زمن القراءة ~ 7 دقيقة 

إن المتأمل اليوم في عصرنا الحاضر وما فيه من الصراعات، يجد أن الصراع بين الحق والباطل قد بلغ أشده، وأن ملل الكفر قد جمعت كل إمكانياتها ضد عدو واحد، ألا وهو الإسلام ودعاته الصادقون، الذين يصفونهم تارة بالمتطرفين وتارة بالأصوليين وتارة بالإرهابيين.

أحداث متسارعة وجراح دامية

إن المراقب للأحداث التي ظهرت في العقود الأخيرة ليرى أنها تتسم بسمتين اثنتين:

1- التسارع الشديد والمفاجآت التي تصحبها، إلى حد أن المتابع لهذه الأحداث لا يفتأ يسمع بحدث ويبحث عن الموقف منه، إلا وتفجؤه أحداث أخر، تنسيه أو تشغله عن الحدث الأول، كما تتسم بضخامتها وشدة آلامها.

عن يحيى بن وثاب قال: قال حذيفة رضي الله عنه: «والله لا يأتيهم أمر يضجون منه؛ إلا أردفهم أمر يشغلهم عنه»1(1) مصنف ابن أبي شيبة (38362)..

2- إن أغلب هذه الأحداث – إن لم نقل كلها – تقع في المنطقة الإسلامية والمسلمون فيها هم المستهدفون، وفي ظل هذه الأحداث يجب على دعاة الحق والمجاهدين في سبيل الله أن يقفوا طويلا مع كتاب الله عز وجل وما تضمن من الهدى والنور، ومن ذلك ما تضمنه من السنن الربانية المستمدة من دعوة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وذلك لأن في معرفتها والسير على هداها أخذ بأسباب النصر والتمكين والفلاح، ونجاة مما وقع فيه الغير من تخبط وشقاء، وفي الغفلة عنها تفريط في الأخذ بأسباب النجاة، وحرمان التوفيق في النظر الصحيح للأحداث والمواقف، والمقصود هو الاستضاءة بهذه السنن في الوصول إلى الموقف الحق، الذي نحسب أنه يرضي الله عز وجل، وذلك في الأحداث الساخنة التي تدور رحاها اليوم في حرب الإسلام وأهله.

سنة المدافعة والصراع بين الحق والباطل

وأكتفي هنا بالتنبيه على سنة واحدة من سنن الله تعالى، يجب التذکیر بها ونحن في خضم هذه الأحداث وبفهم هذه السنة يزول الاستغراب مما يحدث، ونتمكن من الفهم الصحيح لحقيقة هذه الهجمات المتلاحقة من أعداء الإسلام ودوافعها وحكمة الله عز وجل في إيجادها؛ لأن من أسمائه سبحانه: العليم الحكيم، ومن آثار هذين الإسمين الكريمين اليقين بأن أي شيء يحدث في ملکه سبحانه، فإنما هو بعلم الله تعالى وإرادته وحكمته البالغة. وهذه السنة التي أعنيها هنا، والتي هي مقتضى حكمته سبحانه وعلمه هي: سنة المدافعة والصراع بين الحق والباطل:

يقول الله عز وجل: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة:201].

ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 40]

ويقول الله عز وجل: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام:112].

وعن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إنَّ رَبِّي أمرني أنْ أُعَلِّمَكُمْ ما جَهِلْتُمْ، ممَّا علَّمَني يوْمِي هذا، كُلُّ مالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حلالٌ، وإنِّي خَلَقْتُ عبادي حُنَفاءَ كُلَّهم، وإنَّهُم أتتْهُمُ الشياطينُ فاجْتَالَتْهُمْ عن دينِهِمْ، وحَرَّمَتْ عليهم ما أحْلَلْتُ لهمْ، وأمرتهُمْ أنْ يُشْركُوا بِي ما لَمْ أُنزِلْ بهِ سُلْطَانًا، وإِنَّ اللهَ نظر إلى أهْلِ الْأَرْضِ، فمقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وعَجَمَهُمْ، إِلَّا بقَايَا من أهْلِ الْكِتَابِ، وقال: إِنَّما بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وأَبْتَلِيَ بكَ، وأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لا يَغْسِلُهُ المَاءُ، تَقْرَؤُهُ نائِمًا ويَقْظَانَ، وإِنَّ اللهَ أمرنِي أنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا، فَقُلْتُ: ربِّ إِذًا يَثْلَغُوا رأسِي فيدَعُوهُ خُبْزَةً، قال: اسْتَخْرِجْهُمْ كما اسْتَخْرَجُوكَ، واغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ، وابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وقَاتِلْ بِمَنْ أطاعكَ مَنْ عصَاكَ» الحديث2(2) رواه مسلم (2865)..

في هذه الآيات والحديث أبلغ دليل على أن الصراع حتمي بين الحق وأهله من جهة، والباطل وأهله من جهة أخرى، هذه سنة إلهية لا تتخلف، ووقائع التاريخ القديم والحديث تشهد على ذلك، وهذه المدافعة وهذا الصراع بين الحق والباطل إن هو إلا مقتضى علمه سبحانه وحكمته وعزته ورحمته ولطفه، وهو لصالح البشرية وإنقاذها من فساد المبطلين، ولذلك ختم الله آية المدافعة في سورة البقرة، بقوله سبحانه: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ ، حيث لم يجعل الباطل وأهله ينفردون بالناس، بل قيض الله له الحق وأهله يدمغونه حتى يزهق، فالله تعالى يقول: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء:18].

المدافعة مع الباطل منهج الأنبياء

إن الذين يطمعون في الإصلاح ودرء الفساد عن الأمة من دون هذه السنة – أعني سنة المدافعة مع الباطل وأهل الفساد- إنهم يتنكبون منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله عز وجل الذي ارتضاه واختاره لهم، وإن الذين يؤثرون السلامة والخوف من عناء المدافعة مع الفساد وأهله، إنهم بهذا التصرف لا يسلمون من العناء والمشقة، بل إنهم يقعون في مشقة أعظم وعناء أكبر يقاسونه في دينهم، وأنفسهم، وأعراضهم، وأموالهم، وهذه هي ضريبة القعود عن مدافعة الباطل، وإيثار الحياة الدنيا.

صور من المدافعة بين الحق والباطل

والمدافعة بين الحق والباطل تأخذ صورا متعددة: فبيان الحق وإزالة الشبه ورفع اللبس عن الحق وأهله مدافعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مدافعة، وبيان سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين مدافعة، والصبر والثبات على ابتلاء الأعداء من الكفرة والظلمة مدافعة، ويأتي الجهاد والقتال في سبيل الله عز وجل على رأس وذروة هذه المدافعات؛ لكف شر الكفار وفسادهم عن ديار المسلمين و دينهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم.

واليوم لم يعد خافيا على كل مسلم ما تتعرض له بلدان المسلمين قاطبة من غزو سافر وحرب شرسة على مختلف الأصعدة، وذلك من قبل أعدائها الكفرة، وأذنابهم المنافقين، فعلى الصعيد العسكري ترزخ بعض بلدان المسلمين تحت الاحتلال العسكري لجيوش الكفرة المعتدين، التي غزت أهل هذه البلدان في عقر دارهم ، وعلى صعيد الحرب على الدين والأخلاق، وإثارة الشبهات والشهوات ولبس الحق بالباطل فإن ذلك لم يسلم منه بلد من بلدان المسلمين.

وقد تقرر عند أهل العلم أن الجهاد يتعين على المسلمين إذا غزاهم الكفار في عقر دارهم، ويصبح واجب على كل مسلم قادر أن يشارك في دفع الصائل عن بلده بكل ممكن، فإن كان الغزو عسكريا وبالسلاح وجب رده بالقوة الممكنة والسلاح، وإذا كان الغزو بسلاح الكلمة والكتاب والمجلة والوسائل الإعلامية الخبيثة بأنواعها المقروءة والمسموعة والمشاهدة منها التي يباشر الكفار بعضها وينيبون إخوانهم من المنافقين في بعضها، فإن الجهاد بالبيان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمدافعة والتحصين يصبح واجبا عينيا على كل قادر من المسلمين كل بحسبه.

صور من جهاد الكافرين والمنافقين

وحينما نربط هذه السنة ومقتضى أسماء الله الحسنى بهذه الأحداث التي تزامنت وتلاحقت وتشابهت قلوب أصحابها في الهجوم على دين الإسلام وأهله وبلدانه، تتضح لنا هذه السنة بجلاء، وحينئذ يرتفع الاستغراب مما يقوم به الكفار من هجوم وافتراء على دين الإسلام، ويشمر المسلم للدخول في الصراع ضد أعداء الله تعالى بما يستطيع من نفسه وماله ولسانه وقلمه. قال صلى الله عليه وسلم: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأيډیكم وألسنتكم»3(3) رواه النسائي (3045)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير (3090)..

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والجهاد منه ما هو بالید، ومنه ما هو بالقلب والدعوة والحجة والبيان والرأي والتدبير والصناعة، فيجب بغاية ما يمكنه)4(4) «الاختيارات الفقهية» (ص447)..

وإن التقاعس أو التشاغل أو التخذيل من القادرين على هذه المدافعات من ضروب الجهاد يخشى أن يكون من جنس التولي يوم الزحف، وتقديما للدنيا الفانية على محبة الله عز وجل ورسوله والجهاد في سبيله -تعالى-، ولا يبعد أن يكون من المعنيين بقوله -تعالى-: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].

هذا وإن كانت هذه الآيات في جهاد الكفار في ساحات القتال فإن ذلك لا يمنع من أن تشمل أيضا القاعدين عن جهاد الكفار والمنافقين بالبيان والمدافعة لأفكارهم الخبيثة وأخلاقهم الرديئة، والوقوف أمام وسائلهم ومخططاتهم المختلفة وتحصين الأمة وتحذيرها منها، فقد قال الله عز وجل آمرا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في سورة مكية بمجاهدة الكفار بالقرآن قبل فرض الجهاد عليهم بالقتال؛ وذلك في سورة الفرقان، حيث يقول الله عز وجل: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان :52].

مراتب الإيمان بالقضاء والقدر

ويحسن هنا التذكير بالأصل السادس من أصول الإيمان، ألا وهو الإيمان بالقدر خيره وشره، وبيان أركانه ومراتبه ووسطية أهل السنة والجماعة فيه بين القدرية والجبرية.

إن من أصول الإيمان التي لا يصح إيمان عبد إلا بالإيمان بها، الإيمان بالقضاء والقدر، وهو الركن السادس من أركان الإيمان، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل الطويل: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»5(5) «صحیح مسلم»..

وللإيمان بالقدر أربع مراتب:

الأولى: الإيمان بأن الله عز وجل بكل شيء عليم، عالم ما كان وما يكون وكيف يكون بعلمه الأزلي الأبدي، فلا يتجدد له علم بعد جهل، ولا يلحقه نسيان بعد علم .

الثانية: الإيمان بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة. قال الله تعالى عن المرتبتين السابقتين: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾  [الحج:70].

الثالثة: الإيمان بأن الله عز وجل قد شاء كل ما في السموات والأرض، لا يكون شيء إلا بمشيئته، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .

الرابعة: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء وموجده .

وهذه المراتب الأربع شاملة لكل ما خلق الله عز وجل. ومن ذلك أفعال العباد. فكل ما يقوم به العباد من أقوال وأفعال أو تروك، وما يجري في ملكوت السموات والأرض فهي معلومة لله تعالى مكتوبة عنده، والله تعالى قد شاءها وخلقها، وهذه عقيدة السلف الصالح الذين هم وسط بين القدرية الذين ينفون خلق الله لأفعال العباد، ويقولون: إن العبد يخلق أفعال نفسه، وبين الجبرية الذين يقولون بأن العبد مجبور على أفعاله وليس له فيها اختیار، قال الله تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ *وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:29-28]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:203]. ومن ذلك عنوان هذه الرسالة المأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾  [الأنعام: 112].

أفعال الله كلها عدل ورحمة وحكمة

ومشيئة الله تعالى صادرة عن علمه وحكمته وعدله وعزته ورحمته، بل إن الخلق كله والأمر كله هو مقتضى أسماء الله الحسنى، وإن ظهر في بعض مفعولاته من شر تكرهه النفوس، فإن فيه الرحمة والحكمة والعدل، فنفس قضاء الله تعالى ليس فيه شر أبدا؛ لأنه صادر عن عدل ورحمة وعزة وعلم وحكمة، وإنما يكون الشر من مقضياته لقوله صلى الله عليه وسلم: «والشر ليس إليك»6(6) «صحيح مسلم» (771). ، وقوله صلى الله عليه وسلم: «وقني شر ما قضيت»7(7) رواه أبو داود کتاب الوتر (1425)، والترمذي أبواب الوتر وصححه الألباني. ، ومع ذلك فإن الشر في المقضيات ليس شرا خالصا، بل هو شر من وجه وخير من وجه آخر، أو شر في محله خير في محل آخر.

والمقصود هو بيان أن ما يجري اليوم من أحداث مؤلمة ونوازل عظيمة في بلدان المسلمين، إنما هي بعلم الله وكتابته لها ومشيئته وخلقه لها، وله سبحانه الحكمة البالغة في خلقه وأمره، ومن ذلك ما نشهده من صراع بين الحق والباطل، وما تمخض عن ذلك من آلام وآمال وأحداث ونوازل.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (وأسماؤه الحسنى تقتضي آثارها، وتستلزمها استلزام المقتضي الموجب لموجبه ومقتضاه، فلابد من ظهور آثارها في الوجود، فإن من أسمائه: الخلاق المقتضي لوجود الخلق، ومن أسمائه الرزاق المقتضي لوجود الرزق والمرزوق، وكذلك الغفار والتواب والحكيم والعفو، وكذلك الرحمن الرحيم، وكذلك الحكم العدل، إلى سائر الأسماء، ومنها الحكيم المستلزم لظهور حكمته في الوجود، والوجود متضمن لخلقه وأمره، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:54] فخلقه وأمره صدرا عن حكمته وعلمه، وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره، فمصدر الخلق والأمر عن هذين الاسمين المتضمنين هاتين الصفتين، ولهذا يقرن -سبحانه – بينهما عند ذكر إنزال كتابه، وعند ذکر ملکه وربوبيته، إذ هما مصدر الخلق والأمر)8(8) الصواعق المرسلة» (4/ 1564)..

ومشيئة الله  صادرة عن حكمة بالغة وعلم شامل، والعارفون لربهم سبحانه ولأسمائه الحسنى وصفاته العلا يوقنون بذلك، ولذا فهم يحسنون الظن بربهم ويحمدونه على كل ما يقدره، ويوقنون بأن أسماءه وصفاته وأفعاله كلها حسنی، ممتثلين لأوامره الشرعية مجتنبين لما ينهاهم عنه، وذلك لكونها من الأسباب الشرعية التي أمرهم الله بها لجلب خيري الدنيا والآخرة، ودفع شري الدنيا والآخرة.

الهوامش

(1) مصنف ابن أبي شيبة (38362).

(2) رواه مسلم (2865).

(3) «رواه النسائي (3045)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير» (3090).

(4) «الاختيارات الفقهية» (ص 447).

(5) «صحیح مسلم».

(6) «صحيح مسلم» (771).

(7) رواه أبو داود کتاب الوتر (1425)، والترمذي أبواب الوتر وصححه الألباني.

(8) «الصواعق المرسلة» (4/ 1564).

اقرأ أيضا

سُنة الله في المدافعة بين الحق والباطل

سُنة الابتلاء للمؤمنين، وأن العاقبة للمتقين

سُنة “الإملاء” و”الاستدراج” للكافرين والظالمين

سُنة الله عز وجل في العصاة والمكذبين

فقه النوازل في ضوء الكتاب والسنة (2-7) علوم ضرورية، العلم بالسنن الالهية

 

التعليقات غير متاحة