”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

ما هي حقيقة التوحيد والشرك؟ الشيخ ابن باز

التوحيد غاية الخلق، ولا يتم إلا بالبراءة من الشرك، مع التوحيد لابد من التصديق، وهما متلازمان، والتصديق والقبول لا يتبعض، والوقوع في أحد النواقض مبطل لبقية التصديق أو العبادة.. هذه القضايا الخطيرة يشرحها فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله..

مقدمة

الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي العربي المكي ثم المدني، وعلى آله وأصحابه، ومن سلك سبيله، واهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد:

الغاية من خلق الخلق وإرسال الرسل، والجزاء المنتَظَر

فإن الله عز وجل خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له، وأرسل الرسل لبيان هذه الحكمة والدعوة إليها، وبيان تفصيلها، وبيان ما يضادها، هكذا جاءت الكتب السماوية، وأرسلت الرسل البشرية من عند الله عز وجل للجن والإنس.

وجعل الله سبحانه هذه الدار طريقاً للآخرة، ومعبراً لها، فمن عمرها بطاعة الله وتوحيده واتباع رسله عليهم الصلاة والسلام، انتقل من دار العمل وهي الدنيا، إلى دار الجزاء وهي الآخرة، وصار إلى دار النعيم والحبرة والسرور، دار الكرامة والسعادة، دار لا يفنى نعيمها، ولا يموت أهلها، ولا تبلى ثيابهم، ولا يَخلَق شبابهم، بل في نعيم دائم، وصحة دائمة، وشباب مستمر، وحياة طيبة سعيدة، ونعيم لا ينفد، ولهم فيها لقاء مع الله عز وجل كما يشاء، ورؤية وجهه الكريم جل وعلا.

أما من خالف الرسل في هذه الدار، وتابع الهوى والشيطان، فإنه ينتقل من هذه الدار إلى دار الجزاء، دار الهوان والخسران، والعذاب والآلام والجحيم، التي أهلها في عذاب وشقاء دائم، ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ (فاطر: 36).

كما قال عز وجل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ (طه: 74)، وقال فيها أيضا: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف: 29)، وقال فيها جل وعلا: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ (محمد: 15).

وظيفة دار العمل

والمقصود أن هذه الدار هي دار العمل، وهي دار التقرب إلى الله عز وجل بما يرضيه، وهي دار الجهاد للنفوس، وهي دار المحاسبة، ودار التفقه والتبصر في الدين، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، والعلم والعمل، والعبادة والمجاهدة..

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (الذاريات: 56-58).

فخلق الله الجن والإنس، وهما الثقلان: لعبادته عز وجل.

لم يخلقهم سبحانه لحاجة به إليهم، فإنه سبحانه هو الغني بذاته عن كل ما سواه، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ (فاطر: 15-17).

ولم يخلقهم ليتكثّر بهم من قِلّة، أو يعتزّ بهم من ذِلّة.

زبدة ما خُلقتَ من أجله

فالمقصود من خلقك وإيجادك يا عبد الله، هو توحيده سبحانه، وتعظيم أمره ونهيه، وأن تقصده وحده في حاجاتك، وتستعين به على أمر دينك ودنياك وتتبع ما جاء به رسله، وتنقاد لذلك طائعاً مختاراً، محباً لما أمر به، كارهاً لما نهى عنه، ترجو رحمة ربك، وتخشى عقابه سبحانه وتعالى.

والرسل أرسلوا إلى العباد ليعرفوهم هذا الحق، ويعلّموهم ما يجب عليهم، وما يحرم عليهم، حتى لا يقولوا “ما جاءنا من بشير ولا نذير”، بل قد جاءتهم الرسل مبشرين ومنذرين، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: 36)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 25).

فهم قد أُرسلوا ليوجّهوا الثقلين لما قد أرسلوا به، ويرشدوهم إلى أسباب النجاة ولينذروهم أسباب الهلاك، وليقيموا عليهم الحجة، ويقطعوا المعذرة.

أصل دين الله، للأولين والآخِرين، مع اختلاف الشرائع

وأعظم الأوامر وأهمها توحيده سبحانه، وترك الإشراك به عز وجل، وهذا هو أهم الأمور، وهو أصل دين الإسلام، وهو دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، وهو توحيد الله وإفراده بالعبادة، دون كل من سواه.

هذا هو أصل الدين، وهو دين الرسل جميعاً من أولهم نوح، إلى خاتمهم محمد عليهم الصلاة والسلام، لا يقبل الله من أحد ديناً سواه، وهو الإسلام.

وسُمّي إسلاماً لما فيه من الاستسلام لله، والذل له، والعبودية له، والانقياد لطاعته، وهو توحيده والإخلاص له؛ مستسلماً له جل وعلا، وقد أسلمت وجهك لله، وأخلصت عملك لله، ووجهت قلبك إلى الله في سرك وعلانيتك، وفي خوفك وفي رجائك، وفي قولك وفي عملك، وفي كل شأنك. تعلم أنه سبحانه هو الإله الحق، والمستحق لأن يُعبَد ويطاع ويُعظَّم، لا إله غيره ولا رب سواه.

وإنما تختلف الشرائع كما قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (المائدة: 48).

أما دين الله فهو واحد، وهو دين الإسلام، وهو إخلاص العبادة لله وحده، وإفراده بالعبادة: من دعاء وخوف ورجاء وتوكل، ورغبة ورهبة، وصلاة وصوم وغير ذلك، كما قال سبحانه وبحمده: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ (الإسراء: 23) أي أمر ألا تعبدوا إلا إياه.

وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5) أخبر عباده بهذا ليقولوه وليعترفوا به. فعلّمهم كيف يُثْنون عليه، فقال عز من قائل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (الفاتحة :1-3) علّمهم هذا الثناء العظيم، ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وجههم إلى هذا سبحانه وتعالى، فيثنوا عليه بما هو أهله من الحمد والاعتراف بأنه رب العالمين، والمحسن إليهم، ومربيهم بالنعم، وأنه الرحمن وأنه الرحيم، وأنه مالك يوم الدين، وهذا كله حق لربنا عز وجل.

مصدر جميع النعم

ثم قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: 5) إياك نعبد وحدك، وإياك نستعين وحدك، لا رب ولا معين سواك، فجميع ما يقع من العباد هو من الله، وهو الذي سخرهم وهو الذي هيأهم لذلك، وأعانهم على ذلك، وأعطاهم القوة على ذلك، ولهذا يقول جل وعلا: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (النحل: 53) فهو سبحانه المنعم، وهو المستعان والمعبود بالحق جل وعلا.

فأنت يا عبد الله إذا جاءتك نعمة على يد صغير أو كبير أو مملوك أو ملك، أو غيره، فكله من نعم الله جل وعلا، وهو الذي ساق ذلك ويسره سبحانه، خلق من جاء بها وساقها على يديه، وحرك قلبه ليأتيك بها، وأعطاه القوة والقلب والعقل، وجعل في قلبه ما جعل حتى أوصلها إليك.

فهو المستحق للعبادة لكمال إنعامه، وكمال إحسانه، ولكونه الخلّاق والرزاق ولكونه مُصرّف الأمور ومدبرها، ولكونه الكامل في ذاته وصفاته وأسمائه. فلهذا استحق العبادة على جميع العباد واستحق الخضوع عليهم.

معنى العبادة

والعبادة هي الخضوع والذل، وسمي الدين عبادة لأن العبد يؤديه بخضوع لله، وذل بين يديه، ولهذا قيل للإسلام عبادة.

تقول العرب: طريق معبَّد، يعني مذلَّل، قد وطأته الأقدام، حتى صار لها أثر بيّن يعرف، ويقال: بعير معبد أي قد شد ورحل عليه، حتى صار له أثر فصار معبدا.

والعبد هو: الذليل المنقاد لله المعظم لحرماته، وكلما كان العبد أكمل معرفة بالله وأكمل إيمانا به، صار أكمل عبادة.

ولهذا كان الرسل أكمل الناس عبادة؛ لأنهم أكملهم معرفة وعلما بالله، وتعظيما له من غيرهم، صلوات الله وسلامه عليهم.

تلازم توحيد الله مع تصديق رسله

ولا بد مع توحيد الله من تصديق رسله، ولهذا لما بعث الله نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام، صار يدعو الناس أولا إلى توحيد الله وإلى الإيمان بأنه رسوله عليه الصلاة والسلام.

فلا بد من أمرين: توحيد الله والإخلاص، ولا بد مع ذلك من تصديق الرسل عليهم الصلاة والسلام.

فمن وحّد الله، ولم يصدق الرسل فهو كافر، ومن صدقهم ولم يوحد الله فهو كافر، فلا بد من الأمرين: توحيد الله وتصديق رسله عليهم الصلاة والسلام.

والاختلاف في هذا المقام هو في الشرائع، وأما توحيد الله والإخلاص له، وترك الإشراك به، وتصديق رسله، فهو أمر لا اختلاف فيه بين الأنبياء، بل لا إسلام ولا دين ولا هدى ولا نجاة إلا بتوحيد الله عز وجل، وإفراده بالعبادة، والإيمان بما جاء به رسله عليهم الصلاة والسلام، جملة وتفصيلا.

فمن وحّد الله جل وعلا، ولم يصدق نوحا في زمانه، أو إبراهيم في زمانه، أو هودا أو صالحا أو إسماعيل أو إسحاق أو يعقوب أو مَن بعدهم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهو كافر بالله عز وجل، حتى يصدق جميع الرسل، مع توحيده لله عز وجل.

صورة الاسلام في كل رسالة

فالإسلام في زمن آدم هو توحيد الله مع اتباع شريعة آدم عليه الصلاة والسلام، والإسلام في زمن نوح هو توحيد الله مع اتباع شريعة نوح عليه الصلاة والسلام، والإسلام في زمن هود هو توحيد الله مع اتباع شريعة هود عليه الصلاة والسلام، والإسلام في زمن صالح هو توحيد الله مع اتباع شريعة صالح عليه الصلاة والسلام، حتى جاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فكان الإسلام في زمانه هو توحيد الله مع الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وإتباع شريعته.

فاليهود والنصارى لمّا لم يصدقوا محمداً عليه الصلاة والسلام، صاروا بذلك كفاراً ضُلّالاً، وإن فرضنا أن بعضهم وحّد الله، فإنهم ضالون كفار بإجماع المسلمين، لعدم إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم.

[اقرأ المزيد: قاعدة الإسلام عبر الرسالات]

التكذيب بشيء ينقض مجمل التصديق

فلو قال شخص إني أعبد الله وحده، وأصدق محمدا في كل شيء إلا في تحريم الزنا، بأن جعله مباحا، فإنه يكون بهذا كافرا حلال الدم والمال بإجماع المسلمين.

وهكذا لو قال: إنه يوحد الله ويعبده وحده دون كل من سواه، ويصدّق الرسل جميعا، وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم، إلا في تحريم اللواط، وهو إتيان الذكور، صار كافرا حلال الدم والمال بإجماع المسلمين، بعد إقامة الحجة عليه إذا كان مثله يجهل ذلك، ولم ينفعه توحيده ولا إيمانه؛ لأنه كذّب الرسول، وكذّب الله في بعض الشيء.

وهكذا لو وحّد الله، وصدّق الرسل، ولكن استهزأ بالرسول في شيء، أو استنقصه في شيء أو بعض الرسل، صار كافرا بذلك، كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (التوبة: 65-66).

ما يضادّ توحيد الله

ثم إن ضد هذا التوحيد هو “الشرك بالله عز وجل”، فإن كل شيء له ضد، والضد يبين بالضد قال بعض الشعراء:

والضد يظهر حسنه الضد … وبضدها تتميز الأشياء

فالشرك بالله عز وجل، هو ضد التوحيد الذي بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام، فالمشرك مشرك لأنه أشرك مع الله غيره، فيما يتعلق بالعبادة لله وحده، أو فيما يتعلق بملكه وتدبيره العباد، أو بعدم تصديقه فيما أخبر أو فيما شرع، فصار بذلك مشركاً بالله، وفيما وقع منه من الشرك.

[طالع المزيد: أعظم نواقض الإسلام عشرة]

لزوم البراءة من الشرك وأهله

وتوحيد الله عز وجل الذي هو معنى لا إله إلا الله، يعني أنه لا معبود بحق إلا الله، فهي تنفي العبادة عن غير الله بالحق، وتثبتها لله وحده، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ (لقمان: 30)، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ (محمد: 19)، وقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (آل عمران: 18)، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (النحل:51).

فتوحيد الله هو إفراده بالعبادة عن إيمان، وعن صدق، وعن عمل، لا مجرد كلام، ومع اعتقاده بأن عبادة غيره باطلة، وأن عُبّاد غيره مشركون، ومع البراءة منهم، كما قال عز وجل: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة:4)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (الزخرف: 26-27) فتبرأ من عبّاد غير الله، ومما يعبدون.

فالمقصود أنه لا بد من توحيد الله، بإفراده بالعبادة والبراءة من عبادة غيره، وعابدي غيره، ولا بد من اعتقاد بطلان الشرك، وأن الواجب على جميع العباد من جن وإنس، أن يخُصّوا الله بالعبادة، ويؤدوا حق هذا التوحيد بتحكيم شريعة الله، فإن الله سبحانه وتعالى هو الحاكم، ومن توحيده الإيمان والتصديق بذلك، فهو الحاكم في الدنيا بشريعته، وفي الآخرة بنفسه سبحانه وتعالى كما قال جل وعلا: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ﴾ (الأنعام: 57)، وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ (غافر: 12)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (الشورى:10).

وصرْف بعض العبادة للأولياء أو الأنبياء أو الشمس والقمر، أو الجن أو الملائكة، أو الأصنام أو الأشجار أو غير ذلك، كل هذا ناقض لتوحيد الله، ومبطل له.

وإذا عُلم أن الله سبحانه بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، والأنبياء قبله إلى أمم يعبدون غير الله، منهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الأصنام المنحوتة، ومنهم من يعبد الكواكب إلى غير ذلك، فقد دعوهم كلهم إلى توحيد الله، والإيمان به سبحانه، وأن يقولوا: لا إله إلا الله، وأن يبرءوا مما يخالفها، وأن يبرءوا من عابدي غير الله، ومن معبوداتهم، وأن من صرف بعض العبادة لغيره فما وحّده كما قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: 36).

صور غلوّ معاصرة

وبهذا تعلم أن ما يصنع حول القبور المعبودة من دون الله. مثل قبر البدوي والحسين بمصر، وأشباه ذلك، وما يقع من بعض الجهال من الحجاج وغيرهم عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم من طلب المدد والنصر على الأعداء، والاستغاثة به والشكوى إليه ونحو ذلك، أن هذه عبادة لغير الله عز وجل، وأن هذا شرك الجاهلية الأولى..

وهكذا ما قد يقع من بعض الصوفية من اعتقادهم أن بعض الأولياء يتصرف في الكون ويدبر هذا العالَم والعياذ بالله؛ شرك أكبر في الربوبية.

وهكذا ما يقع من اعتقاد بعض الناس، أن بعض المخلوقات له صلة بالرب عز وجل، وأنه يستغني بذلك عن متابعة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، أو أنه يعلم الغيب، أو أنه يتصرف في الكائنات، وما أشبه ذلك، فإنه كفر بالله أكبر، وشرك ظاهر، يخرج صاحبه من الملة الإسلامية إن كان ينتسب إليها.

[للمزيد اقرأ: تعددت الأصنام والشرك واحد]

مناط النجاة

فلا توحيد ولا إسلام ولا إيمان ولا نجاة إلا بإفراد الله بالعبادة، والإيمان بأنه مالك الملك، ومدبر الأمور، وأنه كامل في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله، لا شريك له، ولا شبيه له، ولا يقاس بخلقه عز وجل، فله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، وهو مدبر المُلك جل وعلا، لا شريك له، ولا معقب لحكمه.

هذا هو توحيد الله، وهذا هو إفراده بالعبادة، وهذا هو دين الرسل كلهم، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:5) يعني: إياك نوحد ونطيع ونرجو ونخاف، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: نعبدك وحدك، ونرجوك ونخافك.

وإياك نستعين على طاعتك، وفي جميع أمورنا. فالعبادة هي توحيد الله عز وجل والإخلاص له في طاعة أوامره، وترك نواهيه سبحانه وتعالى، مع الإيمان الكامل بأنه مستحق للعبادة وأنه رب العالمين المدبر لعباده، والمالك لكل شيء، والخالق لكل شيء، وأنه الكامل في ذاته، وأسمائه وصفاته وأفعاله، ولا نقص فيه، ولا عيب فيه، ولا مشارك له في شيء من ذلك، سبحانه وتعالى، بل له الكمال المطلق في كل شيء جل وعلا.

التصديق والتوحيد والتزام الشرائع لا يتبعّض

ومن هذا نعلم أنه لا بد من تصديق الرسل جميعاً فيما جاءوا به، وعلى رأسهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وأنه متى أخلص العبد العبادة لله وحده، وصدق رسله عليهم الصلاة والسلام، ولاسيما محمد صلى الله عليه وسلم، وانقاد لشرعه واستقام عليه، إلا في واحد أو أكثر من نواقض الإسلام فإنه تبطل عبادته، ولا ينفعه ما معه من أعمال الإسلام.

فلو أنه صدّق محمداً في كل شيء، وانقاد لشريعته في كل شيء لكن قال مع ذلك: مسيلمة رسول مع محمد – أعني مسيلمة الكذاب الذي خرج في اليمامة وقاتله الصحابة في عهد الصّدّيق رضي الله عنه – بطلت هذه العقيدة، وبطلت أعماله ولم ينفعه صيام النهار، ولا قيام الليل، ولا غير ذلك من عمله؛ لأنه أتى بناقض من نواقض الإسلام، وهو تصديقه لمسيلمة الكذاب، لأن ذلك يتضمن تكذيب الله سبحانه في قوله عز وجل: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:40) كما تضمن تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث المتواترة عنه عليه الصلاة والسلام، بأنه خاتم الأنبياء ولا نبي بعده.

وهكذا من صام النهار، وقام الليل، وتعبّد وأفرد الله بالعبادة، واتبع الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك في أي وقت من الأوقات صرف بعض العبادة لغير الله، كأن يجعل بعض العبادة للنبي، أو للوليّ الفلاني، أو للصنم الفلاني، أو للشمس أو للقمر أو للكوكب الفلاني أو نحو ذلك، يدعوه ويطلب منه النصر، ويستمد العون منه، بطلت أعماله التي سبقت كلها، حتى يعود إلى التوبة إلى الله عز وجل؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام :88)، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر: 65).

وهكذا لو آمن بالله في كل شيء، وصدّق الله في كل شيء، إلا في الزنا، فقال: الزنا مباح أو اللواط مباح، أو الخمر مباحة؛ صار بهذا كافرا، ولو فعل كل شيء آخر من دين الله، فاستحلاله لما حرم الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة، صار باستحلاله هذا كافرا بالله، مرتدا عن الإسلام، ولم تنفعه أعماله ولا توحيده لله عند جميع المسلمين.

وهكذا لو قال: إن نوحا أو هودا، أو صالحا، أو إبراهيم أو إسماعيل أو غيرهم ليس بنبيّ، صار كافرا بالله، وأعماله كلها باطلة، لكونه بذلك قد كذّب الله سبحانه فيما أخبر به عنهم.

وهكذا لو حرم ما أحله الله، مع التوحيد والإخلاص والإيمان بالرسل، فقال مثلا: أنا ما أحل الإبل أو البقر أو الغنم أو غيرها مما أحله الله حِلا مجمعا عليه، وقال: إنها حرام؛ يكون بهذا كافرا مرتدا عن الإسلام بعد إقامة الحجة عليه، إذا كان مثله قد يجهل ذلك. وصادف جنس من أحل ما حرم الله.

أو قال: ما أحل الحنطة أو الشعير بل هما حرام، وما أشبه ذلك، صار كافرا.

أو قال: إنه يستبيح البنت أو الأخت، صار بهذا كافرا بالله، مرتدا عن الإسلام، ولو صلى وصام وفعل باقي الطاعات، لأن واحدة من هذه الخصال تبطل دينه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام : 88).

وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

………………………………..

المصدر:

  • موقع الشيخ ابن باز رحمه الله.

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد