فقه النوازل في ضوء الكتاب والسنة (3-7) علوم ضرورية، فقه الموازنات والأولويات


زمن القراءة ~ 9 دقيقة 

مما يعتبر في فقه النوازل أن يتدبر الفقيه الناظر في مآل ما ينظر فيه، ويمتلك القدرة على الموازنة بين المصالح والمفاسد، ومعرفة مكانة ما ينظر فيه وموقعه من دين الله.

مقدمة

ذكر الكاتب في الجزء الأول أهمية العلم بأسماء الله وصفاته، وفي الجزء الثاني ذكر أهمية العلم بالسنن الكونية، ضمن علوم ثلاثة ضرورية للناظر في فقه النوازل، ليكون نظره صوابا وحكمه صحيحا فيما نظر فيه فيما استجد من النوازل بالأمة..

وفي هذا المقال يوضح ثمرات التعرف على السنن الإلهية، محبة لله واطمئنانا، ووحدةً للكلمة، وغير ذلك.. ثم بيان أهمية فقه الموزنات والأولويات، والموقف عندما تتعارض مصلحتان، أو مصلحة ومفسدة، أو مفسدتان.

من ثمرات التعرف على السنن الإلهية

إن من علامات توفيق الله عز وجل لعبده المؤمن أن يرزقه معرفة ربه سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، وما تقتضيه من الخلق والأمر، ومعرفة ما تقتضيه من السنن الثابتة والحِكَم البالغة والرحمة المسداة والقدرة والقوة العظيمة والعلم المحيط بكل شيء.

ومن رحمة الله عز وجل أن جعل في ما نراه من الخلق والأمر والحوادث سُننا مطردة نستضيئ بها ونكيف حياتنا لتنسجم معها ولا تصادمها، وهذا من تسخير الله عز وجل الذي يمنّ الله به على خلقه قال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الجاثية:13).

ويمكن إجمال الثمرات التي تدل على أهمية العلم بالسنن الإلهية فيما يلي:

أولا: معرفة العبد لربه ومحبته وتعظيمه

إن معرفة السنن الإلهية هي من معرفة الدين وهذه المعرفة ضرورة شرعية لأنها تزيد من معرفة العبد لربه ومحبته وتعظيمه له ولأسمائه الحسنى وآثارها ومقتضياتها فيزيد بذلك الإيمان.

“من الثمرات التي نجنيها من فهمنا لطبيعة السنن ثمرة الإيمان، بأن ندرك مثلا أن هذا الكون ما كان له أن يقوم على هذه الصورة البديعة من التناسق والجمال والتوازن والاستقرار لو لم يكن خالقه ربا واحدا ً وإلها حكيما، عالما مُريدا، خبيرا، قويا، عظيما، محيطا بكل شيء، وقادرا على كل شيء سبحانه وتعالى. هذا من جهة.

ومن جهة ثانية؛ فإن التوجيهات الإلهية للمؤمنين للتدبر والتفكر في سنن الوجود، هي توجيهات دقيقة للعقل المؤمن ليتفتح على رصد الوقائع واستقراء الظواهر لمعرفة قوانين المادة والكشف عن أسرار الكون؛ إذ ما ينبغي أن يعرض عن ملاحظة دقيق صنع الخالق ـ جل وعلا ـ في الأرض والسماء بعد أن أمره بذلك ليتعرف على كمال الله تعالى ودقيق صنعه، فيعبده على بينة وعلم، وليتعامل مع عالم الشهادة بإدراك قوانينه وتسخيرها”. (1انظر الإسلام وأزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق أحمد كنعان ص :115)

ثانيا: طمأنينة القلب وسكينته وثباته

زيادة محبة الله عز وجل التي تثمرها معرفة سننه سبحانه وما تقتضيه من الرحمة والحكمة والعظمة وسعة العلم والقدرة والتدبير. وهذا يؤدي إلى طمأنينة القلب وسكينته وثباته.

ثالثا: الدلالة على رحمة الله

إن التعرف على السنن الإلهية تدلنا على رحمة الله عز وجل بعباده إذ أننا يمكننا بمعرفة السنن اختصار كثير من الجهود التي كان علينا أن نبذلها لفهم ماحولنا والتعامل معه..

ولْنتصور أن قانون إحراق النار أو قانون الجاذبية أو قانون تغير الحال إلى الاحسن أو الأسوأ تبعا لجهد الانسان وسلوكه لم يكن ثابتا ولا مطردا ً فكيف ستكون حالنا إذن؟

ومظهر آخر للرحمة في اطراد السنن هو أن التحول في أكثر الظواهر الاجتماعية يتم ببطء، وعمر الإنسان قصير إذا ما قيس بعمر الحضارات مما يجعله يبصر مقدمات الحدث دون نتائجه ونتائجه دون مقدماته وأسبابه، وحينئذ فإن من السهولة بمكان أن يصاب المرء بغبش الرؤية وضلال الأحكام.

والسنة بتجسيدها للعلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل جعلت في إمكان المسلم أن يعرف النتائج من خلال الوقوف على الأسباب والمقدمات من خلال رؤية نتائجها. (2انظر مقال: ولن تجد لسنة الله تبديلا د. بكار مجلة البيان عددد56)

رابعا: معرفة التاريخ وتفسير أحداثه

إن معرفة السنن في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ضرورة لكي نفهم التاريخ على حقيقته وأن نفسر أحداثه التفسير الصحيح والذي ينتج عنه الحكم الصحيح عليها وصوابية الموقف منها.

معرفة عوامل البناء والأمن وعوامل الهدم والخوف

وبفهم التاريخ في ضوء السنة الإلهية نستطيع التعرف على عوامل البناء والأمن والاستقرار وعوامل الهدم والخوف والانحطاط والتخلف.

على العكس ممن حُرم معرفة هذه السنن وكان مبلغه من العلم تلك التفسيرات المادية الجاهلية قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران:137).

معرفة سنن المدافعة بين الحق والباطل

كما أنه بمعرفة سنن المدافعة بين الحق والباطل المتمثلة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحج :40)، وأن الله عز وجل قد أراد ذلك لحِكم عظيمة..

كل ذلك من شأنه أن يجعل المؤمن لا يُصدم ولا يستغرب ما يقع من إدالة الكافرين على المؤمنين في بعض الأوقات فتثمر عند المؤمن طمأنينة وقوة وطاقة كبيرة لمواجهة الباطل وإحقاق الحق الذي يُقوّي في المسلم قوة إنتمائه للحق وأهله وتشعل فيه قوة المواجهة.

اتخاذ أسباب النجاة والنصر

وبمعرفتنا من خلال السنن لأسباب الأمن والاستقرار والعيش الرغيد في الدنيا والآخرة ولأسباب المصائب والشقاء والضيق؛ نستطيع الأخذ بأسباب النجاة وتجنب الأخطاء وأسباب الهلاك..

كما نستطيع معرفة أسباب النصر والتمكين وأسباب الهزائم والمذلة.. وهذا ما تثمره المعرفة بسنة الله عز وجل المتمثلة في قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى:30) وقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله:

«ومن هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرة لنا، ولولا القياس واطراد فعله وسنته؛ لم يصح الاعتبار بها؛ لأن الاعتبار إنما يكون إذا كان حكم الشيء حكم نظيره كالأمثال  المضروبة في القرآن». (3جامع الرسائل :1-55)

خامسا: تحليل الأحداث واستشراف المستقبل

إن المعرفة بالسنن الإلهية يفيد في تحليل الأحداث واستشراف المستقبل وأحداثه المتوقعة وتحليلاتها والإعداد الصحيح لمواجهتها.

سادسا: ضبط التفكير والنظر للأحداث

إن المعرفة بسنن الله عز وجل تضبط الإنسان في تفكيره وموازينه ونظرته للأحداث والنوازل وتقلباتها وموقفه منها.

ومثل هذا يضفي على النفس الطمأنينة والثبات فلا يتيه ولا يضطرب مع من يتيه ويضطرب في المواقف والأحكام والموازين فلا تجده إلا قلقا محتارا.

ومثَل العارف لسنن الله عز وجل السائر في ضوئها المنسجم معها كمن يمشي في مفازة شاسعة ومعه نور وضوء يرى به طريقه وما فيه من العثرات والعقبات ومعه الخريطة والبوصلة التي يهتدي بها في طريقه ليصل إلى هدفه المنشود.

وهذا يختلف عن من يضرب في هذه المفازة دون نور ولا خريطة ولا بوصلة فلا تسأل عن تخبطه وحيرته وضياعه في هذه المفازة.

وعندما تنضبط الموازين والمواقف بمعرفة السنن الإلهية فإن هذا يقود للمنهج الصحيح لتغيير ما بنا والنهوض من ضعفنا والتمكين لديننا مستعينين به سبحانه واضع السنن وخالق الأسباب ومسبباتها متعبدين له عز وجل بالخضوع لسننه والحركة بها وبفعل الأسباب التي أمرنا بالأخذ بها متبرئين من الحول والقوة غير متعلقين بغيره سبحانه من الأسباب ونتائجها.

وهذا من ثمار السنة الربانية المتمثلة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد:11).

“والمسلم يأخذ بالأسباب لأنه مأمور بالأخذ بها، ويعمل وفق السنة لأنه مأمور بمراعاتها لا لأنه يعتقد أن  الأسباب والوسائل هي المنشئة للمسببات والنتائج استقلالا؛ فهو يرد الأمر كله إلى خالق الأسباب ويتعلق به وحده من وراء الأسباب، بعد أداء واجبه في الحركة والسعي والعمل واتخاذ الأسباب طاعة لأمر الله.

وهكذا ينتفع المسلم بثبات السنن في بناء تجاربه العلمية وطرائقه العملية، في التعامل مع الكون وأسراره وطاقاته ومدخراته؛ فلا يفوته شيء من مزايا العلوم التجريبية والطرائق العملية.

وهو في الوقت ذاته موصول القلب بالله، حي القلب بهذا الاتصال، موصول الضمير بالمشاعر الأدبية الأخلاقية، التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه، وتسمو بالحياة الإنسانية إلى أقصى الكمال المقدر لها في الأرض، وفي حدود طاقة الإنسان”. (4انظر خصائص التصور الإسلامي ص125)

سابعا: اجتماع الكلمة ووحدة الصف

في معرفة السنن والسير على هداها اجتماع للكلمة ووحدة للصف لأن فيها استعلاء على أسباب الخلاف الجزئية أو النفسية للمحافظة على الكليات الأساسية المرتبطة بالسنن الإلهية.

مثال ذلك قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال:46) هذه سنة مطردة شاملة وأصل من أصول النصر فلا يجوز أن نضيعه للمحافظة على فروع مختلف عليها.

العلم الثالث:

العلم بفقه الموازنات والأولويات وفقه المآلات

إن هذا العلم الشريف لَمن أهم علوم الشريعة ومقاصدها وهو فقه لا يستغني عنه أحد من أهل الدنيا ولا من أهل الدين؛ حيث أن أهل الدنيا في تعاملاتهم ومؤسساتهم وتخطيطهم ومنهم أهل السياسة والحكم قد بنوا إداراتهم ومصالحهم على فقه الموازنات والأولويات.

وبالجملة فالموازنة بين المصالح والمفاسد مركوز في الفطر ولاسيما المصالح الشخصية فهو حقيقة شرعية وعقلية وبديهية.

أولا: العلم بفقه الموازنات والأولويات

فقه الموازنات أخص من فقه الأولويات بمعنى أن فقه الموازنات فرع من فقه الأولويات ذلك أن فقه الموازنات يبحث في الترجيح بين المتعارضات التي لا يمكن الجمع بينهما كتعارض المصالح مع بعضها حيث لا يمكن معها إلا تفويت الأخرى فحينئذ تفوت المصلحة الصغرى للحصول على المصلحة العظمى وكذلك عندما تتعارض مفسدتان لا بد من ارتكاب أحدهما فحينئذ تُرتكب الصغرى لتفويت الكبرى وكذلك عندما تتعارض مصلحة ومفسدة فيكون درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة وذلك بعد التأكد من تحققهما في الواقع.

وأما فقه الأولويات: فهو يبحث في الترتيب بين المصالح ليتبين ما الذي ينبغي فعله منها وحقه التقديم على غيره أولا، ثم ما ينبغي فعله ثانيا، وثالثا؛ حسب أهميته وتحققه في الواقع. وكذلك يبحث في الترتيب بين  المفاسد فيتبين ما الذي ينبغي تركه أولا ثم ثانيا ثم ثالثاً.

وقد يكون فقه الأولويات مبنيا على فقه الموازنات إذا كان هناك تعارض، وقد لا يكون مبنيا عليه عندما لا يكون هناك تعارض، وإنما حسب الترتيب. ومما يدخل في الأولويات التدرج في تطبيق الأحكام حسب أحوال المكلف وقدرته.

أنواع التعارضات في فقه الموازنات

فقه الموازنات كما سبق ذكره هو الفقه الذي يبحث في الترجيح بين المتعارضات وماذا يؤخذ منها وماذا يترك.. ولا تخرج هذه المتعارضات عن ثلاثة أنواع:

الأول: تعارض مصلحتين بحيث لا يمكن الأخذ بأحدهما إلا بتفويت الأخرى

فحينئذ تُفوت المصلحة الصغرى للحصول على المصلحة الكبرى في نفعها وعمومها ودوامها بشرط تساويهما في تحققها في الواقع؛ أما إذا كانت إحدى المصلحتين حقيقية والأخرى وهمية فتُقدم الحقيقية على الوهمية ولو كانت  الوهمية هي الأكبر والأعم والأدوم نفعا.

دليل هذا النوع من القرآن

﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال :67).

فهنا تعارضت مصلحة الإثخان وقتل الكفار وإرهابهم مع مصلحة أخذهم أسرى والاستفادة من المال الذي يفْدون به أنفسهم فقدمت مصلحة الإثخان لأهميتها وعظمها على مصلحة الفدية لصغرها.

دليله من السنة

تقديم مصلحة أداء الفرائض على مصلحة أداء النوافل قال صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما  افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحب». (5البخاري: 5\2384)

مثاله في الواقع المعاصر

تقديم طاعة الوالدين على الجهاد الكفائي لأن مصلحة طاعة الوالدين أعظم من مصلحة الجهاد الكفائي، بينما لو كان الجهاد عينيا كجهاد الدفع فإنه يقدَم على طاعة الوالدين لكون مصلحة الجهاد العيني أعظم من مصلحة طاعة الوالدين لأن مصلحة الجهاد عامة ومصلحة طاعة الوالدين خاصة.

وهنا قد يتبادر سؤال ألا وهو: في حالة كون الجهاد مختلَفا في حكمه هل هو كفائي او عيني فهل يقدم على طاعة الوالدين؟

فهنا يقال أن طاعة الوالدين مقطوع في وجوبها فتقدم على المظنون في وجوبها.

الثاني: تعارض مفسدتين مع بعضهما

حيث تُرتكب المفسدة الصغرى لتفويت المفسدة الكبرى إذا كانت درجة وقوعهما واحدة.

دليل هذا النوع من القرآن

قوله تعالى عن تعليل الخضر في خرق السفينة: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (الكهف:79).

فهنا ارتكب الخضر المفسدة الصغرى وهي عيب السفينة بعيب لا يضرها ولا يتلفها لتفويت المفسدة الكبرى وهي أخذ الملك الظالم للسفينة برمتها غصبا وبالقوة.

دليله من السنة

تركه صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين، وعلى رأسهم عبدالله ابن أبي سلول، مع ظهور كفرهم ونفاقهم وتعليل ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: «كراهية أن يتحدث الناس بأن محمد صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه». (6البخاري: 3518)

فهنا تعارضت مفسدتان: مفسدة ترك المنافقين يُفسدون، ومفسدة قتلهم؛ لكون ذلك يفتن الناس ويظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم يغدر بأصحابه ويقتلهم لعدم علمهم بنفاق المنافقين.

فكان أن ارتكب المفسدة الصغرى وهي تركه قتل المنافقين لدرء المفسدة الكبرى التي تترتب على قتلهم.

مثاله في الواقع المعاصر

إذا هجم الكفار على بلد من بلدان المسلمين وكان في هذا البلد سنة ومبتدعة من أهل القبلة والسنة بمجموعهم لا يستطيعون دفع العدو فهل يتحالف ويتعاون أهل السنة مع المبتدعة ممن بدعته غير مكفرة في قتال الكافر المهاجم؟ يبرز في هذا المثال مفسدتان متعارضتان لابد من ارتكاب أحداهما.

الأولى: مفسدة هجوم الكفار وما يترتب عليه من احتلال البلاد وإفسادها وإعلان الكفر فيها لعدم القدرة على دفعهم من قبل أهل السنة بمفردهم .

والثانية: مفسدة الاستعانة والتحالف مع بعض أهل البدع لتشكيل قوة يدفع بها الكافر الصائل فأي المفسدتين أعظم وأكبر؟

لاشك أن مفسدة دخول الكفار للبلاد وإفسادها أعظم من مفسدة التعاون والتحالف مع المبتدعة في دفع الكافر ومنعه من دخول بلاد المسلمين..

فهنا تُرتكَب هذه المفسدة الصغرى لتفويت المفسدة الكبرى. وهذا ما قام به علماء المسلمين في حروبهم مع الكفار، كما حصل ذلك من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حينما خرج مع الأشاعرة وبعض الصوفية من غير المشركين في قتال التتار ومقابلة قازان ملك التتار فردّ الله بذلك الكفار بغيظهم عن بلاد المسلمين.

الثالث: تعارض مصلحة ومفسدة

وهنا ينظر إلى درجة تحققهما في الواقع فتقدم الحقيقية على الوهمية.

وإذا تساويتا في الحقيقة ينظر إلى عظمهما فيؤخذ بالمصلحة الكبرى ولو ترتبت عليها مفسدة صغرى.

وإن تساويتا في التحقق والأهمية فهنا يكون درْء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.

دليل هذا النوع من القرآن

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الأنعام:108).

فالمصلحة  هنا سب آلهة المشركين وتحذير الناس منها ولكن لما يترتب على تحقيق هذه المصلحة من مفسدة تتمثل في سب الله عز وجل جاء النهي عن ارتكاب هذه المصلحة وقدم درء المفسدة عليها.

ودليل هذا النوع من السنة

قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: «لولا أن قومك حديثوا عهد بشرك لهدمت الكعبة وألزقتها بالأرض… الحديث». (7مسلم: 1333)

فهنا تعارضت مصلحة إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم عليه السلام والمفسدة التي قد تنشأ من نكوص بعض المسلمين الذين هم حديثوا عهد بشرك فقدم درء هذه المفسدة على جلب المصلحة التي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يراها في هدم الكعبة.

مثاله في الواقع المعاصر

الإختلاط الحاصل بين المرأة والرجل في كثير من الأعمال الوظيفية وزجها في النوادي الرياضية حيث أن المفاسد التي تترتب على ذلك كبيرة وكثيرة ومتحققة بحيث تربوا على المصالح التي يدعيها المطالبون.

وعن فقه الموازنات يقول شيخ الاسلام رحمه الله تعالى:

“ولهذا جاءت الشريعة عند تعارض المصالح والمفاسد بتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، وباحتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما”. (8مجموع الفتاوى:31/ 92)

مؤهلات من يفتي في فقه الموازنات والأولويات

  • لا يفتي في فقه الموازنات إلا العلماء الملمّون بالشريعة ومقاصدها وأحكامها وأدلتها.
  • أن يكون المفتي في فقه الموازنات على علمٍ ودرايةٍ تامة بفقه الواقعة أو الواقعتين المتعارضتين وملابسات وقوعها والظروف المحيطة بهما وما يكتنفهما من مصالح ومفاسد، وأن يكون على دراية بتفاوت هذه المصالح والمفاسد من حيث الكبر والصغر، ومن حيث التحقق من التوهم، وكونها عامة أو خاصة.
  • الإخلاص لله تعالى في تطبيقات هذا العلم والحذر من الهوى وحظوظ النفس والتأويلات الباطلة، والخوف من الله تعالى والحرص على إرادة وجهه الكريم ورضاه، والانقياد للحق إذا بان واتضح، واستصحاب النصح للمسلمين وتحقيق الصالح لهم ودرء المفاسد عنهم.

خاتمة

لا يكون التوفيق في شيء من هذا بحيث يصيب العبد حكم الله وييسر على خلقه، ويجعل الخلق عابدين لله محققين لشرعه محصلين لمصالحهم؛ لا يتم هذا إلا بإذن الله تعالى وتوفيقه وهدايته. فلا بد من الضراعة لرب العالمين والتوكل عليه سبحانه.

………………………………

هوامش:

  1. انظر الإسلام وأزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق أحمد كنعان ص :115.
  2. انظر مقال: ولن تجد لسنة الله تبديلا د. بكار مجلة البيان عددد56.
  3. جامع الرسائل :1-55.
  4. انظر خصائص التصور الإسلامي ص125.
  5. البخاري: 5\2384.
  6. البخاري: 3518.
  7. مسلم: 1333.
  8. مجموع الفتاوى:31/ 92.

لتحميل الدراسة كاملة على الرابط التالي:

اقرأ بقية الدراسة:

  1. الجزء الأول
  2. الجزء الثاني   
  3. الجزء الرابع   
  4. الجزء الخامس     
  5. الجزء السادس     
  6. الجزء السابع والأخير
0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments