النية وحدها لا تكفي


زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

انتشرت مقولات فاسدة في الأمة في العقود الأخيرة؛ تدور حول إهمال دلالة الواقع إحالة الى النية الباطنة التي يدعي أصحابها أنها طيبة! مع واقع فردي وعام منحرف!!

مقدمة

فهِم المسلمون – بداهة – أن النية وحدها المضمرة في القلب لا يمكن أن تكون إسلاما..! وأنه ما لم تتحقق هذه النية في أعمال محسوسة وسلوك واقعي، فهي لا تساوي شيئاً في ميزان الواقع وميزان الله. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «ليس الإِيمان بالتمني ولا بالتحلي. ولكن هو ما وقر في القلب وصدَّقه العمل». (1أخرجه ابن النجار والديلمي في مسند الفردوس، وأشار السيوطي في الجامع الصغير إلى ضعفه كما في النسخ المطبوعة في دار الكتب العلمية في بيروت. وهو صحيح الى الحسن البصري، رحمه الله)

الحركة ـ قانون الوجود الأكبر ـ قائمة على حقيقة “تحويل القوة الكامنة إلى قوة ظاهرة، وزيادة هذه القوة بحيث تتغلب على المقاومة ثم تتحرك في الاتجاه المطلوب“.

والنفس الإِنسانية ـ وهي طاقة كونية ـ تسير على القانون ذاته، فلا فرق في طاقات الكون العظمى بين الماديات والمعنويات..! والمادة والطاقة شيء واحد فـي عرف العلم الحديث..!

النية وحدها لا تكفي.. لأنها قوة كامنة لم تتحول إلى حركة وعمل، ولم تجرّب نفسها أمام العقبات..!

والآن فلننظر؛ ما المعوقات “الطبيعية” في حياة الإنسان، التي لا تكفي “النية” لمقاومتها.. والتي ينبغي تحويل هذه النية إلى قوة حقيقية لتعادلها أوّلا، ثم تزيد عليها لتنتج الحركة الحقيقية في واقع الحياة..؟!

معوقات كثيرة كامنة في داخل النفس، وموجودة كذلك في واقع الحياة.

فمِن داخل النفس: الإِلف، والعادة، والتقليد، والرغبة في الحياة السهلة، وكراهة الجهد، وكراهة التعرض للتعب والأخطار..

والعنوان العام الذي يجمعها هو “الهوى” أي الرغبة في الاستجابة لما تهواه النفس من نزعات.

وفي الواقع الخارجي: العرف الاجتماعي الظالم والقوى المنحرفة التي قد توجد في المجتمع وتسيطر عليه.

والعنوان العام الذي يجمعها هو “الطاغوت” أي كل قوة طغت عن حدها وتجاوزت خطها المستقيم.

الهوى من داخل النفس، والطاغوت من خارجها، هما “المقاومة” التي ينبغي أن تتحول النية إلى قوة حقيقية لتعادلهما أولا، ثم تزيد عليهما لتنتج الحركة المستقيمة المتمشية مع ناموس الكون وإرادة الله.

والهوى من داخل النفس، والطاغوت من خارجها قوى “حقيقية” واقعة متحركة ذات ضغط وثقل واندفاع. ومن ثم فالنية وحدها لا تكفي لمقاومتها، فضلا عن التغلب عليها لإِحداث الحركة المستقيمة في الطريق الصحيح.

وتلك بديهية من بديهيات النفس وبديهيات الحياة، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يدركها حق إدراكها وهو يقول: «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل». كما كان يدركها أصحابه الأوائل وهم يجاهدون ويَجْهدون ليقيموا أنفسهم على النهج، ويقيموا المجتمع على قواعد الإِسلام.

قيمة النية الطيبة..!

ما قيمة النية الطيبة المخلصة في واقع الحياة..؟! أو – من جانب آخر – ما عيبها..؟

عيبها أنها خداع..! أنها تخيِّل إليك ـ وأنت تحلم ـ أنك بدفعة صغيرة قد تستطيع أن تحرك الكون..!

ولكنك لم تجرب كم يحتاج من الجهد أن تحرك المنضدة من الأرض..!

أنت مقتنع ـ بإِخلاص ـ أنك نظيف القلب نقيّ السريرة مستقيم الطباع، متصل بالله عامل بما يرضاه.

نعم؛ ولكن حين يحتاج ذلك منك أن تمتنع عن رغبة من رغباتك، أو تغير إلفك وعادتك، أو تقاليد المجتمع الذي تعيش فيه..؟!

حين يحتاج منك أن تقف في وجه الناس تحوّلهم عن انحرافهم، أو تدفعهم عن طريقك لكي لا يحرّفوا خطواتك عن الطريق.. وينالك من ذلك الأذى والألم والحرمان..؟!

حين يحتاج منك أن تواجه الطاغوت ـ أي أنواع الطاغوت ـ وتتعرض حياتك للأخطار..؟!

ما موقفك عندئذ..؟ وما الرصيد “الواقعي” للنية الطيبة الكامنة في ضميرك..؟!

حقا.. إنه لا قيمة لشيء ولا لعمل بدون هذه النية الكامنة في النفس. ولكن هي وحدها ما قيمتها إذا لم تتحول إلى قوة ظاهرة تعمل في واقع الحياة..؟

وهل كان تعنّتا من الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن يقول : «ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل»..؟

أم إن الرسول كان واقعيا إلى أقصى درجات الواقعية..؟

إن الرصيد الحقيقي لهذه النية الطيبة، هو مقدرتها على مقاومة الهوى مـن داخل النفس، والطاغوت من خارجها؛ فإذا لم تتحول إلى المقاومة الواقعية أو لم تقدر عليها؛ فهل تزيد على فقاعة جميلة المنظر تنفثئ عند أول لمسة، وتضيع في الفضاء..؟!

ومن أجل ذلك لم يكتف الإِسلام قط بالنية الطيبة ، ولم يَتَلَهّ بها عن العمل المثمر في واقع الحياة.

ومن أجل ذلك لم يقل القرآن ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وإنما قال دائما: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.. ما وقر في القلب وصدقه العمل..

وكان الإسلام بذلك دين الفطرة، لأنه يتمشى مع فطرة الكون وناموس الوجود.

وكان ذلك ـ كما قلنا ـ بديهيـة من البديهيات التي فهمها المسلمون الأوائل عن الإسلام.

ومن إدراكهم لهذه البديهية في المفهوم الإِسلامي عملوا في عالم الواقع لتحقيق الفكرة الإِسلامية، (2نرى الأفضل استعمال “المنهج الإسلامي” حتى لا يشتبه الإسلام بالأفكار البشرية) ولم يكتفوا بالأماني الطيبة والمثل المعلقة في الفضاء.

عملوا في السلوك الفردي من ناحية، وفي الواقع المادي للمجتمع الإسلامي والدولة الإِسلامية من ناحية أخرى.

لم يفهم أحد من المسلمين الأوائل أنه يستطيع أن يكون مسلما ـ بالنية الطيبة ـ وهو يخالف الإِسلام في سلوكه الواقعي، اعتمادا على أن الله “رب قلوب” وأنه مطلع على بواطن النفس، مدرك للنوايا الطيبة المختفية وراء الأعمال..!! وإنما أدركوا أن النية والعمل وجهان لأمر واحد لا دلالة لأحدهما بدون الآخر. النية الطيبة وحدها بدون عمل هي تَمَنٍّ فارغ لا رصيد له من الواقع. والعمل وحده المنقطع عن النية الطيبة، عمل ضائع في السماء والأرض، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه خالصاً ـ وهذا هو معنى النية الطيبة ـ ومقاييس الأرض ذاتها تكشف الزيف ولو بعد حين..!

لم يفهم أحد من المسلمين الأوائل أنه يستطيع أن يكون مسلما – بالنية الطيبة – وهو ينساق مع هواه الذاتي في أمر من أمور الحياة، إيثارا لمغنم قريب أو راحة متاحة، أو ضنا بالنفس عن التعب والجهد والأخطار..! أو ينساق مع المجتمع ـ غير المسلم الذي كان يواجهه أولا ـ في تقاليده أو انحرافه، إيثارا لراحة البال، أو حرصا على المكانة والتقدير والاحترام في ذلك المجتمع، أو صونا للنفس من أذاه، سواء كان هذا الأذى هو الغمز واللمز والتحقير والسخرية، أو كان الأذى المادي الذي يؤذي البدن ويحرم من القوت أو يعرض الحياة نفسها للزوال.

إنما أدركوا أن الإِسلام معناه تنفيذ الإِسلام في عالم الواقع. معناه أن السلوك الشخصي لكل منهم يجب أن يكون إسلاميا مهما ترتب على ذلك من الأخطار. وأن المجتمع الذي يتألف منهم يجب أن يكون إسلامياً كذلك، مهما ترتب على ذلك من الأخطار.

حقيقة ضعف النفوس

وهنا حقيقة نذكرها..

إن النفس لا تستقيم دائما على النهج، ولا تقدر دائما على مواجهة الصعاب. وإنها لتضعف أحيانا عن هذا وذاك: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء: 28].

والله يعلم من عباده ضعفهم، ويقيل منهم عثرتهم ويقبل توبتهم.. ما داموا لا يصرون على العصيان: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 134- 135].

ولكن هناك فرقا بين هذه الحقيقة المقررة في حياة البشرية، وبين الظن بأن النية الطيبة وحدها تكفي للحياة وتكفي للإِسلام..! فإنما قبِل الله التوبة عن عباده وكتب على نفسه الرحمة، للذين يجاهدون في تحويل النية الطيبة إلى عمل واقعي مثمر، ثم يسقطون من الجهد في الطريق، ولكنهم لا يصرون على سقطتهم، إنما يقومون من عثرتهم، يتوجهون إلـى الله أن يقيلهم منها، ويقبلهم في عباده.. فيمنُّ الله عليهـم بالمغفرة والرضوان: ﴿إِلَّا مَنْ تَـابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَـاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان: 70].

ولم يفهم المسلمون الأوائل أنهم يستطيعون أن يكونوا مسلمين ـ بالنية الطيبة ـ ثم يتركوا المجتمع غير المسلم على ما هو عليه، حتى ولو لم يجاروه في انحرافه وينساقوا معه في الانحراف.

وإنما فهموا أن معنى إسلامهم هو تحويل هذا المجتمع المنحرف إلى مجتمع مسلم يؤمن بالله ويلتزم بحدود ما أنزل الله؛ وإلا فما هم بمسلمين..!

وكان جهادهم كله هو حصيلة هذه الإِدراك البديهي لمعنى الإِسلام.

خاتمة

الإسلام حركة في داخل النفس وفي حقيقة الواقع.. وما كان من الممكن أن تستقر هذه العقيدة في نفوس المسلمين دون أن تتحول منها إلى واقع الحياة. وهذا هو الذي حدث في المجتمع الأول الذي نشأ فيه الإِسلام؛ فبمجرد أن استقرت حقيقة الإِيمان في نفوس المسلمين القلائل الذين ربّاهم الرسول صلى الله عليه وسلم وصنعهم على عينه، أخذت الحركة تمتد من نفوسهم إلى المجتمع الخارجي المنحرف يريدون تقويمه، وإلى النفوس الضالة يريدون هدايتها، وإلى التقاليد المنتكسة يريدون رفعها إلى المستوى اللائق ببني الإِنسان، مهتدين في ذلك كله بهَدْي الله ورسوله، والقدوة العملية المتمثلة في تصرفات الرسول.

ونجحوا.. لأنهم أرادوا، وعملوا لتحقيق إرادتهم في عالم الواقع بعد أن حققوها في عالم الضمير، وعندئذ كانوا مسلمين..!

وما أحوجنا اليوم الى انتهاج نهج الأولين لمواجهة تلك الجاهلية وتقويم مجتمعاتنا وتحطيم الموانع والأغلال على أمتنا.

…………………………………

الهوامش:

  1. أخرجه ابن النجار والديلمي في مسند الفردوس، وأشار السيوطي في الجامع الصغير إلى ضعفه كما في النسخ المطبوعة في دار الكتب العلمية في بيروت. وهو صحيح الى الحسن البصري، رحمه الله.
  2. نرى الأفضل استعمال “المنهج الإسلامي” حتى لا يشتبه الإسلام بالأفكار البشرية.

المصدر:

  • كتاب هل نحن مسلمون، ص7-12.

اقرأ أيضا:

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments