ترجمة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ


زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

ما من أثر أطيب من أثر العمل الصالح وبلاغ العلم والجهاد في سبيل الله ويبقى الأثر يدرّ الحسنات ويكون نموذجا للإقتداء.

محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ، رحمه الله تعالى .. (1389-1311)

مقدمة

كان رحمه الله تقيّاً عابداً.. كان يقوم قريباً من ساعة ونصف آخرَ الليل، ويواظب عليها سفراً وحضراً. كما كان من أهل الخشية والذكر والاستغفار والبكاء، ولا يرضى بغيبة أحد في مجالسه.
وكان مع إقبال الدنيا عليه ورعاً زاهداً، وكان سماحته برغم أعماله الرئاسية الكثيرة لا يتقاضى عليها رواتب، إلا راتب رئاسة القضاة.
وكان رحمه الله مَهيباً قوياً في أمر الله، ومن طالعَ قراراته وأحكامَه في مجموع فتاويه رأَى عجباً، كما أن له مواقفَ جريئة مشهورة في نُصرة طلبة العلم والدعاة وأهل الحسبة والوقوف بجانبهم.

مولده ـ نشأته ـ أسرته

ولد الشيخ رحمه الله في حي “دُخنة” من مدينة الرياض في شهر الله المحرم سنة (1311هـ)، نشأ هذا المولود في بيئة ومجتمع زكي، فأبوه وأعمامه أهل علم ودعوة وجهاد. وصَف ذلك الشيخ عبد الله بن بسام فقال:

“كان مولده في بيت علم وفضل وزعامة دينية، فنشأ على عادة أهله وآبائه محبًا للعلم طموحًا إلى الفضل”.

وينشأ الناشئ يقتبس من أخلاق وأوصاف مَن حوله؛ فوالد الشيخ هو الشيخ الورع “إبراهيم ابن عبد اللطيف” قاضي مدينة الرياض، وله رسائل وفتاوى  كان رحمه الله متميزًا بالعدل الظاهر في قضائه ومقابلة الخصوم، وكان ناظمًا للشعر مجيدًا له كأبيه “عبد اللطيف”.
وأما أعمام الشيخ محمد فأكبرهم الشيخ “عبد الله بن عبد اللطيف” عالم نجد بعد أبيه وكذلك بقية أعمامه كانوا أهل علم وفضل كالمشايخ “محمد بن عبد اللطيف” و”عبد العزيز” و”عبد الرحمن” و”عمر”. ولهم أخبار وأحوال كالعبير رحيقًا، وصَفهم الواصفون بنعوت أشبهوا بها الأوائل سمتًا وهَديًا وعبادة وصلاحًا وعلمًا، رحمهم الله ووفَّق ذرياتهم.

ولما بلغ قريبًا من السادسة عشرة مرض بالرمد في عينيه، وطال معه إلى قرابة سنة، إلى أن كفَّ بصره.. عوضه الله الجنة.
نشأ الشيخ في هذه الأسرة فلا غرو أن أثرت فيه، وقد نهل منها واحتذى حذوها، فتوجه بتوفيق الله من أثر هذه البيئة والمجتمع الذي حوله إلى العلم قابسًا من عقل ذوي العقل، وتُقى ذوي التُقى، وغيرة ذوي الغيرة؛ وكلهم ذاك الرجل. فطلب العلم على قاعدة الدين والعمل والعقل والغيرة لله فكان ذلك معلمًا بارزًا لنبوغه وتهيُّؤه للقيادة والريادة .
بعد هذا الأساس الأول لمن يريد طلب العلم الشرعي بحق ـ أعني حفظ القرآن ـ شرع يقرأ على مشايخه فكان أولهم والده الشيخ إبراهيم، وعمه علامة نجد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، والعلامة محدِّث نجد الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، والعلامة الشيخ حمد بن فارس وغيرهم كثير.

أعماله ومناشطه وإنجازاته

عاصَر سماحته التطور الحضاري الذي عاشته هذه البلاد، فكان بفضل الله وما هيّأه له مواكباً لهذا التغيير، فلم يكتفِ بالانطلاق من المسجد عبر التدريس والفتوى، بل امتدت آفاقه وجهوده ليؤسِّس مرحلة علمية جديدة، ويرتقي وينظّم الشؤون الدينية.

ففي سنة (1370هـ) قام سماحتُه بتأسيس معهد الرياض العلمي، ليكونَ أول معهد شرعي في نجد بمناهجَ قوية تؤسِّس طالب العلم الجيد، ثم تلتْه معاهد متعددة في المملكة.
وفي سنة (1373هـ) أُسِّست كلية الشريعة في الرياض، تلتْها كلية اللغة العربية في السنة التالية، وكان سماحته رئيسَ الكليات والمعاهد العلمية، التي تحوَّلت فيما بعد إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

وفي سنة (1374هـ) أسَّس معهد “إمام الدعوة” في الرياض، وباشر التدريسَ فيه بنفسه، وكان مستوى التدريس قويّاً؛ كما أخبرنا شيخُنا عبد الله بن جبرين.

وفي شعبان من السنة نفسها أسَّس دار الإفتاء لتنظيم أمورها.

وفي سنة (1376هـ) أسَّس رئاسةَ القضاة، وتولى أمورها في نجد والمنطقتين الشرقية والشمالية، في حين تولى سماحة الشيخ “عبد الله بن حسن” رئاسةَ القضاة في الحجاز، ولمّا توفي الأخير سنة (1378هـ) توحَّدت رئاسةُ القضاة برئاسته.

وفي سنة (1379هـ) أُنشئ المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي، فكان رئيساً له.

وفي السنة نفسها افتُتحت مدارس البنات، وتولى الإشرافَ عليها.

وفي سنة (1381هـ) أُسِّست الجامعةُ الإسلامية في المدينة المنورة، فكان رئيساً لها.

وكذا تولى سماحتُه رئاسة المعهد العالي للقضاء منذ تأسيسه سنة (1386هـ)، ورئاسةَ مجلس القضاء الأعلى، ورئاسةَ دور الأيتام، ورئاسةَ المكتبة السعودية..

إضافةً إلى إمامة جامعه في “دُخنة”، وخطابة الجامع الكبير والعيدين، ورئاسة المعهد الإسلامي في نيجيريا، ورئاسة مؤسسة الدعوة الصحفية، مع إشرافه على ترشيح الأئمة والمؤذنين، وتعيين الوعَّاظ والمرشدين.

وكان قد بدأ في تأسيس مجلس هيئة كبار العلماء سنة (1389هـ) غير أنه توفي قبل مباشرة أعماله.

وهذه المهام والأعمال ـ كما لا يخفى ـ ينوء ببعضها العصبة أولو القوَّة من الرجال، ولكن وفَّقه الله للجمع بين كل ذلك بحزم وعزم كبيرين، فكان بحقٍّ أمّة وحدَه، وهيأ الله له من يساعده من الأكفياء المخلصين، ولا سيما أخيه الشيخ “عبد اللطيف بن إبراهيم”، رحم الله الجميع.

جهوده رحمه الله في مسألة الحكم بما أنزل الله وحكم من أزاح الشريعة بقوانين وضعية

مسألة الحكم بما أنزل الله هي من أعظم مسائل الإيمان، وهي سبب سعادة الدارين. وضدُها وهو الحكم بغير ما أنزل الله بل بأفكار البشر أو ما أوحته إليهم شياطين الجن والإنس من القوانين الوضعية أو غيرها، أعظم المسائل التي سبّبت شقاء البشر وضعْف ووهن الأمة الإسلامية منذ قرون. فإذا ما أرادت الأمة إصلاح وضعها ورفع الظلم والذل والفقر والدين عنها فبالحكم بما أنزل الله لا بغيره.

وكان للشيخ جهود عظيمة في هذا الجانب خاصة، وقد أوْلاه عناية كبرى. وفي جهوده في هذا الجانب معرفة كيف يجب أن يكون العلماء الربانيون، وكيف يجب أن يصدعوا بالحق، وألا تأخذهم في الله لومة لائم، وكيف يستندون في ردهم على الكتاب والسنة والمعقول الصريح.

يقول رحمه الله:

“إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين في الحكم به بين العالمين والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول الله ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً﴾”.

تلامذته

لقد كان الشيخ رحمة الله عليه أمةً في قلب رجل، وكان جامعةً متعددة الكليات فلا غرو ـ إذن ـ أن تخرَّج به المحدث والفقيه والأديب واللغوي، والقاضي والداعي، صدروا عن رجلٍ واحد لأنه ـ بتوفيق الله له ولهم ـ بذَل علمه لهم ليله ونهاره؛ وهكذا فليكن الرجال.
ولقد تلمذ للشيخ عدد لا يحصون كثرة، تولوا التدريس في المعاهد والكليات، وولوا القضاء، وولوا الفتيا، وولوا التوجيه والإرشاد، وولوا الدعوة والإصلاح.. هؤلاء لا يمكن أن يُحصَوا كثرة ، ولا يمكن تعدادهم جميعًا؛ وإن كان قد أحصي من أبرزهم قرابة مائة وتسعين تلميذًا.
لكن نذكر هنا بعض أكابر طلبته، كإشارة لا حصرٍ، التسعة الأول على ترتيب العلامة الشيخ ابن بسام لهم:

  • سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل باز رحمه الله.
  • عبد الله بن محمد بن حميد رحمه الله.
  • عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله.
  • الشيخ عبد الله بن محمد القرعاوي، الداعية المشهور، رحمه الله.
  • عبد العزيز بن ناصر الرشيد، رحمه الله.
  • عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله.
  • عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله.
  • عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ حفظه الله.
  • إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ حفظه الله.
  • صالح بن غصون رحمه الله.
  • صالح بن محمد اللحيدان حفظه الله.

وغيرهم كثير، وقد وصفه الشيخ “عبد الفتاح أبو غدة الحلبي” في (فقهاء معاصرون) بقوله: “كان الشيخ أمة في جسد رجل، وكان مسجده جامعة في قلب نجد ، ملأت بلاد نجد وغيرها علمًا، وأنارتها بعلوم الشريعة، قبل أن تُبنى مدارس التعليم والمعاهد والكليات والجامعات، التي هي أثر من آثار نهضة الشيخ العلمية رحمه الله تعالى وجزاه عن العلم والدين والإسلام خيرًا.

مؤلفاته

أملى الشيخ رحمه الله كتبًا ورسائل وفتاوى متنوعة، وكانت حياته مليئة بالتعليم والدعوة والمهمات الكبار التي أنيطت به من فتوى ومتابعة القضاء، وتمييز الأحكام، ومع هذا فقد كان له آثارٌ علمية منها:
1- فتاواه التي طُبعت مع رسائله في ثلاثة عشر جزءًا قام بجمعها وإعدادها للطبع وترتيبها الشيخ محمد بن قاسم أثابه الله، قمتُ بتحقيقها والتعليق عليها، يسَّر الله طبعها.
2- رسائل متنوعة طُبعت في حياته ثم أُدرجت مع مجموع فتاواه ورسائله، ومنها:

  • الجواب الواضح المستقيم في التحقيق في كيفية إنزال القرآن الكريم.
  • تحكيم القوانين.
  • نصيحة الإخوان في الرد على الشيخ ابن حمدان.
  • الجواب المستقيم في نقل مقام إبراهيم.
  • كتاب تحفة الحفاظ ومرجع القضاة والمفتين والوعاظ. وهو كتاب في الحديث.

أيامه الأخيرة، ووفاته

نسوق في ذلك ما أملاه أكبر تلامذته، وهو سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، فقال في كتابه تحفة الأعيان:

“في شعبان من عام (89 هـ) ألَمَّ به رحمه الله مرض في المعدة، ولم يزل به حتى أُدخل المستشفى المركزي بالرياض للفحص والعلاج في أول رمضان، ثم في (4) منه سافر إلى لندن للعلاج، واشتدَّ به المرض هناك، ورأىٰ الأطباء أنه لا مصلحه في إجراء العملية، فرجع إلى الرياض في ليلة الجمعة الموافق (19/9/89هـ) وهو ثقيل جداً وضعيف الشعور، ولم يزل في غيبوبة إلى أن وافته المنية في ضحوة يوم الأربعاء الموافق (24/9/89)، رحمه الله رحمة واسعة.

وكان لمرضه ثم موته رحمه الله الأثر العظيم في نفوس المسلمين في المملكة وغيرها، وقد حزِن المسلمون عليه حزناً عظيماً، وصُلِّيَ عليه رحمه الله بعد صلاة الظهر من اليوم المذكور في الجامع الكبير، وكنت أنا الذي أممتهم في الصلاة عليه، وحضر الصلاة عليه الملك فيصل، والأعيان من الأمراء والعلماء وغيرهم، وامتلأ المسجد الجامع بالناس على سَعَته، وصَلَّى الناس عليه من خارج المسجد، وتبع جنازته إلى المقبرة الجمُّ الغفير”.

رحمه الله وغفر له، وجعل في الأمة رموزا للخير يدلونهم على الحق ويستخرجون ينابيعه..

……………………………….

المراجع:

  • الامام العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ، بقلم حفيده الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ
  • العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ، محمد زياد التكلة.
  • جهود الإمام ابن إبراهيم في مسألة الحكم بما أنزل الله، د.عبدالقادر بن محمد الغامدي.
  • سيرة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، إعداد الشيخ: ناصر بن حمد الفهد.
  • رسالة تحكيم القوانين ص: 5-8.

اقرأ أيضا .. تراجم لأعلام معاصرين:

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments