يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ


زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

الحكم في الدنيا للظاهر والباطن تابع له. وفي الآخرة فالحكم  للباطن والحقيقة والظاهر تبع له. فإصلاح السرائر هنا أنفع هناك وأظهر نورا وأكثر سرورا.

مقدمة

آية عظيمة من كتاب الله عز وجل يذكِّر الله سبحانه عباده فيها بشأن القلوب وأعمالها وسرائرها مما لا يعلمه الناس وهو بها عالم. كما ينبه الله عز وجل من خلال هذه الآية إلى أن هذه السرائر ستبلى وتُختبر يوم القيامة، ويظهر ما فيها من الإخلاص والمحبة والصدق أو ما يضادها من النفاق والكذب والرياء؛ وذلك في يوم القيامة، يوم الجزاء والحساب؛ وهذا واضح من الآية وما قبلها وبعدها؛ حيث يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ﴾ (الطارق: 8-10).

والقلب هو محط نظر الله عز وجل، وعليه يدور القبول والرد؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». (1رواه مسلم، ح/ 2564)

والسريرة إذا صلحت صلح شأن العبد كله وصلحت أعماله الظاهرة ولو كانت قليلة، والعكس من ذلك؛ فعندما تفسد السريرة فإنه يفسد بفسادها أقوال العبد وأعماله وتكون أقرب إلى النفاق والرياء عياذاً بالله تعالى، ويوضح هذا الأمر قوله صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب». (2رواه البخاري، ح/50)

ويشرح هذا ما نقله صاحب الحلية رحمه الله تعالى عن وهب من قوله:

“ولا تظنن أن العلانية هي أنجح من السريرة؛ فإن مثَل العلانية مع السريرة كمثل ورق الشجر مع عرقها؛ العلانية ورقها والسريرة عِرقها، إن نُخِرَ العرق هلكت الشجرة كلها ورقها وعودها، وإن صلح صلحت الشجرة كلها: ثمرها، وورقها؛ فلا يزال ما ظهر من الشجرة في خير ما كان عرقها مستخفياً لا يُرى منه شيء؛ كذلك الدين لا يزال صالحاً ما كان له سريرة صالحة يصْدقُ اللهَ بها علانيته؛ فإن العلانية تنفع مع السريرة الصالحة كما ينفع عِرق الشجرة صلاح فرعها، وإن كان حياتها من قِبَلِ عرقها فإن فرعها زينتها وجمالها، وإن كانت السريرة هي ملاك الدين فإن العلانية معها تزين الدين وتجمِّله إذا عملها مؤمن لا يريد بها إلا رضاء ربه عز وجل». (3حلية الأولياء، 4/ 70)

ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ (الطارق: 9):

“وفي التعبير عن الأعمال بـ “السر” لطيفة، وهو أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة؛ فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحاً، فتبدو سريرته على وجهه نوراً وإشراقاً وحياءاً، ومن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعاً لسريرته، لا اعتبار بصورته، فتبدو سريرته على وجهه سواداً وظلمة وشيناً، وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته فيوم القيامة تبدو عليه سريرته، ويكون الحكم والظهور لها”. (4بدائع التفسير، 5/ 185)

وقال أيضاً:

“والسرائر جمع سريرة، وهي سرائر الله التي بينه وبين عبده في ظاهره وباطنه لله؛ فالإيمان من السرائر، وشرائعه من السرائر، فتختبر ذلك اليوم، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤديها من مضيعها، وما كان لله مما لم يكن له؛ قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «يُبدي الله يوم القيامة كل سر فيكون زيناً في الوجوه، وشيناً فيها. والمعنى: تختبر السرائر بإظهارها، وإظهار مقتضياتها من الثواب والعقاب، والحمد والذم». (5المصدر السابق)

خطر السريرة، وعظم شأن القلب

مما سبق يتبين لنا عِظَمُ شأن القلب وخطورة السريرة؛ حيث إنها محط نظر الله عز وجل وعليها مدار القبول عنده سبحانه. وحسب صلاحها وفسادها يكون حسن الخاتمة وسوؤها، وكلما صلحت السريرة تمت الأعمال الصالحة وزكت ولو كانت قليلة، والعكس من ذلك في قِلة بركة الأعمال حينما تفسد السريرة ويصيبها من الآفات ما يصيبها..

وهذا هو الذي يفسر لنا تفوُّق أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على غيرهم ممن جاء بعدهم ممن قد يكون أكثر من بعض الصحابة عبادة وقربات؛ حيث إن أساس التفاضل بين العباد عند الله عز وجل هو ما وقر في القلب من سريرة صالحة مطابقة لما ظهر في العلانية من أعمال وأقوال.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «أنتم أطول صلاة وأكثر اجتهاداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا أفضل منكم قيل له: بأي شيء..؟ قال: إنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة منكم». (6صفة الصفوة، 1/ 420)

وعن القاسم بن محمد قال: «كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيراً ما كان يخطر ببالي فأقول في نفسي: بأي شيء فضل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة..؟ إن كان يصلي فإنا لنصلي، ولئن كان يصوم فإنا لنصوم، وإن كان يغزو فإنا لنغزو، وإن كان يحج فإنا لنحج..؟

قال: فكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت؛ إذ طفئ السراج، فقام بعضنا فأخذ السراج وخرج يستصبح، فمكث هنيهة، ثم جاء بالسراج، فنظرت إلى وجه ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع، فقلت في نفسي: بهذه الخشية فضل هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج فصار إلى الظلمة ذكر القيامة». (7المصدر السابق، ص 4/ 145)

تنويه رسول الله بشأن السرائر والعناية بها

نذكر هنا بعض الأحاديث الواردة في أهمية السرائر والعناية بها:

1- عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم». (8رواه مسلم: 6708)

2- وقال صلى الله عليه وسلم: «وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة». (9رواه البخاري: (4202))

3- عن محمود بن لبيد قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر. قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه فذلك شرك السرائر». (10رواه ابن خزيمة في صحيحه: (937))

عناية السلف بأعمال القلوب وإصلاح السرائر

وأخبار السلف في حرصهم على أعمال القلوب وإصلاح السرائر كثيرة ومتنوعة، وبخاصة فيما يتعلق بمحبة الله عز وجل والخوف منه وإخلاص العمل له سبحانه ومن ذلك:

* قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «القوة في العمل أن لا تؤخر عمل اليوم لغد، والأمانة ألا تخالف سريرةٌ علانيةً، واتقوا الله عز وجل؛ فإنما التقوى بالتوقي، ومن يتق الله يقِهِ». (11سيَر أعلام النبلاء، 2/ 572)

* وعن عثمان رضي الله عنه قال: «ما أسرَّ أحدٌ سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه».

* وعن نعيم بن حماد قال: «سمعت ابن المبارك يقول: ما رأيت أحداً ارتفع مثل مالك؛ ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون له سريرة». (12المصدر السابق، 8/ 97)

* وعن خالد بن صفوان قال: «لقيتُ مَسْلَمَة بن عبد الملك فقال: يا خالد..! أخبرني عن حَسَن أهل البصرة. قلت: أصلحك الله أخبرك عنه بعلم: أنا جاره إلى جنبه وجليسه في مجلسه وأعلم مَن قِبَلي به. أشبه الناس سريرة بعلانية، وأشبهه قولاً بفعل، إن قعد على أمر قام به، وإن قام على أمر قعد عليه، وإن أمر بأمر كان أعمل الناس به، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له، رأيته مستغنياً

عن الناس، ورأيت الناس محتاجين إليه، قال: حسبك..! كيف يضل قوم هذا فيهم..؟». (13المصدر السابق، 4/ 576)

* وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: «ابن آدم..! لك قول وعمل، وعملُك أوْلى بك من قولك. ولك سريرة وعلانية؛ وسريرتك أوْلى بك من علانيتك». (14مدارج السالكين، 1/ 436)

* وعن ابن عيينة رحمه الله تعالى قال: «إذا وافقَت السريرة العلانية فذلك العدل، وإذا كانت السريرة أفضل من العلانية فذلك الفضل، وإذا كانت العلانية أفضل من السريرة فذلك الجور». (15صفة الصفوة، 2/ 234)

* وعن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى قال: «قيل لحمدون بن أحمد: ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا..؟ قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن، ونحن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق». (16المصدر السابق، 4/ 122)

* ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى:

“فكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها وحسرة عليه؛ إلا محبته ومحبة ما يدعو إلى محبته ويعين على طاعته ومرضاته؛ فهذه هي التي تَبقى في القلب يوم تبلى السرائر”. (17روضة المحبين، ص 280)

خاتمة

ذلك المأخذ المرضيّ للعبد المؤمن، وعليه مناط النجاة، وقطع المراحل به الى الله تعالى أسرع، بل إن غيره لا ينفع فالقلب محل نظر الرب وبه السفر الى رب العالمين؛ فلا يُخدعن بظاهر لا يدوم وإن خدع الخلق؛ فأنت بنفسك أعلم وعلى نفسك بصيرة.

…………………………

الهوامش:

  1. رواه مسلم، ح/ 2564.
  2. رواه البخاري، ح/50.
  3. حلية الأولياء، 4/ 70.
  4. بدائع التفسير، 5/ 185.
  5. المصدر السابق.
  6. صفة الصفوة، 1/ 420.
  7. المصدر السابق، ص 4/ 145.
  8. رواه مسلم: 6708.
  9. رواه البخاري: 4202.
  10. رواه ابن خزيمة في صحيحه: 937.
  11. سير أعلام النبلاء، 2/ 572.
  12. المصدر السابق، 8/ 97.
  13. المصدر السابق، 4/ 576.
  14. مدارج السالكين، 1/ 436.
  15. صفة الصفوة، 2/ 234.
  16. المصدر السابق، 4/ 122.
  17. روضة المحبين، ص 280.

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.