العقيدة و التصور الإسلامي

من هدي الأنبياء في الدعوة ..العقيدة أولا

زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

التوحيدُ هو أصلُ دعوةِ الرسلِ ومحورها، فما منْ رسولٍ إلا وبُعثَ بالتوحيدِ، ولأجلِ الدعوةِ إلى التوحيدِ، لأجلهِ خلقَ اللهُ السمواتِ والأرضَ، والجنةَ والنارَ، وبهِ أنزلتِ الكتبُ، وبهِ أرسلتِ الرسلُ، وبهِ قامتِ الحدودُ، وبهِ شرعتِ الشرائعُ، وبهِ شرع الجهادِ.

مقدمة

إن هذا الجانب من هدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لمن أهم جوانب الاقتداء الذي ينبغي دراسته والوقوف عنده والتركيز عليه من قبل الدعاة اليوم، لأن النصر والتمكين الذي ينشده كل مسلم مرهون باتباع المعالم الأساسية لدعوتهم والذي اكتمل وتم تفصيله في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . وما أحوجنا إلى هديهم عليهم الصلاة والسلام بخاصة في واقعنا المعاصر حيث التفرق والاختلاف والتخبط والاضطراب ، كل ذلك بسبب الغفلة أو البعد عن المنهج المعصوم: منهج الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المتمثل في الثوابت والمعالم المشتركة لهم جميعا في الدعوة والتبليغ .

العقيدة أولا: علما وعملا ودعوة وتضحية

إن مصطلح العقيدة يطلق ويراد منه ما يعقد عليه القلب من تصدیق وإذعان وقبول بما جاءت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الإيمان بربوبية الله عز وجل، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وإفراده وحده لا شريك له بالعبادة والطلب والقصد، والتبرؤ من كل ما يعبد من دون الله تعالى، كما تشمل العقيدة أيضا الإيمان بالملائكة والكتب المنزلة والرسل والإيمان باليوم الآخر والجزاء والحساب والجنة والنار وكل ما أخبر به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من أمور الغيب، وانقياد كل قوم لما جاء به رسولهم من الأوامر والنواهي، وقبول حكم الله تعالى ورفض ما سواه، والموالاة والمعاداة على أساس ذلك كله حسب ما جاءنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم بفهم السلف الصالح.

وإذا تأملنا في دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام فإنا نجد أن أول شيء دعوا إليه وضحوا من أجله وكان هو همهم وشغلهم الشاغل هو أمر هذه العقيدة من: إفراد الله بالعبادة، والإيمان باليوم الآخر، والتصديق بالوحي والرسالة. ولقد واجههم في ذلك من الأذى ما تشيب له الرؤوس، ولكنهم صبروا وصابروا حتى أتاهم نصر الله عز وجل، ولقد علموا من ربهم سبحانه أن أول أمر يجب أن يدع الناس إليه هو أمر التوحيد وإفراد الله سبحانه بالعبادة بكل شمولها، وأن البدء في الدعوة بغير ذلك مخالف لأمر الله تعالى، العليم بما يصلح عباده، والحكيم فيما يأمر به وينهى وفيما يقضيه ويقدره.

التَّوْحيد دعوةُ جميع الأنبياء ومقصود الرسالات

وفيما يلي بعض الآيات من القرآن الكريم تدل على أن أول شيء دعا إليه أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام هو التوحيد وإفراد الله عز وجل بالعبادة والإيمان باليوم الآخر؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 59].

وقال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 65].

وقوله سبحانه : ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ۷۳].

وقوله تعالى: ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ۳۶] وقوله عز وجل: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ۖ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 16].

ولقد كان القرآن الكريم طيلة الفترة المكية يتحدث عن العقيدة علما وعملا مرة من خلال قصص – الأنبياء عليهم السلام – ودعوة أقوامهم إلى التوحيد، ومرة من خلال المحاجة المباشرة مع المشركين وهلهلة عقيدتهم وتسفيهها، وغير ذلك من الأساليب المختلفة. فإذا كان هذا هو شأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وشغلهم الشاغل في الدعوة إلى العقيدة بادئ ذي بدء، وكان أيضا هو الهم الأول في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وخاصة في الفترة المكية، إذن فلا بد من الوقوف عند هذا المعلم من معالم الدعوة عند الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولماذا كان أول أمر دعوا الناس إليه هو توحيد الله وعبادته.

التوحيد محور دعوة الرسل

أورد الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: في كتاب التوحيد باب (الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله) وذكر فيه الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قوم من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله – وفي رواية -: إلى أن يوحدوا الله …. الحديث،)1(1) البخاري في مواضع منها: ك الزكاة (1458)، ومسلم في الإيمان (19)..

ثم ذكر في مسائل الباب قوله: (كون التوحيد أول واجب وأنه يبدأ به قبل كل شيء حتى الصلاة)2(2) فتح المجيد : ص 72..

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في شرحه لهذا الحديث: (وفيه دليل على أن التوحيد – الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه – هو أول واجب، ولهذا كان أول ما دعت إليه الرسل عليهم السلام )3(3) فتح المجيد: ص 64..

العقيدة أولا…لماذا؟

ولقد كان في مقدور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام البدء مع أقوامهم من غير هذا الطريق الشاق الذي كلفهم العناء والبلاء، والذي قد يبدو ولأول وهلة أنه الأسهل، كأن تبدأ الدعوة في جمع الناس على أهداف قبلية وعصبية، أو أهداف اجتماعية طبقية، أو أهداف أخلاقية سلوكية؛ فإذا اجتمعوا على هذه الرايات بلغوهم العقيدة وطالبوهم بالتزامها ورفض ما سواها !! هذا هو تصور البشر القاصر الجاهل ولكن رب البشر سبحانه والذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، والذي هو أعلم بخلقه وما يصلح لهم وهو اللطيف الخبير. لم يرد هذا الطريق، ولو بدا لأول وهلة أنه الأيسر والاسهل. إنه سبحانه أراد البدء بدعوة الناس إلى عبادته وتوحيده سبحانه وخلع كل ما يعبد من دون الله حتى إذا امتلأت القلوب بمعرفة الله وتوحيده والخوف منه جاءت الأوامر والنواهي والأحكام والنظم وقد استعدت النفوس لقبولها وأذعنت لتنفيذها. إذن فلابد من حكمة عظيمة في دعوة الناس إلى العقيدة بادئ ذي بدء ينبغي الوقوف عندها. ولقد حاول الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى الإشارة إلى هذه الحكمة وهو يرد على من يرى البدء بغير العقيدة تيسيرا عليهم بزعمه، حتى إذا اجتمعوا على راية معينة طرح أمر العقيدة بعد ذلك عليهم !!

يقول رحمه الله تعالى: (فلما تقررت العقيدة – بعد الجهد الشاق – وتقررت السلطة التي تركن إليها هذه العقيدة .. لما عرف الناس ربهم وعبدوه وحده .. لما تحرر الناس من سلطان العبيد ومن سلطان الشهوات سواء ..لما تقررت في القلوب «لا إله إلا الله».. صنع الله بها وبأهلها كل شيء مما يقترحه المقترحون .. تطهرت الأرض من «الرومان والفرس».. لا ليتقرر فيها سلطان «العرب». ولكن ليتقرر فيها سلطان الله … لقد تطهرت من سلطان الطاغوت كله: رومانيا، وفارسيا وعربيا، على السواء، وتطهر المجتمع من الظلم الاجتماعي بجملته. وقام النظام الإسلامي ، يعدل بعدل الله، ويزن بميزان الله، ويرفع راية العدالة الاجتماعية باسم الله وحده ويسميها راية «الإسلام». لا يقرن إليها اسما آخر، ويكتب عليها: «لا إله إلا الله»!

وتطهرت النفوس والأخلاق وزكت القلوب والأرواح، دون أن يحتاج الأمر حتى للحدود والتعازير التي شرعها الله – إلا في الندرة النادرة – لأن الرقابة قامت هناك في الضمائر، ولأن الطمع في رضى الله وثوابه والخوف من غضبه وعقابه، قد قاما مقام الرقابة ومكان العقوبات.

وارتفعت البشرية في نظامها، وفي أخلاقها، وفي حياتها كلها، إلى القمة السامقة التي لم ترتفع إليها من قبل قط والتي لم ترتفع إليها من بعد إلا في ظل الإسلام.

ولقد تم هذا كله لأن الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام وشرائع وأحكام، كانوا قد أقاموا هذا الدين من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم، في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك . وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدين وعدا واحدا لا يدخل فيه الغلب والسلطان .. ولا حتى انتصار هذا الدين على أيديهم.. وعدا واحدا لا يتعلق بشيء في هذه الدنيا.. وعدا واحدا هو الجنة. هذا كل ما وعدوه على الجهاد المضني والابتلاء الشاق، والمضي في الدعوة، ومواجهة الجاهلية بالأمر الذي يكرهه أصحاب السلطان في كل زمان وفي كل مكان وهو: »لا إله إلا الله».

فلما أن ابتلاهم الله فصبروا، ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولما أن علم الله منهم أنهم لا ينتظرون جزاء في هذه الأرض – کائنا ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم – ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجد ولا قوم، ولا اعتزاز بوطن ولا أرض، ولا اعتزاز بعشيرة ولا بيت .. لما أن علم الله منهم ذلك كله، علم أنهم قد أصبحوا – إذن – أمناء على هذه الأمانة الكبرى.. أمناء على العقيدة، التي يتفرد فيها الله سبحانه بالحاكمية في القلوب والضمائر، وفي السلوك والشعائر، وفي الأرواح والأموال، وفي الأوضاع والأحوال .. وأمناء على السلطان الذي يوضع في أيديهم ليقوموا به على شريعة الله ينفذونها، وعلى عدل الله يقيمونه، دون أن يكون لهم من ذلك السلطان شیء لأنفسهم ولا لعشيرتهم، ولا لقومهم، ولا لجنسهم. إنما يكون السلطان الذي في أيديهم لله، ولدينه وشريعته، لأنهم يعلمون أنه من الله، وهو الذي آتاهم إياه .

ولم يكن شيء من هذا المنهج المبارك ليتحقق على هذا المستوى الرفيع إلا أن تبدأ الدعوة ذلك البدء. وإلا أن ترفع الدعوة هذه الراية وحدها.. راية لا إله إلا الله .. ولا ترفع معها سواها . وإلا أن تسلك الدعوة هذا الطريق الوعر الشاق في ظاهره، المبارك الميسر في حقيقته)4(4) معالم في الطريق ص 33 – 34..

التوجيه الإسلامي الشامل

ولا نريد من تعلم العقيدة وفهمها ذلك العلم النظري والفهم العقلي فحسب، کلا وإنما نريد ترجمة هذا الفهم وهذا العلم إلى صورة حية تستقر في القلوب وتتحرك في الواقع.

نريد أخذ العقيدة لتعقد عليها القلوب وتتغير بها الأعمال والمواقف ويجاهد في سبيلها حتى تتغير النفوس ويكون الدين كله لله؛ فإن مثل هذا المأخذ سيحتاج إلى وقت طويل وصبر مرير. وهذا ما قام به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في دعوتهم إلى هذه العقيدة وتربية الناس.

ولا يفهم من الكلام السابق أن نترك الدعوة إلى الالتزام بالأحكام الشرعية والتي اكتملت بموت النبي صلى الله عليه وسلم كلا؛ فالدعوة إلى الإسلام شاملة للعقيدة والانقياد للأوامر والنواهي الشرعية . وإنما كان المقصود الاهتمام بالعقيدة وعدم إهمالها في الدعوة لأنها هي الأساس في التزام الأحكام الشرعية الأخرى..

الهوامش

(1) البخاري في مواضع منها: ك الزكاة (1458)، ومسلم في الإيمان (19).

(2) فتح المجيد: ص 72.

(3) فتح المجيد: ص 64.

(4) معالم في الطريق: ص 33 – 34.

المصدر

كتاب: “فبهداهم اقتده” للشيخ عبد العزيز الجليل ، ص127-135 بتصرف يسير.

اقرأ أيضا

سورة الأنعام .. البدء بالعقيدة وأثره العملي

الولاء والبراء على أساس العقيدة من هدي الأنبياء

العقيدة الإسلامية .. وخاصية الثبات

قاعدة الإسلام عبر الرسالات

 

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية