”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

الطائفة المنصورة وواقعنا المعاصر (4-8) ظاهرين، صابرين على اللأواء

ضمن الله تعالى للطائفة المنصورة أنها غالبة. ولذلك فمن صفاتها الجهاد الملازم للنصر والغلبة، والصبر على ما يلاقون من لأواء وبلاء؛ فإن ذلك من طبيعة وجودها وما تلاقيه.

مقدمة

بعد بيان محورية الولاء والبراء في المقال الأول ثم مرويات الحديث في المقال الثاني، وأما المقال الثالث فكان إيضاح بعض خصائص الطائفة المنصورة .. وفي هذا المقال (الرابع) استكمال إيضاح خصائص الطائفة المنصورة .. كثّرها الله ونصرها

الصفة الرابعة:

كونهم ظاهرين منصورين

وهذا الوصف يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: «ظاهرين على الحق»، وفي رواية أخرى: «ظاهرين على من ناوأهم»، وفي رواية ثالثة: «وهم ظاهرون على الناس»، وفي رواية رابعة «منصورين»، ومن هذا الوصف الأخير سميت «الطائفة المنصورة».

معانى الظهور

أوضح الشيخ سلمان العودة عدة معاني «للظهور» الذي هو وصف من أوصاف الطائفة المنصورة فقال: «إن الظهور يشمل ـ فيما يبدو ـ ثلاثة معان:

المعنى الأول: الوضوح والبيان

بمعنى الوضوح والبيان، وعدم الاستتار (1انظر: «فتح الباري» (13/ 294))، فهم معروفون بارزون مستعلون.

وهذا – في الجملة – وصف صحيح لهذه الطائفة؛ لأن تصديها للدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد وإقامة الحجة، يعني: أنها ظاهرة، مشهورة، معروفة المنهج، واضحة الاتجاه، لها علماؤها البارزون المعروفون، ولها مناهجها ووسائلها المعروفة.

وقيام هذه الطائفة بواجب البلاغ والدعوة، وحرب المنكر، وقتال الأعداء، يقتضي أن تكون ظاهرة غير مستترة، حريصة على التبليغ لصوت الحق لكل مسلم، بل ولكل إنسان.

وإن كان هذا لا يمنع أن يستخفي بعض أفرادها بإسلامهم، أو بدعوتهم لملابسات خاصة في مكان معين، وزمان معين؛ فالعبرة بالطائفة جملة، لا ببعض أجزائها، أو بعض أفرادها، والعبرة بالحال العام المستمر الثابت، لا بالحال المؤقت الطارئ.

وهذه الدلالة تؤخذ من مجمل أوصاف الطائفة الواردة في الأحاديث ـ كما تقدم ـ من قيامهم بأمر الله، وكونهم يقاتلون على الحق… وما أشبه ذلك مما يستلزم الوضوح والبيان.

المعنى الثاني: الثبات

ثباتهم على ما هم عليه من الحق، والدين، والاستقامة، والقيام بأمر الله، وجهاد أعدائه؛ بحيث لا يثنيهم عن ذلك شيء من العقبات والعوائق والمثبطات..

فهم ـ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(المائدة: 54).

وثبات هذه الطائفة على دينها، وتمكّنه من نفوس أفرادها؛ على رغم استحكام الغربة، وكثرة المخالف، وقلة الموافق، واختلاط الأمر، وكثرة الأدعياء؛ هو من أعظم صور الظهور، والقوة العقدية، والانتصار على دواعي الهوى، ومغالبة الصوارف المادية والمعنوية؛ ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ(غافر: 51)..

إذن فالنصر ليس صورة واحدة تتحقق في ميدان الحرب والقتال، بل هو صور كثيرة؛ منها: أن يمنح الله أولياءه من الصبر على الدين والعقيدة، وإن أُزهقت الأرواح، وإن عُذبت الأجساد، وإن أوذي الأهل، وإن شُرد الأولاد.

هذا مع يقين المؤمن بأن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة، والدهر دول، وإن أشكل على بعض المتعجلين حال المؤمنين في حيز محدود من المكان، وفي لحظة محدودة من الزمان، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ(آل عمران: 140).

من معاني الثبات

ويدخل في هذا المعنى غلبتهم بالحجة والبيان، وسيطرة منطقهم على العقول والقلوب؛ لما يعتمدون عليه من الحق الصريح المقتبس من الكتاب والسنة، وهذا يدعو إلى اتباعهم وموافقتهم، «فالحق غلّاب، والباطل خلّاب».

ولذلك نجد بعض أعداء هذه الطائفة ومناوئيها من يذعن للحق الذي تحمل، ويتخلى عما هو عليه من البدعة والضلال، وهذا من أعظم أسباب قهر الأعداء، وشعورهم بالهزيمة أمام سطوة الحق وحجته.

وفي هذا يقول صاحب «عون المعبود»: «ظاهرين؛ أي: غالبين على أهل الباطل، ولو بالحجة». (2عون المعبود» (4/ 158))

وكلما كانت هذه الطائفة أوسع علمًا، وأعظم فهمًا للوحي، وأكثر إدراكًا لثقافة عصرها، وأقدر على التعبير عن منهجها؛ كانت حجتها أغلب، وطريقتها أصوب.

المعنى الثالث: الغلبة

وهو الظهور بمعنى الغلبة، وإلى هذا المعنى مال الحافظ ابن حجر رحمه الله، ورجحه على المعنى الأول.

وقد دلت النصوص على هذا المعنى أوضح دلالة.

فقد وصفوا في الأحاديث بكونهم «ظاهرين»، ولا شك أن الظهور يأتي كثيرًا بمعنى الغلبة والتمكن والعلو والظفر؛ كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ(التوبة: 33).

وكمـــا فـي قولــه: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ(الصف: 14). وقوله: ﴿حَتَّىٰ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ(التوبة: 48). وقوله: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ(الكهف: 20)… إلى غير ذلك من الآيات.

وقد أكد إرادة هذا المعنى مجيء روايات أخرى تكاد أن تكون صريحة في ذلك؛ كقوله: «قاهرين لعدوهم»، وقوله: «ظاهرين على من ناوأهم»، وقوله: «منصورين»، وقوله: «لعدوهم قاهرين»..

ولا شك أن هذا وعد رباني على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، وليس يشك مسلم في ثبوته وتحققه ووقوعه، خاصة وأن أصل الحديث ثابت متواتر ـ كما سبق ـ وهو يشمل الغلبة والقهر بالحجة ويشمل الغلبة المادية والنصر في القتال.

اجتماع معاني الظهور

ويجوز أن تكون معاني الظهور الثلاثة السابقة كلها واردة وصحيحة؛ فتكون الطائفة المنصورة:

  1. ظاهرة معلنة غير مستترة.
  2. وظاهرة على الدين بالثبات عليه والتمكن منه.
  3. وظاهرة على عدوها بالحجة والبيان وبالقوة والسنان.

وهذا يعطي للحديث أفقًا أوسع مما لو قصر على بعض تلك المعاني دون بعض.

مطابقة الحديث للواقع

وقد يستغرب بعض الناس مثل هذا الوعد بنصر تلك الطائفة، وتمكينها، وظهورها على أعدائها، وقهرها لهم..

ويعجب حين يرى المسلمين كافة في الواقع المشاهَد القائم، وفي فترات عديدة ـ عبر التاريخ ـ قد تعرضوا للغزو من قبل أعدائهم، وسلطوا عليهم، وقهروهم؛ كما حدث أيام التتر، وأيام الصليبيين، وأواخر أيام العثمانيين، وكما يحدث الآن للمسلمين في أغلب الأمكنة من الأرض من تسلط الأعداء عليهم بالقتل والاستضعاف والتشريد والإذلال.

قواعد لمعرفة تطابق الحديث مع الواقع

ولمعرفة مدى التطابق بين الحديث وبين الواقع والتاريخ، يُلحظ ما يلي:

 أولًا: الحديث أصل عام لا يعارَض بضعف خاص

فالحديث إخبار عن أصل عام ثابت، لا ينتهي إلا بقبض أرواح المؤمنين قبيل قيام الساعة، ولا يعارض هذا الأصل أن يضعف المسلمون في زمان معين، أو مكان معين، فيسلط عليهم عدوهم؛ لأن هذا أصل آخر يقابل الأصل الأول، وهو أن المسلمين إذا تركوا الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر سلط الله عليهم الذل. (3كما في حديث ابن عمر الصحيح: «إذا تبايعتم بالعينة…» الحديث. رواه أبو داود (3462))

ولكن ترك المسلمين للجهاد، واشتغالهم بالدنيا ومن ثَمَّ تسليط الذل عليهم وإن وقع؛ إلا أنه لا يمكن أن يستمر ويدوم، وهذا مقتضى ما وعد الله ورسوله، وصدق الله ورسوله.

ومن الخطأ أن ينظر المرء إلى فترة محددة من الزمان، ثم يستشكل تطبيق الحديث عليها، بل عليه أن يمد نظره إلى الماضي وإلى المستقبل.

فأما النظر إلى الماضي:

فيفيد أن الفترات التي ظهر الكفار فيها على المسلمين كانت محدودة مؤقتة، وسرعان ما تهب الطائفة المنصورة؛ لترفع الذل الذي حاق بالمسلمين، وتلحق بالأعداء الهزيمة والنكال.

ومهمة الطائفة المنصورة ـ كما قدمت ـ هي استمرار القيام بالجهاد، وإن تخلت عنه عامة الأمة، فإن كان ثمة عقبات وموانع تحول دونه؛ كانت مهمتها العمل على تهيئة الأسباب؛ لإعلان الجهاد، وإزالة العقبات، وتذليلها.

وأما النظر للمستقبل

فيؤكد أن لهذا الدين جولاتٍ قادمة منتصرة، وأن حالة الاستضعاف والذلة التي يعانيها المسلمون اليوم لا يمكن أن تدوم.

وإن من سنة الله مداولة الأيام بين الناس، وابتلاء بعضهم ببعض، ومن يدري ما الذي سيحدث في مقبلات الأيام؟…

ثانيًا: الظهور على العدو نسبي

أن الظهور على العدو، وقهره، والانتصار عليه، أمر نسبي، وليس يعني بالضرورة الغلبة المطلقة عليه..

بل إن الحيلولة بينه وبين كثير مما يريد، وإحباط مخططاته، أو بعضها، والامتناع عنه، وإلحاق الضرر به، هي من أنواع الغلبة عليه.

ولا شك أن هذا محقق على الدوام، فلم تخلُ الأمة من هذه الطائفة المدافعة في ميدان الفكر والعلم، وفي ميدان الإصلاح الاجتماعي، وفي ميدان الحكم والتشريع، بل وفي ميدان الحرب والقتال في كثير من الأحيان.

وإلا؛ فمن المعلوم أن الأنبياء جميعًا عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم عبر القرون كانوا يجهدون ويحزنون وتصيبهم اللأواء ويتعرضون للهزيمة، وقد يظهر عليهم العدو في بعض الفترات…

ثالثًا: تصور مفهوم «العدوّ» بصورة أوسع

أنه ينبغي تصور مفهوم «العدوّ» بصورة أوسع؛ إذ يدخل في عداوة هذه الطائفة أصناف كثيرة من الناس، ففي أعدائها: اليهود، والنصارى، والمشركون، والمنافقون..

وهؤلاء، وإن كانوا أعداء للمسلمين كافة؛ إلا أن عداوتهم لهذه الطائفة أشد وأعظم؛ لأنها بحكم خصائصها تمثل الثبات واليقظة في الأمة، ومن ثم تحول بين الأعداء وبين تحقيق أغراضهم في المسلمين.

وفي أعدائها أيضًا: الفرق الضالة المنتسبة إلى أهل القبلة، وهم جم غفير، فهي «كالإناء بين الأكلة» وإزاء هذه العداوات الكثيرة والجبهات المتعددة يظهر جليًّا أن هذه الطائفة تُدال على بعض أعدائها، وتنال منهم، بل وتقهرهم..

فهي ظاهرة على كثير من أهل البدع والضلال، وعلى كثير من أهل الردة والكفر، فلها قدر كبير من النصر في أكثر من ميدان، وبأكثر من معنى، ولا يلزم أن يكون لها النصر كله بكل المعاني وفي كل الميادين. (4«الطائفة المنصورة» للشيخ سلمان العودة (ص191-198) باختصار يسير)

رابعا: الثبات مع شراسة العدو وضخامة الحرب

وأضيف على ما ذكر الشيخ سلمان حفظه الله تعالى في هذه الفقرة من معاني الظهور؛ القول بأنه على ضخامة هذه الحرب العالمية الشرسة من طوائف الكفر والنفاق والبدع على هذه الطائفة إلا أنها باقية ثابتة قائمة بالحق تدعو إليه وتبلغه للناس.

ولو أن نِحلة أو ملة غير ملة الإسلام الحق تعرضت لما تعرض إليه أهل الحق لما بقي لها اسم ولا رسم، ولكنه دين الله الحق الذي تكفل سبحانه بحفظه وبأن يظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، وهذا معنى من معاني الظهور والانتصار.

الصفة الخامسة: القتال والجهاد في سبيل الله تعالى

إن مما يسترعي النظر كثيرًا أن يرد في معظم الأحاديث وصفهم بالمقاتلة على الحق الذي يحملونه:

فهم «يقاتلون على أمر الله»، أو: «يقاتلون على الحق»، أو: «يقاتلون على الدين»، أو: «يقاتلون على أبواب دمشق».

وصرح في بعض الروايات المتقدمة بأن آخرهم يقاتل المسيح الدجال.

وفي أحاديث أخرى جاء الحديث عنهم بمناسبة «إذالة الناس الخيل»؛ أي: إذلالها وإهمالها، ووضعهم السلاح، وقولهم: لا قتال، فقال صلى الله عليه وسلم: «كذبوا؛ الآن جاء القتال».

وهذه الروايات تبين بوضوح أن هذه الطائفة الظاهرة الظافرة المنصورة لم تقف عند حد جهاد الكلمة؛ وبيان الحق، والدعوة إليه بالحسنى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المسلمين..

بل تميزت مع ذلك بالقيام بواجب الجهاد الشرعي في سبيل الله، وقتال أعداء الله الغزاة من الكفار ومَن يتولاهم، وكونهم يقاتلون على الحق أنهم يحمون الحق ويدعون إليه لأجل أنه الحق وليس لحمية أو عصبية ولا تحت راية عمية، وإنما قتالهم لأجل الحق وفي سبيل الله تعالى..

وهذا يعني استمرار الجهاد والمواجهة العسكرية مع أعداء الدين إلى يوم القيامة؛ لأن الطائفة القائمة به قائمة إلى يوم القيامة.

وقد جاءت نصوص كثيرة في التصريح باستمرار الجهاد ودوامه، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم». (5البخاري (2852)، مسلم (1872))

الارتباط بين الجهاد والطائفة المنصورة

وقد ربط الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بين هذا الحديث وحديث الطائفة المنصورة، فقال:

لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسره بالأجر والمغنم، والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، وفيه بشرى ببقاء الإسلام وأهله إلى يوم القيامة؛ لأن مِن لازِم بقاء الجهاد بقاء المجاهدين، وهم المسلمون.

وهو مثل الحديث الآخر: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق».

والمقصود والله أعلم: أن الجهاد لا ينقطع انقطاعًا دائمًا مستمرًّا، بل لا يزال في الأمة طائفة منصورة، تجاهد في سبيل الله أعداء الله، ولكن هذا لا يعارض ما وجد ويوجد في بعض الأمكنة وبعض الأزمنة من ترك الجهاد، مما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وحذر منه، فوقع في الأمة كما كما أخبر.

فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم». (6أبوداود (3462) وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (1389)، وقال: «صحيح لغيره») (7«فتح الباري» (6/ 56))

فقد تترك عامة الأمة الجهاد في سبيل الله، وتخلد إلى الأرض، وتشتغل بالزرع أو غيره من شئون دنياها، وتلهو به عما أُخرجت له من الجهاد وقتال أعداء الله، فيسلط الله عليها الذل والهوان.

مهمة الطائفة المنصورة

وحينئذ تكون مهمة الطائفة المنصورة: الجهاد في الجانبين الأولين:

  1. جانب الدعوة إلى الله وإلى رسوله، ونشر السنة، وحرب البدعة.
  2. وجانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..

إضافة إلى قيامها بالواجب في التهيئة للقتال، وحرب أعداء الله بالسلاح، وعملها على إزالة العوائق والعقبات التي تحول دون الجهاد؛ فإنه إذا وجب عليها القتال والحرب لأعداء الدين؛ فقد وجب عليها الاستعداد لهذه الحرب بكل وسيلة ممكنة، ووجب عليها السعي لإزالة الموانع الحائلة دون قيامها بالواجب، ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا.

وبجهود هذه الطائفة ترجع الأمة عامة إلى الجهاد وتخوض الغمرات إلى أعدائها، حتى ينصرها الله، ويعيد لها عزتها ومجدها وكرامتها.

فترك عامة الأمة للجهاد هو وضع مؤقت؛ لأننا نجد أن آخر هذه الأمة من الطائفة المنصورة يقاتل المسيح الدجال.

والجهاد الذي بدأ في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينتهي حتى آخر الدهر، قبيل قيام الساعة، والطائفة التي أكرمها الله بحمل الراية جيلًا بعد جيل، ورعيلًا بعد رعيل، هي الطائفة المنصورة القائمة بأمر الله». (8انظر: «الطائفة المنصورة» ضمن سلسلة الغرباء د. سلمان العودة (ص176-182) باختصار وتصرف يسيرين)

ومن هنا يظهر التلازم بين هذه الطائفة والعمل الجهادي؛ حيث يستمر الجهاد معها باقيًا ما بقي الصراع بين الحق والباطل وبين الإيمان والكفر والنفاق، غير أنه قد يعظم أثره في زمان أو مكان، وقد يضعف في أزمنة أو أمكنة أخرى

الصفة السادسة: الصبر على اللأواء

الصبر على ما يصيبهم من اللأواء لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم.. وقد جاءت هذه الأوصاف في بعض روايات الحديث السابقة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك».

وقوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى: «لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأْواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك».

ففي هاتين الروايتين بيان أن أهل هذه الطائفة سيتعرضون للابتلاء واللأواء، ووقوف الناس أمام دعوتهم وجهادهم؛ ما بين مخالف لهم من كفار ومنافقين، وما بين مخذل لهم من بعض المسلمين، ولكنهم مع ذلك صابرون ثابتون بتثبيت الله عز وجل لهم وبما من عليهم من صفات اليقين والإخلاص والمنهج المستقيم..

ولذلك جاء في بعض روايات الحديث: «لا يبالون من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله». (9سبق تخريجها)

والابتلاء سنة من سنن الله عز وجل التي لا تتبدل؛ فلا نصر لهذه الطائفة إلا بعد أن تتجاوز مراحل الابتلاء بنجاح وثبات، والمتابع لتاريخ هذه الطائفة وما تتعرض له من محن وابتلاءات يرى ذلك جليًّا ولكن العاقبة في النهاية النصر لها ولأهلها.

والطائفة المنصورة هي وريثة الأنبياء في العلم والدعوة والجهاد، وكل الأنبياء واجهوا ما واجهوه من الأذى والتكذيب والتخذيل لكنهم صبروا حتى جاءهم نصر الله تعالى، قال تعالى مسليًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ(الأنعام: 34).

وهم الذين عناهم الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «إن من ورائكم أيامَ الصبر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله».

وقال عبد الله بن المبارك أحد رواة الحديث:

وزادني ـ يعني: شيخه ـ قال راوي الحديث: «يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟» قال: «أجر خمسين منكم». (10أبو داود (4341)، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (3172) الترمذي (3058)، وقال: «حسن غريب» (3058)، وابن ماجه (2014) بمدون الزيادة)

أسعد الناس ببشارة رسول الله

فمن أسعد بهذا الوصف إلا هذه الطائفة الصابرة المنصورة لصبرها وتمسكها بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام من الهدى والحق الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإخلاص لله عز وجل في ذلك كله، وعقد الولاء والبراء على الحق والثبات عليه، وعدم التنازل عنه، وتجنب طاعة الكافرين والمنافقين الذين يجهدون في صرف المسلم المجاهد عن دينه..

ولذلك جاء وصفهم في الحديث بأنهم: «لا يضرهم من كذبهم ولا من خالفهم». (11سبق تخريجه)، و«لا يضرهم من خذلهم». (12سبق تخريجه)، و«لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء». (13سبق تخريجه)، و«لا يبالون من خالفهم». (14سبق تخريجه)

وهذه الألفاظ كلها تجتمع في الدلالة على أن هؤلاء القوم عرفوا طريقهم، فلم يلتفتوا إلى خلاف المخالفين ولا خذلان الخاذلين، ولا تكذيب المكذبين، وإن كانوا يواجهون ذلك كله، ويصيبهم من اللأواء ما يصيبهم.

إحدى جولات الطائفة المنصورة

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وهو يصف أجواء الابتلاء والأهوال التي واجهها المسلمون في جهادهم للتتار إبان غزوهم لبلاد الشام:

«وبيّن فيه الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين الذين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة حيث تحزبت الناس ثلاثة أحزاب: حزب مجتهد في نصر الدين، وآخر خاذل له، وآخر خارج عن شريعة الإسلام.

وانقسم الناس ما بين مأجور ومعذور، وآخر قد غره بالله الغرور، وكان هذا الامتحان تمييزًا من الله وتقسيمًا: ﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا(الأحزاب: 24)». (15«مجموع الفتاوى» (28/ 428، 429))

وقال أيضًا عن هذه الفتنة والنازلة موجها وصيته لأصحابه المجاهدين معه:

«واعلموا أصلحكم الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه من وجوه كثيرة أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة»، وثبت أنهم بالشام؛ فهذه الفتنة قد تفرق الناس فيها ثلاث فرق:

1) الطائفة المنصورة وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين.

2)  والطائفة المخالفة وهم هؤلاء القوم ومن تحيز إليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام.

3) والطائفة المخذِّلة وهم القاعدون عن جهادهم؛ وإن كانوا صحيحي الإسلام.

فلينظر الرجل أيكون من الطائفة المنصورة أم من الخاذلة أم من المخالفة؟! فما بقي قسم رابع!

واعلموا أن الجهاد؛ فيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى في كتابه: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ يعني: إما النصر والظفر وإما الشهادة والجنة؛ فمن عاش من المجاهدين كان كريمًا له ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة». (16«مجموع الفتاوى» (28/ 416، 417))

المؤمن يغار، والمنافق يترقب

ورحم الله ابن القيم القائل:

«وكفى بالعبد عمى وخدلانًا أن يرى عساكر الإيمان وجنود السنة والقرآن وقد لبسوا للحرب لَأْمته وأعدوا له عدته وأخذوا مصافهم ووقفوا مواقفهم، وقد حمي الوطيس، ودارت رحى الحرب واشتد القتال وتنازلت الأقران: النزالَ النزالَ! وهو في الملجأ والمغارات والمُدَّخَل مع الخوالف كمين..

وإذا ساعد القدر، وعزم على الخروج قعد فوق التل مع الناظرين ينظر لمن الدائرة ليكون إليهم من المتحيزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جهد أيمانه إني كنت معكم وكنت أتمنى أن تكونوا أنتم الغالبين..

فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة ألا يبيعها بأبخس الأثمان، وألا يعرضها غدًا بين يدي الله ورسوله لمواقف الخزي والهوان، وأن يثبت قدميه في صفوف أهل العلم والإيمان، وألا يتحيز إلى مقالة سوى ما جاء في السنة والقرآن». (17«مقدمة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية» «القصيدة النونية» (ص5))

خاتمة؛ أعظم الناس اليوم ابتلاء

واللافتُ في أحوال هذه الطائفة «الطائفة المنصورة» أنها أكثر الناس ابتلاءً، ولاسيما في زماننا اليوم؛ حيث اجتمعت عليهم كل ملل الكفر من نصارى ويهود وشيوعيين ومنافقين وباطنيين وطواغيت، وناصبهم العداء كل فرق الأمة المبتدعة من الغلاة والمرجئه والتصوف وأهل الحزبيات الضيقة..

كل هؤلاء اجتمعوا عليهم، بالوقوف في طريقهم بكل وسيلة وبخذلانهم والمؤامرات عليهم، ومع ذلك فهم منصورون بإذن الله تعالى ثابتون على الحق لا يزدادون إلا قوة وثباتًا بتثبيت الله تعالى لهم أمام أهل الكفر والضلال من ملل الأرض الذين أجمعوا على حربهم والتنفير منهم.

وهذه سنة الله عز وجل في كل من حمل راية الحق وجاهد في سبيلها من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ولكن العاقبة للمتقين.

……………………………………

هوامش:

  1. انظر: «فتح الباري» (13/ 294).
  2. «عون المعبود» (4/ 158).
  3. كما في حديث ابن عمر الصحيح: «إذا تبايعتم بالعينة…» الحديث. رواه أبو داود (3462).
  4. «الطائفة المنصورة» للشيخ سلمان العودة (ص191-198) باختصار يسير.
  5. البخاري (2852)، مسلم (1872).
  6. أبوداود (3462) وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (1389)، وقال: «صحيح لغيره».
  7. «فتح الباري» (6/ 56).
  8. انظر: «الطائفة المنصورة» ضمن سلسلة الغرباء د. سلمان العودة (ص176-182) باختصار وتصرف يسيرين.
  9. سبق تخريجها.
  10. أبو داود (4341)، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (3172) الترمذي (3058)، وقال: «حسن غريب» (3058)، وابن ماجه (2014) بمدون الزيادة.
  11. سبق تخريجه.
  12. سبق تخريجه.
  13. سبق تخريجه.
  14. سبق تخريجه.
  15. «مجموع الفتاوى» (28/ 428، 429).
  16. «مجموع الفتاوى» (28/ 416، 417).
  17. «مقدمة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية» «القصيدة النونية» (ص5).

لقراءة بقية السلسلة:

  1. المقال الأول
  2. المقال الثاني
  3. المقال الثالث
  4. المقال الخامس
  5. المقال السادس
  6. المقال السابع
  7. المقال الثامن

لتحميل البحث كاملا على الرابط التالي:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد