زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

لقد شن القرآن على المنافقين حملة قوية لفضحهم وبيان ما يقومون به داخل الصف المسلم لإضعافه وتشتيته، وذكر صفاتهم ومنها: الكفر والاستهزاء بآيات الله، الطعن في أحكام الشريعة ورفضها، موالاة الكافرين، تحيُّن الفرص للشماتة بالإسلام وأهله، ظنهم أنهم سيخدعون الله، رمي المصلحين بالفساد والإفساد والسفه.

جملة من صفاتهم

– السخرية بالدين وأهله.

– اللدد والفجور في الخصومة.

– فصل الحياة عن الشريعة.

قال الله عز وجل عن المنافقين الأولين: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: 65].

وقال عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ۙ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة : 79]، وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم من صفاتهم: «إذا خاصم فجر»، وقال عن صدودهم عن التحاكم إلى شرع الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: 60 – 61].

السخرية والفجور وفصل الحياة عن الشريعة

وها هم منافقو زماننا ينالون من رموز الأمة وعلمائها ويتطاولون عليهم في صحفهم ومواقعهم بالسخرية والتنقص والتهم الكاذبة واللدد في الخصومة، فها هو أحدهم يتطاول على أحد هيئة كبار العلماء بأنه (يعد نفسه من العلماء) و (محسوب على هيئة كبار العلماء)1(1) انظر جريدة الجزيرة عدد (12386) بعنوان (ما مغزی تهدیدات وترويعات الفوزان)..

وقد كتب أحدهم مقالا دعا فيه إلى أن تكون الدولة بعيدة عن الدين، لا تقبل تدخلات علماء الشريعة الذين وصفهم بالمتشددين2(2) انظر المقال في جريدة الوطن العدد (2058) تاریخ 21/4/1427..

وآخر يطالب بأن يكون الواقع في السعودية بعيدا عن أي ثوابت دينية3(3) مقابلة مع ترکی الحمد في برنامج إضاءات تاریخ 25/6/1429..

وها هي إحداهن تقول: (وإذا كنا سنعود في أمور الحياة المعتادة إلى هيئة كبار العلماء فماذا أبقينا للوزراء والمسؤولين، أوليس هذا هو الكهنوت بعينه؟ بل إنه ولاية الفقيه، التي تسيطر على جميع مفاصل الحياة، ولا يستطيع من يخضعون لها أن يفعلوا شيئا يمس حياتهم بلا فتوی منه)4(4) انظر المقال في جريدة الرياض العدد (16736) تاریخ 20/4/2014..

زعمهم عدم ملائمة أحكام الشريعة للعصر الحديث

وهذا مقال لأحدهم يسخر فيه بالشريعة، ويرى أنها لا تصلح لزماننا، حيث يقول:

في الماضي وقبل الدخول في عصر الحداثة، كان المجتمع يعيش تبعا للظروف الطبيعية من جهة، وتبعا للعادات والتقاليد من جهة أخرى، لذا كانت الأحكام الفقهية في تلك الظروف تلعب دورا مهما في حياة المجتمع، وذلك من خلال حفظ النظام الاجتماعي ورفع النزعات بين الناس.

وكان الناس في ذاك الوقت يعيشون حياتهم اليومية بشكل طبيعي، مقترنة بأحكام الحلال والحرام الفقهية، وبالتالي فإنهم يعتقدون بأن سلوكياتهم خاضعة لتعاليم الشريعة الإسلامية، فقد كان نمط الحياة والمعيشة بسيطا، والفقهاء ورجال الدین قادرين على التعامل مع هذا النمط من الحياة، فكان الخطاب الديني منسجما ومتفاعلا مع المجتمع آنذاك.

وفي العصر الحديث، استقبل الناس حياة جديدة تختلف كليا عن نمط الحياة السابقة، اقترنت بمفاهيم جديدة مثل «التقدم والحضارة» و«التنمية»، التي وقف أمامها الخطاب الديني جامدا باعتماده على الأحكام الفقهية القديمة.

هذا الموقف لم يكن قاصرا على الجمود وحسب، بل امتد إلى مقاومة التغيير والتطوير في المجتمع، وبالتالي تعطيل أهداف التنمية تحت غطاء أحكام الحلال والحرام في الدين كستار، لتغطية العجز في التعامل مع متطلبات ومتغيرات العصر الحديث)5(5) انظر جريدة الوطن عدد (4941) عنوان المقال الخطاب الديني وتعطيل التنمية)..

الاستهزاء بالعلماء والصالحين

وما أشبه کلام هذا المفتون بكلام أستاذه النابلسي حين قال عن عصرنا بأنه (العصر الذي بدأت فيه القوانين الوضعية الاجتماعية والاقتصادية الإنسانية تأخذ مكان الكثير من القوانين والأنظمة الدينية، التي لم تعد تتماشی ونظام الحياة الإنسانية في هذا العصر)6(6) الإسلام وجواب الحاوي ص138..

ويقول أبو الليبرالية الجديدة النابلسي، وهو يفقد صوابه، فيلج في الخصومة ويفجر فيها بكل لدد وحقد، حيث سبق ذکر سخريته بالإسلاميين، ووصفهم بأنهم (خفافيش الكهوف) و(بقايا عظام القبور)، ويصف مشاركتهم الإعلامية بقوله: (خرجت الغربان من أوكارها)، ومن لددهم وفجورهم في الخصومة ما كتبه أحدهم تحت عنوان (صراخ في الظلام)، يسخر فيه من المحتسبين في تحذيرهم من ابتعاث المراهقين والمراهقات إلى بلاد الغرب، وإنكارهم على ممارسة الرياضة في مدارس البنات، فيقول: (يتلخص موضوعي اليوم في الظلاميين الذين يصرخون على كل خطوة نخطوها إلى الأمام، ولا سيما إذا كانت المرأة طرفا فيها.. إلى أن قال: هكذا هي المرأة، عليها أن تكون تابعة في صغرها وفي كبرها.

أما شريكة فهذا غير جائز، فهي ناقصة عقل ودين، وخلقت من ضلع أعوج، وهي ما أن يترك لها المجال إلا وتنحرف وترتكب الموبقات. هل جاء الإسلام بمثل ذلك؟ هل يمكن لعقل أن يتقبل مثل هذا التفكير الوضيع، الذي يختزل المرأة ويجعلها جارية وخادمة مطيعة؟ صراخ الظلاميين مع كل خطوة تخطوها المرأة في مجتمعنا يؤكد: إما أنهم لا يحسنون التربية، لذلك هم يشكون في كل حراك نسائي، وإما أنهم ينظرون لها مثلما سبق، وفي كلتا الحالتين يرفضون شعبيا ورسميا، ولعل الظلاميين تلقوا صفعتين جديدتين أخيرا، الأولى: أن مجلس الشورى أقر توصية الرياضة في مدارس البنات، رغم أنوفهم، ولم تفلح بشوتهم في وقف ذلك القرار، والثانية: كان الأمر الكريم برفع سن ابتعاث وإيفاد الموظفين للدراسة إلى 45 عاما، فهذا الحراك كان من الممكن أن يمضي قدما من دون صراخ أو عويل أو طعن وتشكيك، فلا يوجد أي حراك رسمي يشرع ما يوحي به الظلاميون، فالرياضة ستكون داخل المدارس، ولأوضحها في شكل أكبر، لا يوجد ذكور في تلك المدارس. أما الابتعاث الذي حاولوا -ويحاولون إلصاق كل موبقات الأرض به، فهم ليسوا مضطرين إلى العمل به، إذا لم يكن مقنعا لهم ولأسرهم. أما أن يتقدموا نيابة عن أطياف المجتمع.. فمن فوضهم أو طلب منهم أو من يمثلون أصلا؟ والسؤال الأهم والأبرز: من أنتم…؟)7(7) انظر المقال في جريدة الحياة العدد 12917 تاریخ 10/4/2014..

دعوتهم للفصل بين الدين والدنيا

وعن الدعوة إلى فصل الحياة عن الشريعة وأحكامها يقول أحدهم في مقال له بعنوان (المعلمات و تجربة تدريس البنين):

(أقر مجلس الشورى السعودي أخيرا توصيتين تتعلقان بالجانب التعليمي، الأولى بشأن دراسة إضافة برامج اللياقة البدنية والصحية في مدارس البنات، بما يتفق مع الضوابط الشرعية التي صاحبها نقاش وجدل حام حولها في الأعوام الأخيرة، والأخرى إجراء دراسة تقويمية في تجربة إسناد طلاب الصفوف الأولية البنين إلى المعلمات في التعليم الأهلي.

القرار كان خطوة إستراتيجية مهمة وجريئة في الوقت ذاته، من حيث تحسين مستوى مخرجات التعليم وتطويرها في بلادنا، بدءا من المراحل التأسيسية، على ضوء الإيجابيات التي تم تلمسها من التجربة الميدانية، وقد قوبلت الخطوة برفض واستياء شديدين من بعض المتشددين والمحتسبين، وخلطت الأوراق حول هذه القضية من خلال زجها بقضية تطبيع الاختلاط بين الأبناء والبنات، وحصول مفاسد شرعية من ذلك، والتجاهل المتعمد لما نص عليه تنظیم وزارة التربية من اشتراط الفصل التام بين الذكور والإناث، وهنا يجب توضيح قضية مهمة، وهي أن النقاش والخلاف حول مثل هذه القضايا الدنيوية والمستجدات الحديثة هو خلاف يجب أن يكون خارج النطاق الديني وبعيدا عن قضية الفتوى والتحليل والتحريم……فالخلط بين هذين الأمرين غالبا ما يقع –وللأسف- في تعاطينا مع كثير من قضايانا الدنيوية، بحيث تقحم الفتوى في الشئون الحياتية والتنظيمية الخاضعة للمصلحة العامة، التي لا علاقة لها في شكل مباشر بالجانب الشرعي تحليلا وتحريما)8(8) انظر المقال في جريدة الحياة العدد (12922) في 15/4/2014..

اللدد والفجور في الخصومة

وتأمل المقال التالي وما يحمل في طياته من الكذب والحقد على المحتسبين والسخرية بهم والفجور في الخصومة، وهذا شأن المنافقين.

يقول: (إن الذين يحللون ويحرمون ويصدرون فتاوى تحط من قدر المرأة وتجهض مكتسباتها، يجب أن يوضع حد لهم، فما من أحد كلفهم بذلك، أو طلب منهم أن يكونوا أوصياء على المرأة، والملك – حفظه الله – قصر الفتوى على هيئة كبار العلماء، وما أصدره الملك من قرارات حظيت بمباركتهم، فلم يتجاوز أولئك المحتسبون؟ کما منع التجمهر، ومنع التحريض، فمن يتجمهرون عند جهة حكومية إنما يقومون بالتحريض على من فيها من مسؤولين، وهذا يعني قمة التحدي للأوامر الملكية، وإن تغطوا بالدفاع عن الدين، فأولئك مسیسون لا هم لهم إلا فرض أجندتهم التي صيغت في الردهات السرية للحزبيين والمتأخونين!

المحتسبون يشغلون الرأي العام بتلك الآراء والمواقف المريبة، والمشككة في حق المرأة في اختيارها الحياة الكريمة التي ترتضيها وتستحقها، ويعملون على إرهابها دينيا، وهذا شأن بعض المتشددين في كل العقود، حالهم كحال من أراق دم الحسين وسأل عن حكم دم البعوض، يغمضون أعينهم عن الفساد وإهدار أموال الدولة، والغش في مواصفات بناء المشاريع، تزویر صكوك الأراضي من قبل بعض کتاب العدل، وتقاضي الرشي من بعض القضاة، والتآمر على الدولة، وممارسة الإرهاب من المنتمين لقاعدة المقبور ابن لادن، ونهب أموال الصدقات لصرفها على الإرهابيين، وغلاء الأسعار الذي يعصف بمحدودي الدخل، والتستر على مخالفي الإقامة، وتزوير الشهادات العلمية الذي تلبس فيه بعضهم، وغير ذلك من الأمور التي تهدد أمن الوطن واستقراره، وتصب في خانة الاحتساب، لكنهم لا يجدون ما يمكن أن يزعزع الدين ويهدد أركانه سوى رياضة المرأة وابتعاثها)9(9) مقال في جريدة الرياض بعنوان (الاحتساب فوضى انتقائية) عدد (16728)..

وقد اشترك في تشويه المحتسبين ومؤسسات الاحتساب والسخرية منهم ثلاث جهات: (الروايات والمسلسلات، وغالب الصحف المحلية، ومواقع الإنترنت). ومن أشهر المواقع التي تشن هجوما وسخرية بالمحتسبين ومؤسساتهم موقع (الشبكة الليبرالية السعودية)، وموقع (طومار) وبالرجوع إلى هذين الموقعين نرى التشويه والألفاظ البذيئة کوصفهم للمحتسبين (بالرجعيين، أشباه الحيوانات، وحثالة البشر، والفئة الشيطانية، الوحوش البشرية، شلة إبليس، المنحرفون)، کما نری في هذه المواقع التأليب على المحتسبين والمطالبة بحل الهيئة وتسريح موظفيها وتحريض الدولة بأن تضع حدا لهم ويقولون: ما دامت الهيئة موجودة فليس للإنسان كرامة. الهيئة تمارس الإرهاب المنظم.

الهوامش

(1) انظر جريدة الجزيرة عدد (12386) بعنوان (ما مغزی تهدیدات وترويعات الفوزان).

(2) انظر المقال في جريدة الوطن العدد (2058) تاریخ 21/4/1427.

(3) مقابلة مع ترکی الحمد في برنامج إضاءات تاریخ 25/6/1429.

(4) انظر المقال في جريدة الرياض العدد (16736) تاریخ 20/4/2014.

(5) انظر جريدة الوطن عدد (4941) عنوان المقال الخطاب الديني وتعطيل التنمية).

(6) الإسلام وجواب الحاوي ص138.

(7) انظر المقال في جريدة الحياة العدد 12917 تاریخ 10/4/2014.

(8) انظر المقال في جريدة الحياة العدد (12922) في 15/4/2014.

(9) مقال في جريدة الرياض بعنوان (الاحتساب فوضى انتقائية) عدد (16728).

اقرأ أيضا

المنافقون .. خطرهم وأبرز صفاتهم

المنافقون وامتداد خطرهم .. بعضُهم من بعض

فتنة المنافقين وأثرها على المجتمع .. (2-2)

 

التعليقات غير متاحة