الفتية وظلام الليل


زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

للقيام بهذا الدين، كمنهج الرباني؛ لا بد من تربيةٍ خاصة وعلاقة مع رب العالمين. وليس بين العباد وربهم نسبٌ؛ وإنما هو التعبد. فأقومهم أعبدُهم. وفي الليل خلوة للصالحين ورياض للطائعين؛ إعدادا لجند الله الغالبين.

مقدمة

إن أردت أن تكون خالصاً لله بالنهار فلا بد أن تكون خالصاً له بالليل، والظلام سر من الأسرار، وفي جوف الظلام يتربى الفتية الذين آمنوا بربهم، قال الله جل في علاه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:6]، وقال عنهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:16].

إن الصلاة في ظلام الليل من أفضل الطاعات وأجَلِّ القرُبات بعد الصلوات المفروضات، ولقد كان سيد القائمين صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فإذا سئل عن ذلك قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟!». (1متفق عليه)

وكان يربى الفتيان على القيام في ظلام الليل ـ لأنه لا تربية أعظم من التربية السرّية بين العبد وبين ربه ـ فيقول: «نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل». (2متفق عليه)، فلما أُخبر عبد الله بخبر النبي، صلى الله عليه وسلم، ما ترك قيام الليل.

روى مسلم عن أبي هريرة: أنه صلى الله عليه وسلم سُئل عن أفضل الصلاة بعد المكتوبة؟ فقال: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل». (3رواه مسلم)

وفي حديث عذب جميل عن أبي ذر رضي الله عنه مرفوعاً: «ثلاثة يحبهم الله عز وجل، فذكر منهم: وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النوم أحب إليهم مما يُعدَل به نزلوا فوضعوا رءوسهم، فقام عبدي يتملقني ويتلو آياتي». (4أخرجه النسائي وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم) قام الذي بينه وبين الله أسرار يتملق ربه ويتلو آياته، وأي شيء أعظم من الانكسار بين يديه سبحانه في ظلام الليل..؟!

وفضل الصلاة في ظلام الليل معلوم، ولا يقدر عليها إلا متجرد عظيم الإخلاص، ولذلك قالوا: «لا يقوم الليل منافق».

“قلت: يا ليل هل بجوفك سرُّ  ..  عامـر بالحـديث والأســرارِ .. ؟

قال: لم ألق في حياتي حديثاً .. كحديث الأحباب في الأسحارِ”

وللفتية في نبيهم أسوة، فعن علي رضي الله عنه قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح».  (5رواه أحمد بإسناد صحيح)

إن من دأب الصالحين قيام الليل، واللجوء إلى الله عند الشدائد والفتن، وأيُّ شدائد أعظم مما نمر به في مثل هذه الأيام؟! يقول ابن مسعود: ما سمعنا مناشداً ينشد ضالة أشد من مناشدة محمد صلى الله عليه وسلم لربه يوم بدر، كان يقول في مناشدته لربه: «اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تُعبد، اللهم لا تودِّع مني، اللهم لا تخذلني، اللهم لا تترني، اللهم أنشدك ما وعدتني، اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها وفخرها تجادل وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني به». (6رواه البخاري (2915)) يدعو ويردد ويلحّ على ربه في الدعاء حتى يسقط رداءه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه فقال: «يا نبي الله! كفاك مناشدتك لربك فإنه سينجز لك ما وعدك»، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:9] هذا هو الزاد عند الشدائد، ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:14].

فرسان بعد النبي

لقد تعلم الفتية من نبيهم فن التضرع والبكاء في ظلام الليل، قال الذهبي:

“وممن كان يصلي صلاة طويلة من العشاء إلى الفجر “علي بن الحسين زين العابدين”. كان إذا أطل عليه الليل وأقبل عليه النهار توضأ وأتى فراشه وقال: ما أحسنَك وما أدفأك، ولكن في الجنة أحسن منك وأروح منك وأدفأ منك، والله لا أنام حتى الصباح، فكان يصلي حتى الفجر، فإذا طلع الفجر رؤي على وجهه قبس من نور وشعاع من بياض”.

قيل للحسن البصري: إن الذين يقومون الليل على وجوههم نور..؟ قال: خلوا به في الظلام فكساهم من نوره.

ومن فتية الظلام أيضاً “الربيع بن خثيم”، كان يقول: أكثروا من ذكر الموت فهو غائبكم المرتقب، وإن الغائب إذا طالت غيبته أوشكت أوبته، وترقَبه ذووه، ثم استعبر وقال: ماذا نصنع غداً إذا دُكّت الأرض دَكّاً دَكّاً، وجاء ربك والملك صفاً صفاً، وجيء يومئذ بجهنم؟

كان الربيع لا ينام، فتصحو أمه فتجده صافاً في محرابه، كادحاً في مناجاة ربه، مستغرقاً في صلاته، فتناديه وتقول: ألا تنام يا ربيع..؟! فيقول: يا أماه..! كيف ينام من جن عليه الليل وهو يخشى البيات، يعني: هجوم الخصوم، لقد أرَّق أمه كثرةُ تضرعه وبكائه وشدة نحيبه في عتمات الليل والناس نيام حتى ظنت به الظنون، فصاحت تناديه: ما الذي أصابك يا بني..؟! لعلك أتيت جرماً، لعلك قتلت نفساً؟ قال: نعم يا أماه..! لقد قتلت نفساً، فقالت في لهفة: ومن هذا القتيل حتى نجعل الناس يسعون إلى أهله لعلهم يعفون عنك..؟ والله لو علم أهل القتيل ما تعاني من البكاء، وما تكابد من السهر لرحموك، فقال: لا تكلمي أحداً يا أماه..! إنما قتلت نفسي بالذنوب والمعاصي.

إنه تلميذ ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقرب الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم، كان ابن مسعود يقول للربيع: ما رأيتك مرة إلا ذكرت المخبِتين، وكان يقول له: «يا أبا يزيد..! لو رآك النبي صلى الله عليه وسلم لأحبك».

الفتية وعزة المؤمنين

قال الله جل في علاه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:10]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:8].

في موقف عصيب، وفي أيام شديدة، تجمَّع فيها الكفر وأحزابه في يوم الأحزاب ـ وما أشبه اليوم بالأمس ـ لاستئصال شوكة الإسلام، وجاءوا ليطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، يصوّر القرآن هول ذلك اليوم وشدته، فيقول سبحانه: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:10]، يظن المنافقون وليس المؤمنون، ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:11].

في مثل هذه المواقف العصيبة تظهر عزة الفتية الذين آمنوا بربهم، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم تلك الجموع قد تجمعت حول المدينة، وقد تآمر اليهود والمشركون وألبوا قبائلهم واستجمعوا، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخفف من ضغط الحصار الخانق الذي تتعرض له المدينة وأهلها، فاتصل بقائدي “غطفان” سراً “عيينة بن حصن” و”الحارث بن عوف”، فقد علم النبي صلى الله عليه وسلم بحنكته السياسية، وخبرته بنفسيات الرجال أن “غطفان” وقادتها ليس لهم هدف سياسي أو باعث عقدي، وليس لهم هَمٌّ سوى الحصول على المال والغنائم، فاجتمع بهم صلى الله عليه وسلم سراً وعرض عليهم عقد صلحٍ منفرد بين “المسلمين” و”غطفان”، وهو: أن تتوقف غطفان عن القيام بأي عمل حربي، وتكف الحصار عن المدينة، وتنسحب برجالها، على أن يدفع المسلمون لغطفان مقابل ذلك ثلث ثمار المدينة، فقبلت “غطفان” هذا العقد؛ لأنهم ما خرجوا إلا للمكسب المادي.

واشترط النبي صلى الله عليه وسلم موافقة فتية الأوس والخزرج على هذا الاتفاق قبل توقيعه.

فجمع النبي صلى الله عليه وسلم السعدين: “سعد بن معاذ” سيد الأوس و”سعد بن عبادة” سيد الخزرج، وعرض عليهما الأمر بحضور قادة غطفان، واستمع السعدان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثم قالا: يا رسول الله..! أمراً تحبه فتصنعه لنا..؟ أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من العمل به..؟ إن كان أمراً من السماء فامض لما أمرك الله، وإن كان أمراً لم تؤمر به ولك فيه رغبة فسمعاً وطاعة، وإن كان إنما هو الرأي فاسمع يا رسول الله منا:

«نحن وهؤلاء القوم كنا على كفر وشرك وعبادة للأصنام، وما كانوا يأكلون ثمارنا إلا قِرىً ـ أي: أكراما لضيوف عندنا ـ أو بيعاً، واليوم بعد أن أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا إليه، وأعزنا بك؛ نعطيهم أموالنا..؟ والله ما بيننا وبينهم إلا السيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كان أمراً أمرني الله به ما شاورتكما، ووالله ما أصنع ذلك إلا لما رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر شوكتهم إلى أمرٍ ما». (7السيرة النبوية في رحاب التنزيل، ص384)

وهكذا فإن العزة لا تظهر إلا في أوقات الشدائد، قال الله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:8]، إنها العزة المستمدة من كتاب الله، ويواسي الله المؤمنين في قوله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:139 – 142].

لقد انقلبت الموازين يوم ثبت الفتية على دينهم، وأظهروا عزتهم بالإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:25]، ونصرهم الله وهم قلة، قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران:123]، لما كانوا رهباناً بالليل استطاعوا أن يكونوا فرساناً بالنهار.

خاتمة

لم تزل مواجهات الإسلام وأهله مع الكفر وأهله. وإن غفل المسلمون لحظة داهمهم العدو وأجلب عليهم لإستئصالهم يؤزّه الشيطان أزا لمحاربة هذا الدين. ومع استمرار المواجهة وحلقاتها يجب وجود الفتية أولي المواصفات الخاصة والتربية الخاصة من قوّام الليل وفرسانه؛ ممن هم على درب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

………………………….

الهوامش:

  1. متفق عليه.
  2. متفق عليه.
  3. رواه مسلم.
  4. أخرجه النسائي وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
  5. رواه أحمد بإسناد صحيح.
  6. رواه البخاري (2915).
  7. السيرة النبوية في رحاب التنزيل، ص384.

المصدر:

  • خالد الراشد، خطبة جمعة مفرغة بتصرف يسير.

اقرأ أيضا:

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments