العيشة النقية في أيام الفتن


زمن القراءة ~ 7 دقيقة 

في أزمنة الفتنة ينبغي اللجأ الى الله والتضرع اليه، وفي الأزمات يعلم العبد من معاني ما تضمن الكتاب والسنة من الكلم وجوامع الدعاء ما يعلم أن أفضل الدعاء وأجمعه هو ما أوتيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

جوامع الكلم

الحمدلله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد روى الحاكم في مستدركه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: «اللهم إني أسألك عيشة نقية، وميتة سوية، ومرداً غير مَخْزِيِّ ولا فاضح». (1قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه وروى الحديث: الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن مسعود بلفظ (عيشة تقية) بدل (عيشة نقية)، ورواه أبو يعلى في مسنده عن ابن أبي أوفى بلفظ (عيشة تقية)، وقال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني والبزار وإسناد الطبراني جيد)

هذا الحديث وإن ضعّفه بعض أهل العلم فإن عليه آثار النبوة ومشكاتها، سواء في ألفاظه أو معانيه مما يكاد يقطع بصحته؛ فهو من جوامع الدعاء التي اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم.

فقه هذا الدعاء ودلالته

ألا ما أعظم هذا الدعاء وأنفعه! ولقد كنت أسمع وأقرأ هذا الدعاء منذ مدة طويلة، ولكن لم تظهر لي أهميته والحاجة الضرورية إلى اللهَج به، وكثرة سؤال الله عز وجل بما جاء فيه من المطالب الثلاثة إلا في السنوات الأخيرة التي كثرت فيها الفتن، وكثر فيها التلبيس والتضليل، وتلوثت أفهام كثير من الناس وأخلاقهم بمفاهيم وسلوكيات مغلوطة وملوثة، فصرْت أكثر من هذا الدعاء وأوصي به لعلها توافق ساعة إجابة من الله عزوجل يسعد بها العبد في الدنيا والآخرة.

قال الشوكاني، رحمه الله، في شرحه لهذا الدعاء:

«قوله: “عيشة نقية” أي: حياة خالصة عن شوائب الكدر، والنقي من كل شيء: خياره وأطيبه؛ لأنه لم يُشَبْ بما يمحقه ولا خالطه ما يقذره.

قوله: “ميتة سوية” أي صالحة معتدلة واقعة على الوجه الذي يرضاه الرب سبحانه وتعالى؛ وذلك بأن يثبته الله للتوبة والتخلص مما يجب عليه  التخلص منه! ويختم كلامه بشهادة الحق.

قوله: “ومرداً غير مَخْزِيٍّ” أي: رجوعاً إليك ليس فيه خزيٌ ولا فضيحة لي، وذلك بأن يكون المردّ إلى الرب سبحانه وتعالى مع توبة وحسن خاتمة، والخزي هو الذل والهوان. والفضيحة انكشاف المساوئ للناس وظهورها لهم). (2تحفة الذا كرين بعدة الحصن الحصين ص431)

المطالب الثلاثة في هذا الدعاء

يسأل العبد ربه في هذا الدعاء الجامع العظيم ثلاث مسائل:

الأولى: في هذه الدنيا، وهي: العيشة النقية التقية.

الثانية: عند الموت ومفارقة الدنيا، وهي: الميتة السوية وحسن الخاتمة.

الثالثة: عند لقاء الله عزوجل بعد البعث من القبور، وهي: المرد غير المخزي ولا الفاضح.

وهذه المطالب العالية تذكّرنا بما امتن الله عز وجل به على أنبيائه ورسله، وصرّح بذلك في قوله تعالى لنبيه يحيى عليه السلام: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم: 15)

وهو ما أنطق الله به نبيه ورسوله عيسى صلى الله عليه وسلم وهو في المهد؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم: 33)

وما أحسن ما علَّق به الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، على هذه الآيات؛ حيث قال:

“ما الحكمة في تقييد السلام في قصتي يحيى والمسيح ـ صلوات الله عليهما ـ بهذه الأوقات الثلاثة؟

فسره ـ والله أعلم ـ أن طلب السلامة يتأكد في المواضع التي هي مظان العطب ومواطن الوحشة، وكلما كان الموضع مظنة ذلك تأكد طلب السلامة وتعلقت بها الهمة؛ فذكرت هذه الموطن الثلاثة لأن السلامة فيها آكد وطلبها أهم، والنفس عليها أحرص.

(الموطن الأول) لأن العبد فيها قد انتقل من دار كان مستقرا فيها مُوطِّن النفس على صحبتها وسكناها إلى دار هو مُعرّضٌ فيها للآفات والمحن والبلاء؛ فإن الجنين من حين خرج إلى هذه الدار انتصب لبلائها وشدائدها ولأوائها ومِحَنِها.

(الموطن الثاني) خروجه من هذه الدار إلى دار البرزخ عند الموت. ونسبة الدنيا إلى تلك الدار كنسبة داره في بطن أمه إلى الدنيا تقريبا وتمثيلا، وإلا فالأمر أعظم من ذلك وأكبر، وطلب السلامة أيضا عند انتقاله إلى تلك الدار من أهم الأمور.

(الموطن الثالث) موطن يوم القيامة؛ يوم يبعث الله تعالى الأحياء. ولا نسبة لما قبله من الدور إليه، وطلب السلامة فيه آكد من جميع ما قبله؛ فإن عطبه لا يُستدرك، وعثرته لا تُقال، وسقمه لا يُداوى، وفقره لا يُسد.

فتأمل كيف خص هذه المواطن بالسلام لشدة الحاجة إلى السلامة فيها، واعرِف قدر القرآن وما تضمنه من الأسرار وكنوز العلم والمعارف التي عجزت عقول الخلائق عن إحصاء عشر معشارها.

وتأمّل ما في السلام مع الزيادة على السلامة من الأنس وذهاب الوحشة، ثم نزًّل على ذلك الوحشة الحاصلة للعبد في هذه المواطن الثلاثة عند خروجه إلى عالم الابتلاء، وعند معاينته هول المطلع إذا قدِم على الله وحيداً مجردا عن كل مؤنس إلا ما قدمه من صالح عمل، وعند موافاته القيامة مع الجمع الأعظم ليصير إلى إحدى الدارين، التي خلق لها، واستُعمل بعمل أهلها، فأي موطن أحق بطلب السلامة من هذه المواطن؟! فنسأل الله السلامة فيها بمنًّه وكرمه ولطفه وجوده وإحسانه». (3بدائع الفوائد، ج2، صـ 168 ـ 169)

والسلامة في هذه الساعات علامة سعادة العبد ونجاته. ولو قارنا بين ما ذكره الله عزوجل وامتن به على أنبيائه من السلامة ساعة ولادتهم وخروجهم إلى الحياة الدنيا، وساعة خروجهم منها عند الموت، وساعة خروجهم وبعثهم من قبورهم؛ نجد في ذلك تشابهاً كبيراً مع ما ذكر في هذا الدعاء الجامع الذي نحن بصدد شرحه وبيان ما يدل عليه؛ حيث إن «العيشة النقية» تقابل السلامة في الحياة الدنيا عند الولادة وبعدها، والسلامة عند الموت بـ «الميتة السوية» المستقيمة، والسلامة عند البعث بعد الموت يوم تبلى السرائر بـ «لا فضائح ولاخزي».

ولأن هذه الساعات من الساعات المصيرية التي يجب على العبد أن يدعو الله عزوجل بالسلامة فيها ويفعل الأسباب المحققة لها. ويتعين الوقوف عندها وتدبرها وإعطاؤها نصيبها من الشرح والبيان؛ فأقول وبالله التوفيق:

إن مفردات هذا الدعاء تشتمل على سؤال الله عزوجل الأمور الثلاثة التالية:

  • العيشة النقية
  • الميتة السوية
  • المرد إلى الله عزوجل دون خزي ولا فضيحة.

المطالب العلية والجامعة في الدعاء

وتفصيل وبيان مدلولات هذه المطالب كما يلي:

أولا: العيشة النقية

قال في تاج العروس:

“نقي الشيء نقاوةً ونقاءً ونقاءةً : أي نظف، فهو نقي أي نظيف”

فالمراد بالعيشة النقية: النطيفة التي لم تتلوث بالأوساخ والأكدار، والمقصود بالعيشة أي الحياة في هذه الدنيا؛ وذلك بأن يكون العبد في هذه الحياة نقياًّ في جميع أموره الباطنة والظاهرة، وكل ما تعني كلمة النقاء من معنى.

ولا تتم للعبد “العيشة النقية” حتى يكون كذلك في جميع أحواله؛ نقياً في قلبه من الآفات والمكدرات، نقياًّ في مقاصده، نقيّاً في فهمه وتصوره، نقيّاً في سلوكه ومعاملاته، نقيّاً في موازينه وأحكامه، نقيّاً في أهله وأسرته، نقيًّا في رايته التي يجاهد تحتها، نقيّاً في ولائه وبرائه، نقيّاً في مطعمه ومشربه ونقيّاً في لسانه وسمعه وبصره، نقيّاً في مدخله ومخرجه.

ولا يكون كذلك حتى يكون في عيشته في الحياة الدنيا منطلِقا من كتاب ربنا سبحانه واتباع سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أقواله وأعماله وأحواله.

وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «لقد جئتكم بها بيضاء نقية»، ولقوله، صلى الله عليه وسلم، هذا مناسبة؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أمتهوّكون فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده لقد جئتُكم بها بيضاء نقية. لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدّقوا به. والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا اتباعي». (4المسند 15156، مصنف ابن أبي شيبة 26949)

وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعِشْ منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. عضُّو عليها». (5ابن ماجة (43) وصححه الألباني)

ولا تظهر أهمية “العيشة النقية” بمفهومها الشامل كما تظهر في زماننا اليوم الذي تموج فيه الفتن كموج البحر، حيث كثر فيها الهالكون والمتساقطون، وقَلَّ فيها الناجون، ومن وصايا “سليمان” عليه السلام لابنه: «يابني لا تعجب ممن هلك كيف هلك، ولكن اعجب ممن نجا كيف نجا». (6الحلية 3/ 72)

فنسأل الله عزوجل السلامة والعافية، ونعوذ به من الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ فكم رأينا وسمعنا من أفهام وتصورات ملوَّثة، وكم رأينا من مواقف وسلوكيات ومعاملات وموازين مضطربة غير نقية، وذلك من المكر الكُبّار والتلبيس المضلل الذي يمارسه أئمة الضلال وأرباب الإعلام ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ (الأنعام :112).

ولذا فحريّ بالمؤمن الذي يريد لنفسه النجاة والعيشة النقية أن يكون يقظا حذرا من أن يتلوث فهمه أو مقصده أو موازينه بشيء من هذه الضلالات والتلبيسات؛ وذلك بأن يكون مصدره الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة؛ وتلكم “العيشة النقية” التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم «بيضاء نقية».

كما يحرص المؤمن ـ وهو يحاذر كل ما يكدّر فهمه ومقصده ـ أن يوصل هذه  التصورات والمفاهيم النقية والموازين العادلة النظيفة إلى من يستطيع من إخوانه المسلمين، مبتدئا بأهله وأولاده وأقاربه ومن تربطه بهم روابط أخوية أو دعوية أو صداقة أو غير ذلك؛ فإن هذا ضرب من ضروب الجهاد والمدافعة للباطل وأهله.

ثانيا: الميتة السوية

وهذا هو السؤال الثاني من فقرات هذا الدعاء وهو «الميتة السوية» المستقيمة على المحجة البيضاء النقية، وهو سؤال لحسن الخاتمة بالثبات على العيشة النقية حتى الموت والوفاة عليها؛ لأن الحي لا يؤمن عليه الفتنة؛ فقد يُرزق العبد عيشة نقية حينا من الدهر في مراحل عمره؛ لكن قد يتعرض لبعض الفتن والأحداث التي تكون سبباً في انحرافه وعدم استقامته ونقائه، فيموت على ذلك عياذا بالله.

ولذا فهذه الفقرة الثانية من الدعاء وهي سؤال الله عزوجل “الميتة السوية”. والمراد بها سؤال الله عز وجل حسن الخاتمة والثبات على الحق حتى مفارقة الحياة الدنيا؛ قال تعالى ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (النحل:32)

ثالثا: مردّاً غير مَخْزيِّ ولا فاضح

وهذا هو السؤال الثالث من فقرات هذا الدعاء العظيم، وهو من لوازم الدعاء السابق؛ لأن مَن كتب الله عز وجل له “الميتة السوية” الطيبة و”حسن الخاتمة” كان مردُّه ورجوعه إلى الله عز وجل غير مَخزيّ ولا فاضح، بل يكون مردّاً طيّباً سعيداً مُغتبطاً به العبد بين الخلائق.

ولكن فائدة إفراد هذا السؤال كسؤال ثالث هي أن العبد قد يعيش في حياته كلها عيشة نقية في فهمه وسلوكه فيما يبدو للناس، وقد يظن الناس أنه مات ميتة سوية، ولكن الله عزوجل يعلم من قلبه دسيسةً وآفةً لا يعلمها الناس فيفضحه بها ويخزيه بين الخلائق يوم تبلى السرائر.

وهذا يحتّم على العبد العناية بقلبه وسريرته والتخلص مما يشوبها ويخزيها يوم القيامة.

خاتمة

النجاة هي طلب العاقل الذي عقل عن ربه تعالى وعقل عن نبيه خطابهما، والذي عقل أيضا حقيقة الدنيا والآخرة وتفكر فيهما، وأعطى لكل أمر قدره وميزانه، وعلم أنه لا يُعدل بالسلامة شيء، وأن النظر الى الغير والتأسي بهم دون تدبر لا يفضي الى النجاة، خاصة مع كثرة الهالكين وتتابع السقوط، وإنما النجاة في النظر الى الواجب على العبد، والى العاقبة المرجوة.

نسأل الله عز وجل أن يصلح قلوبنا وسرائرنا وعلانيتنا وأن يحسن ختامنا .. والحمدلله رب العالمين.

………………………………….

هوامش:

  1. قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه وروى الحديث: الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن مسعود بلفظ (عيشة تقية) بدل (عيشة نقية)، ورواه أبو يعلى في مسنده عن ابن أبي أوفى بلفظ (عيشة تقية)، وقال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني والبزار وإسناد الطبراني جيد.
  2. تحفة الذا كرين بعدة الحصن الحصين ص431.
  3. بدائع الفوائد، ج2، صـ 168 ـ 169.
  4. المسند 15156، مصنف ابن أبي شيبة 26949.
  5. ابن ماجة (43) وصححه الألباني.
  6. الحلية 3/ 72.

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.