التصدي للهجوم على عقيدة الولاء والبراء (2-4)

زمن القراءة ~ 8 دقيقة 

إن دور أهل العلم والدعاة إلى المنهج الحق هو التصدي للشبهات والتأويلات الفاسدة، وأن هذا ضرب من ضروب الجهاد في سبيل الله عز وجل لا يقل إن لم يفق جهاد الكفار باليد والسنان، لأن الجهاد بالسنان يكفي فيه النية الصادقة والدربة على فنون القتال؛ ليكون صالحا وفاعلا في هذا النوع من الجهاد، أما الجهاد بالبيان والحجة ورد تأويلات المبطلين والمشبهين فلا يصلح له إلا من آتاه الله العلم والبصيرة النافذة في الدين مع التقوى واليقين.

التصدي للهجوم على عقيدة الولاء والبراء وإزالة الشبهات المثارة حولها

قد سبق الإشارة إلى أهم هذه الصور في مقال [التصدي للهجوم على عقيدة الولاء والبراء (1-4)] التي يسعى فيها أعداء الدين بتسليط معاولهم لهدم هذا السور المنيع الذي حفظ الله عز وجل به هوية المسلمين وولاء بعضهم لبعض، وتميزهم عن الكفار طيلة التاريخ الإسلامي، ألا وهو سور الولاء والبراء، ومن أهم هذه الصور:

ب- الدعوة إلى وحدة الأديان والتقارب بينها والتواد بين أهلها

إن من الفتن الخطيرة التي ترقق ما قبلها، والتي كانت تطرح ما بين الفينة والأخرى، ولكنها اليوم تطرح بقوة وكثافة أكثر من أي وقت مضى، فتنة الدعوة إلى الحوار بين الأديان والتقارب بينها، حيث تعقد لها الندوات والمؤتمرات، ويشعر المراقب هذه الفتنة ومن يتولى كبرها أنها تطرح بصورة تتسم بالكيد والمكر والتلبيس، ويتولى الإعلام بشتی وسائله الدعوة لها وتزيينها للناس بشبهات باطلة، يخشى أن تنطلي على كثير من جهلة المسلمين إن لم يجدوا من يبين لهم حقيقة هذه الدعوة الخبيثة، ويكشف عوارها وزيفها وضلالها.

ومع خطورة هذه الدعوة و مساسها بثوابت هذا الدين وأصوله، إلا أن من انبرى لكشف حقيقة هذه الدعوة في هذه الأيام هم قلة من الدعاة والعلماء من أمثال الشيخ بكر أبو زيد وزملائه في رسالته القيمة «الإبطال لنظرية الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان»، والشيخ عبدالعزيز آل عبد اللطيف في كتابه «نواقض الإيمان القولية والعملية». و الحوار الذي أجراه موقع شبكة نور الإسلام مع الشيخ عبدالعزيز الطريفي، والرسالة العلمية التي كتبها الشيخ أحمد القاضي بعنوان: «دعوة التقريب بين الأديان». فجزاهم الله خيرا وبارك في جهودهم.

ومع ما في ردودهم من القوة والشمول، إلا أن الأمر من الخطورة بحيث يحتاج إلى مزيد من الطرح والفضح والتكثيف في الوسائل المتاحة المتنوعة التي تصل إلى جميع شرائح الناس، لعلهم يفقهون حقيقة هذه الدعوة وخطرها وضلالها وبطلانها.

وإسهاما في مدافعة هذه الدعوة الباطلة أكتب هذه الوقفات السريعة، مستفيدا ممن سبقني من المشايخ الكرام، أسأل الله عز وجل في ذلك الهدى والسداد:

الوقفة الأولى: (دين الله الحق واحد وليس عدة أديان)

قال الله عز وجل: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران:۱۹]، وقال سبحانه: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران:۸۵]، وقال سبحانه عن أهل الكتاب: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا ۖ وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران: ۲۰]، وقال سبحانه: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 64].

وقال سبحانه: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [العنكبوت: 46]. هذا كلام الله، ومن أصدق من الله حديثا: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الأنعام:۱۱۵]. فهل بعد هذا البيان من بيان في أن دین الله الحق واحد، وهو الإسلام وليس عدة أديان، وهل يجوز للمسلم وهو يقرأ ويسمع هذه الآيات البينات المحكمات أن يقبل فكرة التقارب بين الأديان أو التحاور معها على أساس الندية والاعتراف بها؟!

إن دين الله الحق واحد، وليس هناك شيء اسمه الأديان السماوية أو الإبراهيمية؛ لأن دين الأنبياء جميعا واحد هو الإسلام، قال صلى الله عليه وسلم: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم، في الأولى والآخرة» قالوا: كیف یا رسول الله؟ قال: «الأنبياء إخوة من علات، وأمهاتهم شتى، ودينهم واحد، فليس بيننا»1(1) متفق عليه واللفظ لمسلم (۲۳۷۵)..

فدين إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد -عليهم الصلاة والسلام- هو الإسلام لا غير: (وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [البقرة:۱۳۲]. (وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) [يونس: 84]، وقال سبحانه عن عيسى -عليه السلام- وحوارييه: (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران :۵۲].

واللافت في جل الآيات السابقة أنها في سورة آل عمران، وقد نزلت في الحوار مع نصاری نجران، حيث كان الحوار صريحا حاسما، وذلك بإعلان البراءة من دين النصارى الوثني المحرف، ودعوتهم إلى ترك كفرهم وشركهم، ودعوتهم إلى الدخول في دين الإسلام القائم على عبادة الله وحده وتوحيده والبراءة من الشرك وأهله.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله: (والمقصود أن كل من رغب عن ملة إبراهيم فهو سفيه. قال أبو العالية: رغبت اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم، وابتدعوا اليهودية والنصرانية وليست من الله، وترکوا دین إبراهيم)2(2) مجموع الفتاوی (۱۹/ ۵۷۲).. فأين هذا من الدعوة الباطلة التي تطرح اليوم بقبول دین اليهود والنصارى أو عدم التعرض له بالنقد والتضليل والبراءة، بل والتقارب معه بحجة محاربة الإلحاد، و في نشر السلام والتسامح والعدل !!

وسبحان الله العظيم كيف يقترب فضلا عن أن يتحد شيئان متضادان. كيف يجتمع التوحيد القائم على عبادة الله وحده لا شريك له مع الشرك القائم على عبادة غير الله، وكيف يجتمع من يقول: (إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [ الأنعام:۱6۲] مع من يقول (إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) ، ومع من يقول: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّه) ومع من يقول (المَسِيحُ ابْنُ اللَّه) ، تعالى الله عما يقول الكافرون علوا كبيرا، كيف يجتمع الموحد ويتقارب مع من يقول الله عز وجل عنه وعن شناعة معتقده: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم:88-95]، إن المتضادين لا يجتمعان أبدا لا في عالم الجمادات ولا في عالم الحيوانات إلا على وجه المغالبة، حتى يذوب أحد المتضادين في الآخر، وإلا فإنها حسب السنن الكونية سيبقيان متنافرين، لا يلتقي أحدهما بالآخر، إلا أن يلتقي الضب بالحوت.

الوقفة الثانية: (متى يكون الحوار مع الكفار مقبولا؟)

إذا تبين أن فكرة الوحدة أو التقارب بين الإسلام والكفر مستحيلة عقلا و شرعا، وإن وجد من يقبلها فإما أن يكون جاهلا لا يدري ما معنی التوحيد، ولا ما هو الشرك؟ أو يكون عالما بذلك لكنه ماکر مغرض یرید هدم الإسلام ونشر الكفر.

إذا تبين لنا ذلك فسيبقى أمامنا سؤال مفاده: متى يكون الحوار مع الكفار مقبولا؟

والجواب -والحمد لله – واضح وجلي، قد بينه الله عز وجل في كتابه الكريم، وذلك أن الصورة المقبولة من الحوار مع أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، هو دعوتهم إلى التوحيد ودخولهم في الإسلام واتباعهم لمحمد صلى الله عليه وسلم، وترك ما هم عليه، وإن رفضوا، فهم کفار نتبرأ منهم ومن كفرهم ونحذرهم ولا نظلمهم. وقد سبق في الوقفة السابقة سرد بعض الآيات التي فيها محاورة أهل الكتاب في بيان شركهم ودعوتهم إلى التوحيد، وأخص منها قوله تعالى : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 64]، وصورة أخرى للحوار مع الكفار في حالة القتال معهم، سواء في جهاد الطلب ودعوتهم قبل القتال إلى الإسلام أو الجزية أو القتال، أو كان في جهاد الدفع في حالة ضعف المسلمين في التفاوض معهم في دفعهم عن دیار المسلمين بهدنة، أو صلح أو نحو ذلك، وكل هذه المحاورات تتم دون التنازل عن عقيدة التوحيد أو الاستحياء من طرحها، ودون تحسین دین الكفار أو قبوله. وهذه الصورة من الحوار مرفوضة أصلا عند الكفار ولا يقبلون بها. أما الصورة المرفوضة من الحوار مع الكفار في دين الإسلام التي يدعو إليها الكفار، فهي التي تطرح هذه الأيام، وتعقد لها الندوات والمؤتمرات. والتي يراد منها أن تكون طريقا إلى التقارب مع أديانهم الباطلة والسكوت عن كفرهم وإبطال عقيدة الولاء والبراء من ديننا، فلا براءة من المشركين ولا عداوة ولا كره للكافرين. كل ذلك باسم الحوار والدعوة إلى زمالة الأديان، ونشر السلام وبث التسامح معهم.

الوقفة الثالثة: (أهداف هذه الدعوة)

الجدير بالذكر أن الغرب اليهودي الصليبي هو من وراء هذه الأطروحات الماكرة، وقد تشربها بعض المسلمين إما جاهلا بحقيقتها أو خبثا ومكرا ونفاقا.

ويمكن ذكر بعض أهداف الحوار بين الأديان التي يسعى إليها الغرب الكافر وذلك فيما يلي:

1- باعث الصد عن سبيل الله عز وجل وبخاصة دين الإسلام الذي رأی الغرب أن أبناءه يدخلون في الإسلام زرافات ووحدانا، فأرادوا التلبيس على شعوبهم بأن الفروق بين الأديان فروق شكلية، كلها تؤدي إلى عبادة رب واحد، فلا حاجة للتغيير.

2- باعث هدم أصول الدين الإسلامي وثوابته، وخاصة أصل الولاء والبراء الذي يقتضي تكفير الكافر وبغضه والبراءة منه ومن كفره وهذا غاية ما يسعون إليه في هذه الدعوات الماكرة، وبخاصة في هذه الأزمنة المتأخرة التي استيقظ فيها المسلمون، ورأوا صورة صارخة من عداء الكفار وعدوانهم وحقدهم على الإسلام وأهله. ومن الشعائر التي أقضت مضاجع الكفار ووقفت شوكة في حلوقهم شعيرة الجهاد التي انبعثت في هذه الأمة قولا وعملا وذاق العدو الكافر الأمرين من ضربات المجاهدين. فجاءت هذه الدعوات الخبيثة لتدجن المسلمين وتبعدهم عن مقومات حياتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وجاءت لتجنيد كثير من حكام المسلمين وبعض المهزومين من المسلمين في مواجهة المجاهدين والمنادين بالبراءة من الكفار وبغضهم وعداوتهم.

3- باعث التنصير حيث طرح مجلس الكنائس العالمي أن الحوار وسيلة مفيدة للتنصير، لأنه وسيلة لكشف معتقدات وحاجيات الآخر، وهي نقطة البداية الشرعية للتنصير.

4- إسقاط جوهر الإسلام واستعلائه وظهوره وتميزه بجعل دين الإسلام المحكم المحفوظ من التحريف والتبديل في مرتبة متساوية مع غيره من كل دين محرف ممسوخ، بل مع العقائد الوثنية الأخرى.

5- الاعتراف بأديانهم واحترام عقائدهم، وتجنب البحث في المسائل العقدية الفاصلة للحفاظ على استمرار الحوار .

6- الدعوة إلى نسيان الماضي التاريخي والتخلص من آثاره، كالذي حصل من الصليبيين في حروبهم الصليبية، وما قاموا به من ظلم وتقتيل وتشريد للمسلمين. والدعوة إلى فتح صفحة جديدة بين الأديان يسودها السلام والعدل والتسامح بزعمهم. ولا يخفى على اللبيب خبث هذه الدعوة وما وراءها، ولكنها لا تنطلي على المسلم الواعي لعقيدته، الواعي لتاريخه، الواعي لواقعه المعاصر، الذي يمارس فيه هؤلاء الكفار الذين يدعوننا إلى الحوار شتى صور القتل والتعذيب والتشريد في بلدان المسلمين، ويكفينا ما يدور الآن في العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال من الغرب الصليبي اليهودي، الذي تتولى كبره أمريكا الطاغية الكافرة.

إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة بين المسلمين والكفار بحجة التسامح والتقريب والحوار بين أهل الأديان يخطئون في فهم دین الله الحق، وفهم الأديان المخالفة كما يخطئون فهم معنى التسامح وفهم الواقع الأليم، فالغرب الكافر يريد من المسلمين أن يتسامحوا من طرف واحد، ويتقبلوا العدوان عليهم، والتقتيل والاحتلال، ويستسلموا للأعداء، أما هو فلا حسيب على عدوانه وحقده، لأنه جاء ينشر الحرية والعدل والديمقراطية بزعمه، ومع ذلك نجد من بني جلدتنا من يحسن الظن بعدونا الكافر، ولا ندري هل هذا جهلا منه أو خبثا ومكرا !؟

الوقفة الرابعة: (المخرج من هذه الفتنة)

يقول الله عز وجل: (وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:۱5۳]، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم أمرين، لن تضلوا ما تمسكتم بهما: کتاب الله وسنة رسوله»3(3) رواه مالك في «الموطأ» وذكره الأرناؤوط في «جامع الأصول» (۱/ ۲۷۷) وقال: رواه الحاكم (۹۳/۱) بسند حسن فيقوى به..

وقوله صلى الله عليه وسلم” في حديث الفتن التي يرقق بعضها بعضا قوله: «فمن أحب أن يؤخر عن النار، ويدخل الجنة، فلتأتيه منيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر»4(4) أخرجه مسلم في “صحيحه” (1844). .

هذا هو المنقذ من هذه الفتنة ومن غيرها: الاعتصام بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والسير على هديها، وفي كتاب الله عز وجل وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدلة التي تدحض هذه الفتن وغيرها، وذلك في بيان حقيقة الإيمان بالله عز وجل وتوحيده و بیان سبيل الكافرين، وتفنيد عقائدهم الباطلة ما يكفي ويشفي لمن تدبرهما، وجعلهما المصدر الوحيد لفهمه وحكمه وتحاكمه وفي ولائه وفي برائه.

والإيمان الحق بالله عز وجل واليوم الآخر هما ثمرة من ثمار الاعتصام بالكتاب والسنة، والإيمان بالله الحق واليوم الآخر هما العاصمان بإذن الله عز وجل من الوقوع في فتن الاعتقادات والأقوال والأعمال، كما جاء في حديث الفتن السالف الذكر: «فمن أحب أن يؤخر عن النار، ويدخل الجنة، فلتأتيه منيَّتُه وهو يؤمن بالله واليوم الآخر».

هذا هو المتعين على كل مسلم يريد لنفسه النجاة. كما أن المتعين على علماء السنة في ديار المسلمين بيان الحق للناس، وربطهم بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفهم السلف الصالح له، وبيان ما يضاد ذلك من سبيل الكافرين والمنافقين والمبتدعين. ويتأكد هذا الواجب في زماننا اليوم الذي كثرت فيه الفتن، وأجلب فيه المضلون والملبسون الصادون عن سبيل الله بخيلهم ورجلهم، يريدون تبدیل الدين وزعزعة التوحيد في قلوب أهله، فإن لم ينفر العلماء وطلاب العلم في رد هذه الفتن المستطيرة تكن فتنة في الأرض وفساد كبير على الناس في دينهم وإثم كبير على الساكت من أهل العلم قال الله – عز وجل: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ) [آل عمران:۱۸۷]، وقال سبحانه: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [المائدة: 63 ]، أي لبئس ما يصنعه أهل العلم من الربانيين والأحبار بسكوتهم وعدم نهيهم الناس عن الإثم، إن بيان سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين للناس هو ضرب من الجهاد في سبيل الله فما أعظمه من جهاد.

الهوامش

(1) متفق عليه واللفظ لمسلم (۲۳۷۵).

(2) مجموع الفتاوی (۱۹/ ۵۷۲).

(3) رواه مالك في «الموطأ» وذكره الأرناؤوط في «جامع الأصول» (۱/ ۲۷۷) وقال: رواه الحاكم (۹۳/۱) بسند حسن فيقوى به.

(4) أخرجه مسلم في “صحيحه” (1844).

اقرأ أيضا

التصدي للهجوم على عقيدة الولاء والبراء (1-4)

الطائفة المنصورة وواقعنا المعاصر (1-8) محورية الولاء والبراء

الوطنية .. طاغوت العصر

صنم الوطنية

 

التعليقات معطلة.