”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

منارات النجاة من  الفتن .. بين النهي عن المنكر واعتزال الفتن

زمن القراءة ~ 5 دقيقة

ثمة منارات للنجاة من الفتن؛ يجب الاستهداء بها في الطريق، فالتزام جماعة المسلمين والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة القاطعة لدوافع الفتن، مع الإيجابية بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف.

مقدمة

إن الذي يريد النجاة من الفتن لابد أن يسعى جاهدا في اتخاذ الأسباب الواقية منها والاهتداء بمنارات النجاة التي جاءت في كتاب الله، عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومواقف سلف الأمة الذين استناروا فيها بهذه المنارات المنجية فنجاهم الله بها وسلمهم بها من غوائل الفتن.

ومن المنارات ما مر في المقال السابق (منارات النجاة من الفتن .. بين التقوى والأناة) واستكمالا لهذه المنارات نذكر منها ما يلي:

منارات في الطريق

منارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله

إن الدعوة إلى الله، عز وجل، وأمر الناس بالخير ونهيهم عن الشر، ومواجهة الفساد باللسان والسنان، إن كل ذلك لَمن أعظم الأسباب المنجية من الفتن وغوائلها، بل إن القيام بها يعصم وينجي من الفتن ويمنع وقوعها، ذلك لأن معظم الفتن إنما تنشأ من تعطیل هذه الشعائر العظيمة التي هي صمام الأمان من الشرور والفتن للمجتمعات والأفراد.

ونظرة سريعة لتاريخ الأمة الإسلامية ترينا مصداق ذلك، فما من فترة أصاب المسلمين فيها الذلة والشرور والفتن إلا كان أعظم الأسباب في ذلك ضعف الأمر والنهي وتعطيل الجهاد وميل الناس إلى الدنيا قال الله تعالی : ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ[البقرة: 201].

وقد يوجد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن القائمين به قلة لا تكفي جهودهم في مواجهة الفساد العظيم مما قد تتعرض الأمة بسببه للفتنة والعذاب، وحينئذ ينجي الله، عز وجل، القِلة الذين ينهون عن الفساد في الأرض ويقيهم شر الفتنة بما قاموا به من الدعوة والجهاد. قال الله تعالی عن الذي أنكروا على المعتدين في السبت من اليهود: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ[الأعراف: 165]، وقال سبحانه أيضا: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ[هود: 116].

إذن فالقيام بهذه الشعيرة العظيمة يعد من أكبر الأسباب الواقية من الفتن قبل وقوعها، والمنجية منها حين وقوعها سواء كان ذلك عن الأمة بأسرها أو عن القائمين بها في حالة قلتهم وعدم كفايتهم في مواجهة الشر والفساد أو عدم قبول الناس لنصحهم ودعوتهم.

منارة الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة

إن باب الشهوات الذي تدخل منه أكثر الفتن إلى قلب المسلم إنما ينشأ من الرغبة في الدنيا والتعلق بها وزينتها ونسيان الآخرة وأهوالها وما أعد الله، عز وجل، فيها من النعيم السرمدي أو العذاب الأبدي؛ ولذا فإن أعظم ما يسد به هذا الباب هو الزهد في الدنيا والإنابة إلى دار الخلود وعدم نسيانها. وكلما قوي هذا الجانب في قلب العبد كان أبعد عن الشهوات التي هي باب خطير من أبواب الفتن، وأصل كبير من أصول الشرور والمعاصي.

فلا علاج لفتنة الشهوات والأهواء إلا باليقين الجازم بالرجوع إلى الله، عز وجل، والوقوف بين يديه والتذكر الدائم للآخرة وما فيها من الحساب، والجزاء. كل ذلك من شأنه التزهيد في الدنيا ومتاعها الزائل الذي هو أصل فتنة الشهوات والأهواء. وما وقع من وقع في فتنة الدنيا وشهواتها إلا بضعف اليقين في يوم القيامة والانقلاب إلى الله، عز وجل، أو بنسيان ذلك اليوم والغفلة عنه بالانشغال بالدنيا وزينتها؛ وإلا فلا يمكن لعبد امتلأ بهم الآخرة قلبه وأعرض عن الدنيا وزينتها أن تؤثر عليه فتنة الشهوات ومغرياتها؛ ولذلك كانت هذه المنارة من أعظم المنارات التي ينجي الله – عز وجل – بها العبد من الفتن وغوائلها.

ومن الأسباب التي تدفع الغفلة وتبعث الزهد في الدنيا والإنابة إلى الآخرة وعدم نسيانها ما يلي:

–  كثرة ذكر الموت وزيارة المرضى وشهود الجنائز وزيارة القبور.

– ومنها مصاحبة الصالحين الذين تذکّر رؤيتهم وأقوالهم الآخرة والاستعداد لها، والإكثار من القراءة في سِيَر من مات منهم.

–  ومنها كثرة قراءة القرآن وتدبره ـ وبخاصة في صلاة الليل ـ وكثرة ذكر الله، عز وجل، ودعائه والتضرع إليه.

– تقصير الأمل والاستعداد لمباغتة الأجل في كل لحظة.

– محاسبة النفس والتفكير الدائم في غايتها في هذه الحياة ومصيرها بعد الموت.

منارة لزوم الجماعة ونبذ الفرقة

يقول الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا[آل عمران: 103] ويقول سبحانه أيضا: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[آل عمران: 105] وعن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس إني قمت فيكم كمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان. عليكم بالجماعة، وإياكم والفُرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد. من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة. من سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن». (1جزء من حديث رواه الترمذي في الفتن (2166) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (1758))

وعن النعمان بن بشير، رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب». (2رواه أحمد في المسند (4/ 272) وصححه الألباني في السلسلة (667))

وقال الليث بن سعد وغيره: کتب رجل إلى ابن عمر أن اكتب إلي بالعلم كله. فكتب إليه: إن العلم كثير، ولكن إن استطعت أن تلقى الله خفيف الظهر من دماء الناس، خميص البطن من أموالهم، كاف اللسان عن أعراضهم، لازما لأمر جماعتهم، فافعل. (3سير أعلام النبلاء 3/ 222)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى:

“سبب الاجتماع والألفة جمع الدين، والعمل به كله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما أمر به باطنا وظاهرا.

وسبب الفرقة: ترك حظ مما أُمر العبد به، والبغي بينهم.

ونتيجة الجماعة: رحمة الله ورضوانه، وصلواته، وسعادة الدنيا والآخرة، وبياض الوجوه .

ونتيجة الفرقة: عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول منهم”. (4مجموع الفتاوی1/ 17)

فلزوم الجماعة ونبذ الفرقة من أكبر المنجيات والعواصم من قواصم الفتن والشرور، وما نمت بذور الفتن إلا في أرض الفرقة والاختلاف. والتاريخ أكبر شاهد على ذلك. فإن أردنا السلامة من الفتن وشرورها؛ فلنكن عوامل بناء وتألیف وجمع لكلمة المسلمين، ولنحذر من أن نكون عوامل هدم وتفريق بين المؤمنين، وما فرح الشيطان وأولياؤه من الجن والإنس بشيء أشد من فرحهم بالفرقة والتحريش بين المسلمين؛ لأنها فرصتهم الثمينة في نشر ما يريدونه من الشرور والفساد، بل فرصتهم التي لا تعوض في بسط نفوذهم على بلاد المسلمين.

منارة: اعتزال الفتن وأهلها

إن المتأمل لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ومواقف السلف أيام الفتن يجد فيها التحذير الشديد من المشاركة فيها بأي نوع من أنواع المشاركة وضرورة اعتزالها وأهلها؛ ففي ذلك النجاة بإذن الله تعالى وفي ذلك العافية والسلامة في الدنيا والآخرة..

والمنقول لنا من مواقف السلف ومن بعدهم شاهدة بذلك؛ فما من أحد اختار لنفسه العزلة أيام الفتن إلا كان محمود العاقبة، يقول شیخ الإسلام رحمه الله تعالى:

“ومن استقرأ أحوال الفتن التي تجري بين المسلمين تبين له أنه ما دخل فيها أحد فحمد عاقبة دخوله، لما يحصل له من الضرر في دينه ودنياه ولهذا كانت من باب المنهي عنه، والإمساك عنها من المأمور به”. (5منهاج السنة 4/ 410)

وبمناسبة الحديث عن العزلة أيام الفتن فإني أنصح نفسي وإخواني الدعاة ونحن نعيش اليوم طرفا من فتنة الفرقة والاختلاف بين المسلمين بأن نقتدي بسلفنا الصالح، فنعتزل هذه الفتن، وأن نحذر أشد الحذر من التورط فيها بألسنتنا أو كتاباتنا أو أيدينا؛ فإن السلامة في ذلك . ولم نجد أحدا من السلف ندم على مسك لسانه ويده أيام الفتن.

منارة الأخ الصادق، والصاحب الصالح العاقل

مما لا شك فيه أن للأخ الصادق صاحب الدين والعقل والعلم أثرا واضحا في العصمة من الفتن، والنجاة من الشرور، والثبات على الدين وقوة التمسك به وعدم التنازل عنه. ومَن وفّقه الله، عز وجل، إلى أخ صادق ذي علم وعقل فقد وفق إلى خير عظيم، كيف لا وهو سنده بعد الله، عز وجل، عند الشدائد ومن عوامل الثبات والطمأنينة عند اضطراب الأمور وحلول الفتن.

إن للصاحب الصالح العاقل أثرا في الثبات على الأمر وتقوية القلب وعدم الوهن والاستكانة والضعف. وهذا بدوره يحذّرنا من أهل الدنيا أو ضعاف العلم والعقل، فليس وراء هؤلاء إلا الخذلان، والإرجاف، والمسارعة إلى الفتن إما بعلم، أو بجهل وحمق وطيش، فأمثال هؤلاء لا يصاحبون ولا يشاورون .

ويلحق بهذه المنارة من باب أولی مصاحبة السلف الصالح في سيرتهم وقراءة أخبارهم ومواقفهم من الفتن والتأسي بهم في ذلك.

خاتمة

تدور كثير من تلك المنارات حول القيام بالإيجابية المطلوبة تجاه الأمة والمجتمع، وقطع المواد الدافعة والموقعة للفتن من الرغبة في الدنيا أو التكالب على أسباب الفتن وتعاطيها.

إن استلهام منهج الصحابة الذين نجوا من الفتن هو المنهج محل التأسي والنظر. والله تعالى العاصم من الفتن والمنجي برحمته.

……………………………..

الهوامش:

  1. جزء من حديث رواه الترمذي في الفتن (2166) وصححه الألباني في صحيح الترمذي (1758).
  2. رواه أحمد في المسند (4/ 272) وصححه الألباني في السلسلة (667).
  3. سير أعلام النبلاء 3/ 222.
  4. مجموع الفتاوی1/ 17.
  5. منهاج السنة 4/ 410.

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

[yikes-mailchimp form="1"]

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت