تصديق الأحكام القدرية للأحكام الشرعية


زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

الله تعالى هو مقدّر الأقدار، وهو تعالى مشرع الشرائع، وهو مَن وضَع جزاء الموافقة للشرع أو المخالفة له، من خلال أقداره تعالى المترتبة عليهما في الدنيا والآخرة، وهذا يزيد المؤمن ثقة ويقينا.

مقدمة .. حكمة قدَرية

إن من الحقائق الجلية في هذا الوجود، أن لله تعالى أحكاماً قدرية؛ يُخضِع بها أعناق من لا يستسلمون لأحكامه الشرعية، فما من خارجٍ عن حكم شرعي إلا ويجازَى ـ إن لم يرجع ـ بحكم قدري في الدنيا أو في الآخرة، فيرى عقوبة المخالفة إذا خالف، وعاقبة الطاعة إذا أطاع.

ومن حكمة الله تعالى، بل من رحمته، أنْ جعَل الآيات والأحكام القدرية الكونية شاهد عدل، ودليل صدق على أن آياته الشرعية الدينية حق، كما قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقّ﴾ [فصلت: 53] فمهما ارتاب أناس في شرع الله، أو خالفوه أو جزّأوه أو غفلوا عنه أو كفروا به؛ فإن أحكام القدر تجيء إليهم بأحداثها وأحوالها، لتثبت أن مُنزل هذا الشرع هو مُنزل الأقدار ومسبب الأسباب، الذي ضمِن السعادة في الدارين لمن أطاع رسله وبشّر بالشقاوة من خالفهم، وأنذرهم ضَعَةً وضيعة وضعفاً.. فهم في فتنة مقدّرة على قدر مخالفتهم. قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].

أمثلة من الواقع

والأمثلة حولنا كثيرة على استقرار هذه السنن، وثبات هذا الناموس في الآفاق، وفي الأنفس.

فعندما أمرنا الله تعالى في أحكامه الشرعية بأن ننصره بنصر دينه وإقامة شريعته، بين لنا أن عاقبة نصرنا للدين هي نصر من عنده تجري به الأقدار ﴿إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

تُرى: هل خرجت الأمة في حقبة من عمرها عن هذه السنن؟ وهل انتصرت يوماً أو عَزّت بغير شريعة الإسلام؟

ولَمّا شرع الله تعالى لهذه الأمة أن تعتصم جميعاً بحبله ولا تتفرق ولا تتنازع، وحذَّرها إن هي خالفت ذلك بالفشل وذهاب الريح؛ فهل رأينا الأمة بتفريطها في هذا التكليف في أي عصر من عصورها جلبت على نفسها أقداراً غير الفشل وذهاب الريح؟

والله سبحانه لمّا أمر أهل الإيمان بعدم موالاة الكفار في كثير من نصوص الشريعة، ألم يبين لهم أن عاقبة المخالفة لهذا المحذور الشرعي ستكون كوارث ونوائب، وإحن ومحن، وخبال وعنت..؟!

﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء: 89]. ﴿مَا يَوَدُّ الَذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلا المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 105]. ﴿وَإذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾ [آل عمران: 119]. ﴿إن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 100] ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَاًلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118]. هذا فيما يتعلق بالآيات في الآفاق.

أما الآيات القدرية والكونية في الأنفس فهي تترادف مع الأنفاس، حتى تُورث يقيناً بأن للطاعة أقدارها وللمعصية أقدارها، نرى ذلك مع تقلب القلوب، وتحول النفسِيّات وتغيرها من حال إلى حال، ونراها أيضاً في ما يعتري حياتنا من تغيرات تتوارد بالسعادة مرة، وبالشقاء أخرى، ولو راقب كل منا مدى التطابق في نفسه بين امتثاله للأحكام شرعاً مع جريان أمور حياته على السلامة قدراً، لرأى عجباً.

لا نتكلم عن الغنى والفقر، والعافية والمرض، ولكن نتكلم عن قدْر السعادة والسلامة النازل في القلب الحي بالإيمان والذكر، كما قال سبحانه ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] أو ذاك القلب المسكون بالتعاسة والشقاء والضنك، على قدر إعراضه عن الإيمان ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124] إن مراقبتنا لتلك الأمور في أحوال النفس والناس تقود إلى الإيمان بتفرد الله تعالى بالحكم شرعاً وقدراً، كما قال سبحانه: ﴿إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57] وهي كلمة صدع بها يوسف، وصرح بها يعقوب، وأظهرها في العالمين محمد صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً، حيث قال الله له: ﴿قُلْ إنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إنِ الحُكْمُ إلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: 57].

فحُكم الله القدري ماضٍ في الناس، رضوا بحكمه الشرعي أو أعرضوا.

الأقدار تردنا الى الله

وعلى هذا النمط، ووفق هذا النسق من ترتّب النتائج على مقدماتها، وتجانس الأحوال مع الأعمال؛ يمكننا أن نرصد من حادثات الأيام في عصرنا ما يزيد يقيننا بأن كل ما جاء به الرسول، صلى الله عليه وسلم، حق، ويمكننا بذلك أيضاً أن نجابِه طوائف المعرضين عن الشريعة وأحكامها، بلوازم ذلك الإعراض ونتائجه الواقعة والمتوقعة، فلعل منهم من يتذكر أو يخشى.

الى طالبي ود اليهود

نقول مثلاً للذين ما زالوا يلهثون وراء اليهود، يخطبون ودهم رغم كل الإهانات ويرغبون في التصالح الدائم معهم؛ رغم استمرار نقض المعاهدات مخالفين بذلك ثوابت الشريعة نقول لهم: لن تظفروا معهم بسلام شامل ولا دائم ولا عادل؛ لأن شدة عداوة اليهود مكتوبة في الأقدار ولن تزول عداوتهم وعداوة النصارى لنا إلا في حالة واحدة، وهي أن نرتد عن ديننا، وندخل في دينهم ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217] ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120].

الى شراذم العلمانيين

ولشراذم العلمانيين، أولئك الخوارج على الأمة والدين، نقول لهم: لن تدوم لكم في أرض الإسلام دولة مهما عمرت؛ لأنكم تحاربون الله في شرعته والرسول في رسالته وسنته وأمته، ولن تظفروا بعزة أبداً تحت أي راية غير راية الإسلام.. ﴿إنَّ الَذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [المجادلة: 5].

الى عصابات الفساد

ونبشر عصابات الإفساد، التي تراود الأمة على دينها وأخلاقها بعذاب مهلك في الدنيا قبل الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿إنَّ الَذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور: 19].

الى الماكرين بالإسلام

أما الذين يمكرون بالإسلام وأهله مكر الليل والنهار فنقول لهم: سيأتي يوم يكشف الله فيه مكركم، ويهتك ستركم؛ لأنكم جمعتم بين شرور ثلاثة، من كُن منه، كُن عليه: المكر، والبغي، والنكث.

والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: 43] وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ [يونس: 23]، وقال ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: 10].

الى القوى الباغية

ولتلك القوى الطاغية الباغية المتحكمة في مصائر العالم، دولاً كانت أو جماعات أو أفراداً، نقول: أقصِروا عن الظلم، فقد قُصر قبلكم القياصرة، وكُسر قبلكم الأكاسرة، واعلموا أن عاقبة الطغاة ذل الدنيا قبل عذاب الآخرة. ﴿إنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً * فَمَهِّلِ الكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: 15- 17].

الى المستضعفين

وفي المقابل، نقول للذين يكابدون قساوة هذا الطغيان، ويرزحون تحت طائلته: بُشراكم النُصرة، والنّصَفة من العلي الأعلى لأوليائه الصابرين، فهو سبحانه نصيرٌ لأنصار دينه وأتباع رسله، وقد كتب الغلبةَ قدراً لمن انقادوا له شرعاً ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: 21].

ونناشد خاصة هؤلاء الأولياء، أن يستمطروا رحمة الله بهم، بتراحمهم مع إخوانهم، وأن يستنزلوا نصر الله عليهم، بنصرتهم لشركاء قضيتهم؛ فباستعصامهم بحبل الله، يُسَدّدون ويُرشدون ويُعصمون ﴿وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 101].

ولنكن جميعاً على حذر من التغيير والتبديل في الثوابت الشرعية؛ فإن ذلك يستجلب أنواعاً من التبديلات القدرية ﴿وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38].

خاتمة

وأخيراً نخاطب القابضين على الجمر، والذائدين عن الثغر، والحامين للحمى من العاملين الصادقين لهذا الدين، ونخص منهم المحاربين المستضعفين، أفراداً كانوا أو جماعات أو حتى دولاً: إن الصبر على الدين شريعة، والنصر قدرها، وتحمّل عبء الدعوة عبادة، والفرَج مآلها كما قال النبي: «إن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً». (1الحاكم في المستدرك على الصحيحين – ج3/ ص624)

ولعل الله أن يخلق في ضعفكم قوة للدين، ويردّ بدعائكم كيد العادين. إن خطاب الشريعة لكم: الصبر واليقين.. وموعد الأقدار معكم الإمامة في الدين.

والله تعالى يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: 24].

…………………………….

هوامش:

  1. الحاكم في المستدرك على الصحيحين – ج3/ ص624.

المصدر:

  • مجلة البيان، افتتاحية العدد:135.

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.