددة أنها نزلت في سرية عبدالله بن جحش وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعثه مع ثمانية من المهاجرين ليس فيهم أحد من الأنصار، ومعه کتاب مغلق، وأمره ألا يفتحه حتى يمضي ليلتين، فلما فتحه وجد فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا، فامض حتى تنزل بطن نخلة بين مكة والطائف- ترصد لنا قريشا وتعلم لنا من أخبارهم.. ولا تكرهن أحدا على المسير معك من أصحابك» – وكان هذا قبل غزوة بدر الكبرى. فلما نظر عبدالله بن جحش في الكتاب قال: سمعا وطاعة.

ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى بطن نخلة أرصد بها قريش حتى آتيه منها بخبر. وقد نهى أن أستكره أحدا منكم. فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأنا ماض لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فمضى ومضى معه أصحابه، لم يتخلف أحد منهم. فسلك الطريق على الحجاز حتى إذا كان ببعض الطريق ضل بعير لسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان فتخلفا عن رهط عبدالله بن جحش؛ ليبحثا عن البعير ومضى الستة الباقون. حتى إذا كانت السرية ببطن نخلة مرت عير لقريش تحمل تجارة، فيها عمرو بن الحضرمي وثلاثة آخرون، فقتلت السرية عمر ابن الحضرمي وأسرت اثنين وفر الرابع وغنمت العير، وكانت تحسب أنها في اليوم الأخير من جمادى الآخرة. فإذا هي في اليوم الأول من رجب – وقد دخلت الأشهر الحرم – التي تعظمها العرب. وقد عظمها الإسلام وأقر حرمتها. فلما قدمت السرية بالعير والأسيرين على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام». فوقف العير والأسيرين وأبی أن يأخذ من ذلك شيئا. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا؛ وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيها صنعوا. وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال)3(3) أورد هذه القصة ابن هشام عن ابن إسحاق في «السيرة»، وقد رواه البيهقي في سننه الكبرى» (9/12 ) بسند صحيح عن الزهري عن عروة مرسلا، وقد وصله هو وابن أبي حاتم وسنده صحيح. انظر: تخريج الألباني لأحادیث «فقه السيرة» للغزالي (ص 231). .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في تعليقه على قصة عبدالله بن جحش وما نزل فيها من الآيات القرآنية: (والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يبرئ أولياءه من ارتكاب الإثم بالقتال في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبر وأعظم من مجرد القتال في الشهر الحرام، فهم أحق بالذم والعيب والعقوبة، ولاسيما وأولياؤه كانوا متأولين في قتالهم ذلك، أو مقصرين نوع تقصير، يغفره الله لهم في جنب ما فعلوه من التوحيد والطاعات، والهجرة مع رسوله، وإيثار ما عند الله، فهم كما قيل:

وإذا الحبيب أتی بذنب واحد              جاءت محاسنه بألف شفیع

فكيف يقاس ببغيض عدو جاء بكل قبيح ولم يأت بشفیع واحد من المحاسن)4(4) زاد المعاد (3/170) ..

فتنة الناس عن دينهم أكبر عند الله من القتل

ويقول سيد قطب عند هذه الآية: (نزلت تقرر حرمة الشهر الحرام، وتقرر أن القتال فيه كبيرة، نعم! ولكن: (وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) [البقرة:217] إن المسلمين لم يبدأوا القتال، ولم يبدأوا العدوان. إنما هم المشركون هم الذين وقع منهم الصد عن سبيل الله، والكفر به وبالمسجد الحرام، لقد صنعوا كل كبيرة لصد الناس عن سبيل الله، ولقد كفروا بالله، وجعلوا الناس يكفرون، ولقد كفروا بالمسجد الحرام، انتهكوا حرمته ؛ فآذوا المسلمين فيه، وفتنوهم عن دينهم طوال ثلاثة عشر عاما قبل الهجرة، وأخرجوا أهله منه، وهو الحرم الذي جعله آمنا، فلم يأخذوا بحرمته ولم يحترموا قدسيته، وإخراج أهله منه أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام.. وفتنة الناس عن دينهم أكبر عند الله من القتل، وقد ارتكب المشركون هاتين الكبيرتين فسقطت حجتهم في التحرز بحرمة البيت الحرام وحرمة الشهر الحرام، ووضح موقف المسلمين في دفع هؤلاء المعتدين على الحرمات؛ الذين يتخذون منها ستارة حين يريدون، وينتهكون قداستها حين يريدون! وكان على المسلمين أن يقاتلوهم أني وجدوهم، لأنهم عادون باغون أشرار، لا يرقبون حرمة، ولا يتحرجون أمام قداسة، وكان على المسلمين ألا يدعوهم يحتمون بستار زائف من المحرمات التي لا احترام لها في نفوسهم ولا قداسة! لقد كانت كلمة حق يراد بها باطل، وكان التلويح بحرمة الشهر الحرام مجرد ستار يحتمون خلفه، لتشويه موقف الجماعة المسلمة، وإظهارها بمظهر المعتدي.. وهم المعتدون ابتداء، وهم الذين انتهكوا حرمة البيت ابتداء .

هؤلاء قوم طغاة بغاة معتدون، لا يقيمون للمقدسات وزنا، ولا يتحرجون أمام الحرمات، ويدوسون كل ما تواضع المجتمع على احترامه من خلق ودين وعقيدة، يقفون دون الحق فيصدون الناس عنه، ويفتنون المؤمنين ويؤذونهم أشد الإيذاء، ويخرجونهم من البلد الحرام الذي يأمن فيه كل حي حتى الهوام!.. ثم بعد ذلك كله يتسترون وراء الشهر الحرام، ويقيمون الدنيا ويقعدونها باسم الحرمات والمقدسات، ويرفعون أصواتهم: انظروا ها هو ذا محمد ومن معه ينتهكون حرمة الشهر الحرام!)5(5) «في ظلال القرآن» ( 1/206) ..

وصية إلى المجاهدين والدعاة

وفي ختام هذه الفقرة أوصي إخواني المجاهدين بأن يتقوا الله وأن لا يزكوا أنفسهم فهم بشر يخطئون ويصيبون، وأن يبذلوا الوسع في توقي الذنوب وما يسخط الله عز وجل، فإن الذنوب أخطر على المجاهدين من عدوهم، وهي سبب الهزائم والخذلان، ويكفينا تذكر ما حصل للمسلمين في غزوة أحد، وإن من أخطر وأكبر الذنوب التي تهدم الجهاد وأهله التنازع والتفرق، المؤديان إلى الفشل والهزيمة وتسلط الأعداء.

كما أوصي إخواني الدعاة أن يعدلوا في نقدهم لإخوانهم المجاهدين، وأن يتجنبوا المنابر العامة في ذكر الأخطاء، كما أوصيهم وهم يذكرون أخطاء المجاهدين أن ينهجوا ذلك المنهج الرباني الآنف الذكر فيصدرون حدیثهم ونقدهم لأخطاء المجاهدين بذكر ما هو أكبر من ذلك وأشنع، وذلك بما يقوم به اليوم الكفرة الغزاة وأولياؤهم المنافقون من قتل وتشريد وسجن وتجويع وحصار خانق على المسلمين وصد عن سبيل الله وقبل ذلك كفرهم بالله ومحادتهم للإسلام وأهله في بلاد العراق وأفغانستان والشيشان وفلسطين وغيرها من بلدان المسلمين.

الهوامش

(1) «الاختيارات الفقهية» (ص448).

(2) سفرة الزاد في سفرة الجهاد (للآلوسي) (ص 5).

(3) أورد هذه القصة ابن هشام عن ابن إسحاق في «السيرة»، وقد رواه البيهقي في سننه الكبرى» (9/12 ) بسند صحيح عن الزهري عن عروة مرسلا، وقد وصله هو وابن أبي حاتم وسنده صحيح. انظر: تخريج الألباني لأحادیث «فقه السيرة» للغزالي (ص 231).

(4) زاد المعاد (3/170) .

(5) «في ظلال القرآن» ( 1/206) .

اقرأ أيضا

المشروع الأمريكي في حرب أهل السنة .. المحور العسكري

سنن الإعداد والتدافع

المواقف المختلفة من غزو الأعداء (2-2)

المنهج القرآني في التعامل مع أخطاء المجاهدين .. (1-2)

 

التعليقات غير متاحة