غواية العالِم وخطورته


زمن القراءة ~ 4 دقيقة 

العلم مدار الرفعة بشرط العمل به والقيام بحقه، وهو يُلحق أصحابه العاملين به بأرفع الدرجات؛ ومن خانه وانتكس عنه هبط الى أسفل الأودية وكان له أسوأ الأمثلة.

مقدمة

يقوم العالِم الرباني بقيادة الناس بالعلم، وهو خلافة للنبوة الكريمة في تعليم الحق ونشره بين الناس وحملهم حكاما ومحكومين على العمل به، وهو دلالة على الله تعالى ودلالة على الطريق الموصل اليه، فلا أسعد ممن قام بحقه.

وفي المقابل فالكرامة تُنال بالعمل فمن انتكس عن العمل به وخانه واتبع هواه ونال شهواته من خلاله وجعله غلافا خادعا لطلب الدنيا أو إخضاعه لشهوات الملوك فقد أهان العلم وخسر نفسه.

وفي زماننا هذا خسرت الأمة المسلمة الكثير واستطال الملاحدة والإباحيون..! وتمكن النصارى والصهاينة والوثنيون والفجرة على رقاب المسلمين وبلدانهم وعقولهم بسبب رقية من علماء السوء الذين باعوا دينهم واستأكلوا به على قارعة الطريق..!

مثلٌ مضروب

وقد ضرب الله تعالى مثلا لعالم سوء لم يضل ابتداءً ولكنه غوى .. لم يضل لأنه يعلم؛ ولكنه غوى لانحراف قصده، ثم حق عليه الضلال وصار من الضالين لأنه لما لم يعمل بعلمه صار كمن لا يعلم..

إنه أراد الدنيا وشهواتها واستولت عليه حرارة طلبها التي تتقد جمرتها في قلبه وتلحّ عليه وتضغط ولم يملك من الصبر طلبًا للآخرة ما يمنعه عنها .. ثم دخـل في زمرة الضُلاّل لمّا لم يعمل بعلمه، ولحِق بهم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعْراف: 175 – 177].

يقول ابن القيم:

“فشبه سبحانه من آتاه كتابه وعلمه العلم الذي منعه غيره فترك العمل به واتبع هواه وآثر سخط الله على رضاه ودنياه على آخرته والمخلوق على الخالق؛ بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات وأوضعها قدرًا وأخسّها نفسًا، وهمتُه لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهًا وحرصًا؛ ومن حرصه أنه لا يمشي إلا وخطمه في الأرض يتشمم ويستروح حرصًا وشرهًا، ولا يزال يشم دبره دون سائر أجزائه، وإذا رميت إليه بحجر رجع إليه ليعضه من فرط نهمته.

وهو من أمهن الحيوانات وأحملها للهوان وأرضاها بالدنايا، والجيف القذرة المروحة ـ منتنة الريح ـ أحب إليه من اللحم الطري، والعذرة أحب إليه من الحلوى، وإذا ظفر بميتة تكفي مائة كلب لم يدع كلبًا واحدا يتناول منها شيئًا إلا هرّ عليه وقهره لحرصه وبخله وشرهه.

ومن عجيب أمره وحرصه أنه إذا رأى ذا هيئة رثة وثياب دنيّة وحال زريّة نبحه وحمل عليه كأنه يتصور مشاركته له ومنازعته في قُوته، وإذا رأى ذا هيئة حسنة وثياب جميلة ورياسة وضع له خطمه بالأرض وخضع له ولم يرفع إليه رأسه.

وجه المشابهة بين اللهث واللهف

وفي تشبيهِ من آثر الدنيا وعاجِلِها على الله والدار الآخرة ـ مع وفور علمه ـ بالكلب في حال لهثه؛ سر بديع، وهو أن الذي حالُه ما ذكره الله من انسلاخه من آياته واتباعه هواه إنما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة فهو شديد اللهف عليها، ولهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال إزعاجه وتركه. واللهف واللهث شقيقان وأخوان في اللفظ والمعنى.

قال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له؛ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. فهو مثل الذي يترك الهدى، لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطع.

قلت: مراده بانقطاع فؤاده أنه ليس له فؤاد يحمله على الصبر وترك اللهث. وهكذا الذي انسلخ من آيات الله لم يبق معه فؤاد يحمله على الصبر عن الدنيا وترك اللهف عليها؛ فهذا يلهف على الدنيا من قلة صبره عنها وهذا يلهث من قلة صبره عن الماء، فالكلب من أقل الحيوانات صبرًا عن الماء وإذا عطش أكل الثرى من العطش؛ وإن كان فيه صبر على الجوع.

وعلى كل حال فهو من أشد الحيوانات لهثًا يلهث قائمًا وقاعدًا وماشيًا وواقفًا، وذلك لشدة حرصه؛ فحرارة الحرص في كبده توجب له دوام اللهث فهكذا مشبَهه “عالِم السوء”، شدة الحرص وحرارة الشهوة في قلبه توجب له دوام اللهف..! فإن حملت عليه الموعظة والنصيحة فهو يلهف وإن تركته ولم تعظه فهو يلهف.

وقال ابن عباس: إن تحمل عليه الحكمة لم يحملها، وإن تركته لم يهتد إلى خير، كالكلب إن كان رابضًا لهث وإن طرد لهث. وقال الحسن: هو المنافق لا يثبت على الحق دُعي أو لم يُدْع، وُعظ أو لم يوعظ، كالكلب يلهث طرد أو ترك. وقال عطاء: ينبح إن حملت عليه أو لم تحمل عليه.

وقال أبو محمد بن قتيبة: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش؛ إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال الصحة وحال المرض والعطش؛ فضربه الله مثلاً لمن كذَّب بآياته وقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال، كالكلب إن طردته لهث وإن تركته على حاله لهث. ونظيره قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾.

خسارة الرفعة

وأما قوله سبحانه: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: لحقه وأدركه كما قال في قوم فرعون: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾، وكان محفوظًا محروسًا بآيات الله محمي الجانب بها من الشيطان لا ينال منه شيئًا إلا على غرة وخطفة؛ فلما انسلخ من آيات الله ظفر به الشيطان ظفر الأسد بفريسته فكان من الغاوين العاملين بخلاف علمهم الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافه كعلماء السوء.

وأما قوله سبحانه قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾، فأخبر سبحانه أن الرفعة عنده ليست بمجرد العلم فإن هذا كان من العلماء وإنما هي باتباع الحق وإيثاره وقصد مرضاة الله. فإن هذا كان من أعلم أهل زمانه ولم يرفعه الله بعلمه ولم ينفعه به فنعوذ بالله من علم لا ينفع.

وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما آتاه من العلم، وإن لم يرفعه الله فهو موضوع لا يرفع أحد به رأسًا فإن الخافض الرافع سبحانه خفضه ولم يرفعه، والمعنى: لو شئنا فضّلناه وشرفناه ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه. قال ابن عباس: ولو شئنا لرفعناه بعمله بها.

وقوله: ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ قال الكلبي: اتبع مسافل الأمور وترك معاليها. وقال أبو روق: اختار الدنيا على الآخرة. وقال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه. وقال ابن دريد: كان هواه مع القوم يعني: الذين حاربوا موسى وقومه. وقال يمان: اتبع امرأته لأنها هي التي حملته على ما فعل.

فإن قيل الاستدراك بـ “لكن” يقتضي أن يثبت بعدها ما نفى قبلها أو ينفي ما أثبت؛ كما تقول لو شئت لأعطيته لكني لم أعطه، ولو شئت لما فعلت كذا لكني فعلته. فالاستدراك يقتضي ولو شئنا لرفعناه بها ولكنا لم نشأ أو لم نرفع؛ فكيف استدرك بقوله: ﴿وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾..؟

قيل: هذا من الكلام الملحوظ فيه جانب المعنى المعدول فيه عن مراعاة الألفاظ إلى المعاني وذلك أن مضمون قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ أنه لم يتعاط الأسباب التي تقتضي رفعه بالآيات من إيثار الله ومرضاته على هواه ولكنه آثر الدنيا وأخلد إلى الأرض واتبع هواه». (1إعْلام الموقّعين عنْ ربّ العالمين (1/ 127-130))

خاتمة

هذا مثال يجب وضعه أمامك، بين عينيك، واحذره؛ فقد أطلت في نقل شرحه لعِظم موقعه وتأثيره وتوضيحه لهذه الحقيقة الخطرة؛ أن ينزل أحد لمستوى «الكلب» حتى قال تعالى بعدها: ﴿سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾، فأخبر تعالى أن مثالهم سيء؛ فقد ساء مثلهم لسوء عملهم؛ فلا تنسه واحذره دومًا.. عافانا الله وإياك، والله الهادي والعاصم.

………………………………

الهوامش:

  1. إعْلام الموقّعين عنْ ربّ العالمين (1/ 127-130).

اقرأ أيضا:

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments