تراجم شخصيات مؤثرة

من أعلام الأمة المعاصرين .. الشيخ أحمد محمد شاكر

زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

رزق الله تعالى الأمة برموز عظام، ماتوا لكنهم لم يغادروا الدنيا؛ فآثارهم باقية ومواقفهم محفوظة، وخيرهم عين نابعة.

ومن هؤلاء الكرام الشيخ المحدث “أحمد شاكر” رحمه الله. (1309هـ/1892م-1377هـ/1958م).

التعريف بالشيخ

هو الأستاذ العلامة المحدث أبو الأشبال الشيخ “أحمد بن محمد شاكر بن أحمد بن عبد القادر”.

ولد ـ رحمه الله ـ بعد فجر يوم الجمعة في التاسع والعشرين من شهر جمادي الأخرة سنة (1309)هـ الموافق (1892)م بمنزل والده بالقاهرة، ثم ارتحل مع والده إلى السودان حيث كان قد عُينَ قاضياً فيها.

درس الشيخ أحمد شاكر في السودان بكلية «غوردن» ثم بعد رجوعه إلى مصر درس بالإسكندرية، ثم التحق بالأزهر الذي صار والده وكيلاً لمشيخته سنة 1328هـ.

وانتقال الشيخ إلى الأزهر كان بداية عهد جديد من حياته، فقد استطاع أن يتصل بكثير من العلماء وطلبة العلم الموجودين في القاهرة ثم بدأ ينتقل في مكتبات القاهرة ويستفيد من العلماء ويكثر من المطالعة، وقد حاز على الشهادة العالمية من الأزهر سنة (1917)م وعمل في التدريس لمدة أربعة أشهر فقط، ثم عمل في سلك القضاء حتى أحيل على التقاعد سنة (1951)م.

ولم ينقطع خلال فترة اشتغاله بالقضاء عن المطالعة والتصنيف، بل إنه أثرى المكتبة الإسلامية بأبحاثه القيمة وتحقيقه لأمهات الكتب المفيدة.

وكانت وفاته في السادس والعشرين من شهر ذي القعدة سنة (1377)هـ الموافق (1958)م.

أشهر شيوخه

تربى الشيخ أحمد شاكر في بيئة علمية، فوالده كان وكيلاً للأزهر، وجده لأمه العالم الجليل “هارون عبد الرزاق”؛ بالإضافة إلى وجود الأزهر الذي كان يستقطب كبار العلماء من شتى بلدان العالم الإسلامي مما أتاح للشيخ فرصة أن ينهل من معين العلم والعلماء.

ومن أشهر العلماء الذين استفاد منهم

والده العلامة “محمد شاكر”، الشيخ “عبد السلام الفقي”، علامة الشام “الشيخ جمال الدين القاسمي”، الشيخ “عبد الله بن إدريس السنوسي”، العلامة “محمد رشيد رضا” وغيره.

جهوده في خدمة السنة

للشيخ، رحمه الله، جهوده في حفظ السنة، وقد جعله الله تعالى من أعلامها.

أهم المصنفات التي حققها وعلق عليها

  1. تحقيق كتاب “الرسالة” للإمام الشافعي تحقيقاً علمياً نافعاً ينم عن غزارة علمه وسعة اطلاعه، وهو أول كتاب عُرف به الشيخ أحمد.
  2. تحقيق “الجامع” للترمذي عن عدة نسخ، وصل فيه إلى نهاية الجزء الثالث.
  3. تحقيق وشرح “مسند الإمام أحمد بن حنبل”.
  4. تحقيق “مختصر سنن أبي داود” للحافظ المنذري، ومعه “معالم السنن” للخطابي، و”تهذيب ابن قيِّم الجوزية”، بالاشتراك مع الشيخ “محمد حامد الفقي”. وطُبع الكتاب في ثمانية مجلدات.
  5. تحقيق “صحيح ابن حبان”. حقق الجزء الأول منه فقط.
  6. شرح “ألفية السيوطي” في علم الحديث، وطُبع الكتاب في مجلدين.
  7. “الباعث الحثيث” شرح “اختصار علوم الحديث” للحافظ ابن كثير.
  8. تحقيق كتاب “الإحكام في أصول الأحكام” لابن حزم.
  9. “عمدة التفسير” عن الحافظ ابن كثير.
  10. تخريج أحاديث من تفسير الطبري. شارك أخاه محمود شاكر في تخريج أحاديث بعض الأجزاء من هذا التفسير، وعلق على بعض الأحاديث إلى الجزء الثالث عشر.
  11. تحقيق كتاب “لُباب الآداب” للأمير أسامة بن منقذ المتوفى سنة 584 هـ.
  12. تحقيق كتاب “شرح العقيدة الطحاوية”.

هذا بالإضافة إلى كتب أخرى قيمة في الأدب واللغة، وبحوث مفيدة في الفقه والقضايا الاجتماعية والسياسية كتبها في مجلة “الهدي النبوي”؛ حينما كان رئيس تحرير لها، وقد جُمعت بعض هذه المقالات ونُشرت في كتاب بعنوان “كلمة الحق”.

جهوده في المجال السياسي والاجتماعي

عاش الشيخ أحمد شاكر في فترة امتازت بكثرة الأحداث وتواليها، والدول الإسلامية تئن تحت نير الاستعمار الإنكليزي والفرنسي، وخوَر المسلمين وعجز معظم العلماء عن القيام بواجبهم، بل كانوا يشعرون بالانهزامية والصَغار أمام هجمات الصليبيين وتلامذتهم من المستشرقين الفكرية وطعنهم في هذا الدين، والتركيز على “مصر” المركز العلمي للعالم الإسلامي، واليهود يخططون لاحتلال “فلسطين”، وأحكام الشريعة الإسلامية أُقصيت عن حياة الناس بفعل الفساد

والتخطيط الصليبي الماكر ضد هذه الأمة، حتى صار التدين والتمسك بدين الإسلام، وصمة عار وتخلفاً ورجعية.

وأمام هذه الموجات المتلاطمة والعواصف الجارفة التي تهبّ بالفساد وقمع الصالحين من العباد، ونصبوا لذلك رايات في كل هضبة وواد؛ فلا يقوى على الصمود والمواجهة إلا العظماء من الرجال، وما دام أنه كما يقال: “لكل زمان دولة ورجال”؛ فقد هيأ الله سبحانه وتعالى الشيخ ليذود عن حياض هذه الأمة ويدافع عن شرفها وعزتها التي لا تكون أبداً إلا بتمسكها بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، فانبرى الشيخ للتصدي لكل الأفكار الهدامة متمسكاً بكتاب الله ملتزماً بعقيدة السلف، يقارع الأعداء وتلامذة الغرب من المستشرقين دون أن تلين له قناة أو تخور له عزيمة، مع قلة من أمثاله من الرجال.

وصار يدبّج بيراعه مقالات نفيسة وتعليقات مفيدة على بعض ما حققه من الكتب.

ومن ذلك تعليقاته على تفسير ابن جرير الطبري، وعمدة التفسير مفصلاً القول عن آيات “الحاكمية” وتكفير من لا يحكم بشريعة الله، وتعليقاته لا تزال مصدراً هاماً لمن جاء بعده من العلماء المجاهدين الذين فتح الله بصيرتهم.

مقالات فارقة

وأريد أن أخص بالذكر من بين المقالات الهامة للشيخ ثلاثة مقالات هي:

“أيتها الأمم المستعبدة”، “بيان إلى الأمة المصرية خاصة وإلى الأمم العربية والإسلامية عامة”، والثالث “تحية المؤتمر العربي في قضية فلسطين”.

ستلاحظ من خلالها مواقفه الحازمة وبغضه لأعداء الله، وتحريض الأمة على جهاد المستعمر الذي نهب خيرات البلاد ونشر في الأمة الفساد.(1مجلة البيان 39، ذو القعدة – 1411هـ، مايو – 1991م، (السنة: 5))

موقفٌ للأب وابنه

قد كان أحد خطباء مصر فصيحاً متكلماً مقتدراً، وأراد هذا الخطيب أن يمدح أحد أمراء مصر عندما كرّم “طه حسين”، وكان الأمير حاضراً للخطبة والصلاة، فقال الخطيب في خطبته: “جاءه الأعمى؛ فما عبس بوجهه وما تولى!”؛ فما كان من الشيخ “محمد شاكر” إلا أن قام بعد الصلاة، يعلن للناس أن صلاتهم باطلة، وعليهم إعادتها لأن الخطيب كفر بما شتم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم.

يقول الابن “أحمد شاكر”:

“ولكن الله لم يدعْ لهذا المجرم جرمه في الدنيا، قبل أن يجزيه جزاءه في الأخرى، فأقسمُ بالله لقد رأيته بعيني رأسي، بعد بضع سنين، وبعد أن كان عالياً منتفخاً، مستعزّاً بمَن لاذ بهم من العظماء والكبراء ـ رأيته مهيناً ذليلاً، خادماً على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتلقى نعال المصلين يحفظها في ذلة وصغار.

حتى لقد خجلت أن يراني، وأنا أعرفه وهو يعرفني، لا شفقة عليه، فما كان موضعاً للشفقة، ولا شماتة فيه؛ فالرجل النبيل يسمو على الشماتة، ولكن لِما رأيت من عبرة وعظة”. (2الألوكة، أحمد محمد شاكر.. إمام أهل الحديث في عصره)

من روائع مقالاته

وهذه مقتطفات من بعض مقالاته للتدليل والترعيف بطريقته وما أدلى به من البيان وكلمة الحق.

من مقال “كلمة حق”

في مقال بعنوان “كلمة حق” يقول رحمات الله تعالى عليه:

“ما أَقلَّ ما قلنا (كلمةَ الحق) في مواقف الرجال، وما أَكثر ما قصّرنا في ذلك، إن لم يكن خوفاً فضعفاً، ونستغفر الله، وأَرى أَنْ قد آن الأوان لنقولها ما استطعنا؛ كفَّارةً عما سَلَف من تقصير، وعما أَسْلَفْتُ من الذنوب، ليس لها إلاَّ عفوُ الله ورحمته، والعمر يجري بنا سريعاً، والحياة توشك أن تبلغ منتهاها.

وأَرى أنْ قد آنَ الأوانُ لنقولها ما استطعنا، وبلادُنا، وبلاد الإسلام تنحدر في مجرى السَّيْل، إلى هُوَّة لا قرار لها، هُوَّةِ الإلحاد والإباحية والانحلال؛ فإن لم نقف منهم موقف النذير، ولم نأخذ بحُجَزِهم عن النار انحدرنا معهم، وأصابنا من عَقَابيل ذلك ما يصيبهم، وكان علينا من الإثم أضعاف ما حُمِّلوا”. (3جمهرة مقالات الشيخ أحمد شاكر ، جمع الأستاذ عبد الرحمن العقل ، 598-591/2).

من مقال “في مشروعية ولاية المرأة للقضاء”

“فإن ولاية المرأة القضاء في بلدنا هذا، في عصرنا هذا ـ يجب أن يسبقها بيان حكم الله في أمرين بُنيتْ عليهما بداهةً:

أولاً: أيجوز في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوربة الوثنية الملحدة، بل بتشريع لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها..؟!

ثانياً: أيجوز في شرع الله أن تذهب الفتيات في فورة الشباب إلى المدارس والجامعات، لتدرس القانون أو غيره، سواء مما يجوز تعلمه ومما لا يجوز؟ وأن يختلط الفتيان والفتيان هذا الاختلاط المعيب، الذي نراه ونسمع أخباره ونعرف أحواله..؟

أيجوز في شرع الله هذا السفور الفاجر الداعر، الذي تأباه الفطرة السليمة والخلق القويم، والذي ترفضه الأديان كافة على الرغم مما يظن الأغرار وعبَّاد الشهوات؟!

يجب أن نجيب عن هذا أولاً، ثم نبحث بعدُ فيما وراءه.

ثم يسقط السؤال عن ولاية المرأة القضاء من تلقاء نفسه.

ألا فليُجب العلماء وليقولوا ما يعرفون، وليبلّغوا ما أُمروا بتبليغه، غير متوانين ولا مقصرين”. (4جمهرة مقالات الشيخ أحمد شاكر، جمع الأستاذ عبد الرحمن العقل، 598-591/2)

الوظائف التي شغلها

بعد حصوله على شهادة العالمية سنة (1917)م عين بمعهد “عثمان ماهر” لمدة أربعة أشهر، ثم انتقل إلى القضاء الشرعي، وتدرج في مناصبه حتى صار قاضيا بالمحاكم الشرعية، ثم عضوا بالمحكمة العليا، وأحيل إلى التقاعد في (1952)م ببلوغه سن الستين. وتفرّغ بعدها لأعماله العلمية حتى وفاته.

عمل مشرفًا على التحرير بمجلة “الهدي النبوي” سنة (1370)هـ ، وكان يكتب بها مقالاً ثابتًا بعنوان: “اصدع بما تؤم”، وقد جمعت بعض هذه المقالات ونشرت في كتاب بعنوان “كلمة الحق”، طبعته دار الكتب السلفية. (5الألوكة، أحمد محمد شاكر.. إمام أهل الحديث في عصره).

وفاته

وتوفي ـ رحمه الله ـ يوم السبت 26 ذي القعدة سنة  (1377)هـ الموافق ( 14) يونيو سنة (1958)م.

تقبله الله في الصالحين، ورزق الأمة أعلاما قوامين بالقسط يهدون بالحق، وبه يعدلون.

………………………………..

هوامش:

  1. مجلة البيان 39، ذو القعدة – 1411هـ، مايو – 1991م، (السنة: 5).
  2. الألوكة، أحمد محمد شاكر.. إمام أهل الحديث في عصره.
  3. جمهرة مقالات الشيخ أحمد شاكر ، جمع الأستاذ عبد الرحمن العقل ، 598-591/2.
  4. المصدر السابق.
  5. الألوكة، أحمد محمد شاكر.. إمام أهل الحديث في عصره.

من مصادر الدراسة:

  • محمد رجب البيومي ـ النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين ـ مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية ـ القاهرة.
  • محمود محمد شاكر ـ أحمد محمد شاكر إمام المحدثين ـ مجلة المجلة ـ القاهرة ـ العدد (19) ـ (1377هـ = 1957م).
  • محمد عزت الطهطاوي ـ الشيخ أحمد محمد شاكر إمام من أئمة الحديث في هذا العصر ـ مجلة الأزهر ـ العدد (5) السنة الثانية والستون ـ (1410هـ = 1989م).
  • السيد الجميلي ـ طبقات المحققين والمصححين (أحمد محمد شاكر) ـ مجلة الأزهر ـ العدد (11) السنة الثامنة والستون ـ (1416هـ = 1996م).

اقرأ أيضا:

4 1 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية