الطائفة المنصورة وواقعنا المعاصر (3-8) لا يخلو منها زمان، وهي على الحق


زمن القراءة ~ 9 دقيقة 

للطائفة المنصورة أوصاف تُعرف بها. فقد ضمن الله تعالى لهذه الأمة بقاء هذه الطائفة عندما تنحرف الأمور الى مثل ما انحرف اليه الأولون.فمن أرادها نظر في أوصافها ليلتزمها.

مقدمة

بعد بيان محورية عقيدة الولاء والبراء ووجوب الانحياز للطائفة المنصورة في المقال الأول، ثم بيان روايات الأحاديث المعرفة بها في المقال الثاني ـ من حيث الرواية ـ يأتي هنا دور التعريف ببعض خصائص الطائفة المنصورة ـ من حيث الدراية.. فنجمع بين الرواية والدراية كما هو مأخذ أهل السنة..

ذكر بعض صفات الطائفة المنصورة

من خلال التأمل في الروايات السابقة لحديث «الطائفة المنصورة» يتبين لنا أن هذا الحديث المتواتر بمجموع رواياته، أصل جامع لمحاسن الصفات والأخلاق، ولأصول الإيمان والإحسان في العبادة والتوجه إلى الله تعالى ونصرة دينه..

يجد فيه المطيع في أزمنة القوة والعزة دافعًا على المضي في الطاعة وعدم النكول، ودافعًا على تربية الذراري وتمرين الأبناء على ذلك المنهج القويم، حتى يبقى التزام الناس بدينهم واعتصامهم بحبل ربهم نقيًّا جيلًا بعد جيل إلى قيام الساعة..

ويجد فيه الضعيف المغلوب على أمره حافزًا ودافعًا قويًّا على الثبات في أزمنة الضعف والهوان والمحن والفتن.

كما أن الحديث شامل لمعاني التكليف والتشريف معًا، وحصول التشريف لا يكون إلا بفعل التكليف فمن عمل من الأمة بمقتضى الحديث حصل له ما فيه من العزة والكرامة، وبذلك يتم مقصود الحديث. (1انظر شرح حديث «لاتزال طائفة» (ص68) د. إبراهيم سلقيني)

أبرز صفات هذه الطائفة:

الصفة الأولى:

لا يخلو منها زمان

وهذا الوصف مأخوذ من قوله عز وجل: «لا تزال طائفة»؛ حيث أثبت لها الرسول صلى الله عليه وسلم استمرارية وجودها حتى يأتي أمر الله تعالى قبيل قيام الساعة، ولكنها قد تكون في زمان أكثر وأقوى منها في زمان آخر، وقد تكون في مكان دون مكان، وقد تكون في مكان أقوى وأكثر منها في مكان آخر

و(الحاصل): أن وجود هذه الطائفة مستمر إلى قرب قيام الساعة، وهذا ما تفيده الألفاظ المتعددة في أول الحديث حيث جاءت أكثر الروايات بلفظ «لا تزال»، «لا يزال»، «لن يزال»، وجاءت بعض الروايات بألفاظ مرادفة كقوله: «لن يبرح»، «لاتبرح». (2هذه اللفظة رواها سعيد بن منصور في «سننه» (2/ 178))

قال ابن عقيل:

معنى (ما زال) وأخواتها: ملازمة المخبر عنه على حسب ما يقتضيه الحال، وأخوات زال: برح، وفتئ، وانفك. وهذه يشترط في عملها أن يسبقها نفي، كـ «ما، ولن، ولا». (3شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (1/ 152))

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:

وفي هذا الحديث معجزة ظاهرة؛ فإن هذا الوصف ما زال بحمد الله تعالى من زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن، ولا يزال حتى يأتي أمر الله المذكور في الحديث. (4صحيح مسلم بشرح النووي» (7/77) شرح الحديث رقم (1920))

وهذا الذي قاله النووي يصدّقه الواقع التاريخي.

وكون هذا الوصف ملازمًا لها يثمر في قلب المسلم التفاؤل والأمل بنصرة هذا الدين والتمكين لأهله وإن كانوا في بعض الأزمنة أو الأمكنة مستضعفين، وهذا ينفي اليأس والإحباط عن القلوب؛ فلا يتطرق إليها في حالات الضعف وانتفاش الباطل.

وإذا أيقن المسلم بوجود الحق وأهله واستمراره وعدم انقطاعه؛ فإن هذا الشعور يدفع المسلم إلى البحث عن هذه الطائفة ولزوم غرْزها والانتماء إليها ونصرتها والصبر على ذلك كله.

الصفة الثانية:

كونها طائفة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم

جاء في روايات الحديث لفظ «طائفة» كما جاءت ألفاظ متعددة ومرادفة لكلمة «الطائفة» فجاء في أكثر الروايات «لا تزال طائفة»، وفي بعضها: «لايزال ناس» وفي بعضها: «لا يزال قوم»، وأخرى بلفظ: «لا يزال من أمتي أمة»، وفي لفظ: «لا يزال لهذا الأمر أو على هذا الأمر عصابة»..

وكل هذه الألفاظ متقاربة المعنى، والاختلاف بينها اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد.

دلالات ألفاظ الحديث

ووصْفُها بأنها «طائفة» أو «قوم» أو «ناس» أو «عصابة» من «أمة محمد» صلى الله عليه وسلم يشمل عدة معان ودلالات:

الأول: كونها جزءًا من هذه الأمة كلها

وهذا ما يفهم من كلمة «طائفة» ومن جملة «من أمتي»؛ حيث إن الطائفة هي الجماعة من الناس وجاء تأكيد هذا بلفظ «مِن» التبعيضية؛ وهذا يبين أنهم فئة من المسلمين خصها الله تعالى بصفات محمودة واصطفاها لنصرة دينه، وليست الأمة كلها.

قال الفيروزآبادي:

والطائفة من الشيء: القطعة منه، أو الواحد فصاعدًا أو إلى الألف وأقلها رجلان أو رجل. (5«القاموس المحيط» (ص750)، مادة (ط و ف))

وقال أيضًا:

القوم: الجماعة من الرجال والنساء معًا أو الرجال خاصة أو تدخله النساء على تبعية. (6نفس المصدر (ص1039) مادة (ق و م))

وقال عن العصابة:

هم ما بين العشرة إلى الأربعين. (7نفس المصدر (ص107) مادة (ع ص ب))

والمقصود من العدد: إن كان مرادًا من ألفاظ الحديث أقل ما يكونون عليه، وإلا فقد جاء ذكرها في الأحاديث مطلقةً غير محددة بعدد، وهذا يُفهِم معنى الكثرة، والكثرة هنا لا يلزم منه لا لغة ولا شرعًا أغلبية العدد وأنهم أكثر من غيرهم.

قال السندي في «شرح سنن ابن ماجه» في المقدمة:

الطائفة: الجماعة من الناس، والتنكير للتقليل أو التعظيم لعظم قدرهم ووفور فضلهم.

ويحتمل التكثير أيضًا فإنهم وإن قلّوا فهم الكثيرون فإن الواحد لا يساويه الألف بل هم الناس كلهم. (8«شرح سنن ابن ماجة» للسندي (1/ 7))

والجمع بين قول من قال: إن تنكير الطائفة يفيد القلة وقد يفيد الكثرة والتضخيم أن يقال: إن ذلك حسب أحوالهم؛ فقد يكونون قلة في بعض الأزمان كثيرون في غيرها، والله أعلم.

الثاني: شرفها وفضلها

إذا تبين أن هذه الطائفة التي أثنى عليها الرسول صلى الله عليه وسلم هي جزء من أمة المسلمين وليس الأمة كلها؛ فإن هذا يُظهر لنا فضلها وشرفها على من سواها من أمة الإسلام، وأنها تمثل مركز الكمال البشري في سيرتها وسلوكها وجهادها لكمال اتباعها للمنهج الحق الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وهذا يذكّر بحديث الفرقة الناجية الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين فرقة وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة» قالوا: من هي يا رسول الله قال: «ما أنا عليه وأصحابي ». (9رواه الترمذي (2641) وقال: «هذا حديث حسن غريب» وحسنه الألباني في «الصحيحة» (1348))

علاقة الطائفة المنصورة بالفرقة الناجية

وهنا قد يثور سؤال، بل قد وُجد، ألا وهو: هل الطائفة المنصورة هي الفرقة الناجية أم هي جزء منها فهي صفوتها وذروتها في المعتقد والعمل والصبر والإيمان؟

وبعيدًا عن الجدل الدائر حول هذا السؤال وحرصًا على أن تكون هذه الدراسة تربوية بعيدة عن التنظير والمعرفة الذهنية الباردة أقول وبالله التوفيق:

دوائر أهل الاسلام

إن هناك ثلاث دوائر تمثل أهل الإسلام وبعضها أكمل من بعض:

أهل القبلة

فأما (الدائرة الأولى): وهي أوسعها فهي دائرة أهل القبلة ويدخل تحتها أهل الإسلام المتبعين والمبتدعين ممن ليست بدعهم مكفرة؛ فهؤلاء هم أهل القبلة الداخلين في دائرة الإسلام.

أهل السنة

وأما (الدائرة الثانية): وهي أضيق من الأولى؛ حيث تضم أهل السنة والجماعة وهم الفرقة الناجية المتبعين غير المبتدعين، ويخرج عن هذه الدائرة الفرق المبتدعة من أهل القبلة.

الطائفة المنصورة

وأما (الدائرة الثالثة): فتشتمل على الكُمَّل من أهل السنة والفرقة الناجية وهي الطائفة المنصورة التي حققت كل صفات الفرقة الناجية وضمت إلى ذلك قيامها بنصرة منهج الحق والدعوة إليه وتعليمه والجهاد في سبيله.

وهم الذين عناهم الله عز وجل في قوله: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104).

ويؤيد ما ذكرته آنفًا كلامٌ نفيس للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى يقول فيه:

فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون من أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فيهم غرباء.

والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة.

ولكن هؤلاء هم أهل الله حقًّا فلا غربة عليهم وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (الأنعام: 116).

فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه، وغربتُهم هي الغربة الموحشة وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم. (10«مدارج السالكين» (3/ 196))

الطائفة المنصورة جزء من الفرقة الناجية

والحاصل: أن الطائفة المنصورة جزء من الفرقة الناجية وليست خارجة عنها، لكنها تميزت بالقيام بنصرة الدين والصبر على ذلك، وكونُهم غرباء لا يعني أنهم قِلة أو كما يتعصب بعض المنتسبين لأهل السنة والجماعة فيحصر هذه الطائفة في مجموعته أو جماعته ويحجر واسعًا.

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في أصناف الطائفة المنصورة:

ويحتمل أن هذه الطائفة مفرَّقة بين أنواع المؤمنين..

منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير.

ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين بل قد يكونون متفرقين في أقطار الأرض. (11«شرح النووي على صحيح مسلم» (5/58، 59))

وكلام النووي هذا يؤكد أنهم طائفة من أهل السنة أخذت على نفسها الفقه في الدين والدعوة إليه والجهاد في سبيل الله تعالى؛ لنشره وليكون الدين كله لله.

ومعلوم أن الفرقة الناجية وأهل السنة والجماعة، يدخل فيهم عوامهم بل وفُسّاقهم ممن هم على معتقد أهل السنة وسلوكهم بالجملة، لكنهم مشغولون بالدنيا ومتاعها ولا همَّ لهم ولا مشاركة في نصرة الدين وأهله.

ولفظ «الطائفة» فيها معنى الاجتماع والتعاون والارتباط والانطلاق من منهج واحد ثابت، ويؤيد ذلك ما جاء في بعض روايات الحديث: «عصابة».

الصفة الثالثة:

كونها على الحق والصراط المستقيم قائمة بأمر الله

وهذا يؤخذ من وصفه صلى الله عليه وسلم لهم في حديث الطائفة المنصورة بأنهم «على الحق»، أو كما جاء في بعض الروايات: «قائمة بأمر الله»، «على أمر الله»، «على الدين»، وكل ما ورد في هذه الروايات.

فالمقصود من هذا الوصف التمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في المعتقد والسلوك والعبادة وحملهم لراية الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يفيد هذا الوصف الثبات على ذلك.

قال ابن منظور في «لسان العرب»:

والقائم بالدين: المتمسك به الثابت عليه. (12«لسان العرب» (5/3783) مادة (ق و م))

وهذا يقتضي أنهم أهل علم وفقه ونصرة وأهل إخلاص وقصد حسن.

أما غيرهم من عوام الناس فلا يأخذون القيام بأمر الله منهجًا فقد يفتر بعضهم في أدائه لبعض الواجبات، أو تعجز نفسه فيدعي أنه لا يملك لتأدية الواجب حيلة، ويرى بعضهم الآخر أن غيره يوفي بالفرض الكفائي، فلا علاقة له به.

وآخرون منهم يكونون أبعد الناس عن المستحب تهاونًا به، ويتعذرون بأنه لا إلزام فيه، وناس منهم يصرّون على المعاصي.

فهيهات بين من يطمح أن يكون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وبين من غاية أمانيه أن ينجو يوم القيامة من الهلاك ولو على خطر. وهذا هو الفرق بين تلك الطائفة والفرقة الناجية التي وردت في حديث تفرق أمة محمد صلى الله عليه وسلم كتفرق اليهود والنصارى؛ إذ كل مسلم ناجٍ إن تغمده الله برحمته، ولكن ليس كل مسلم مع الذين أنعم الله عليهم. (13انظر: «شرح حديث لاتزال طائفة من أمتي» د. إبراهيم سلقيني (ص46، 47))

الخارجون عن وصف الطائفة المنصورة

وبهذه الصفة المميزة للطائفة المنصورة يخرج عنهم كل مخالف معادٍ لهم كما يخرج عنهم كل مبتدع مخالف لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

ويخرج عنهم كل منافق خائن لدينه وأمته، وأخُص منافقي زماننا من دعاة العلمانية والليبرالية والقومية والوطنية الجاهلية وغيرهم.

كما يخرج عنهم كل مخذِّل مثبط لهم أو ساخر منهم ولو كان بالجملة على معتقد أهل السنة.

كما يخرج عنهم كل حزبي متعصب يعقد الولاء والبراء على حزبه يعادي عليه ويوالي عليه.

كما يخرج عنهم كل صاحب هوى ورياء ومن قصْدُه الدنيا وزينتها؛ لأن أهم صفات القائم بالحق الإخلاص وحسن القصد.

الاتباع للسنة هو الوصف الجامع

ونظرًا لاتباع هذا الطائفة للحديث والأثر وكونها معظِّمة لنصوص الوحيين عاملين بها؛ فقد جاء وصفهم بعدة صفات ترجع إلى وصف واحد ألا وهو «الاتباع وعدم الإبتداع»؛ وذلك لكونهم أهل علم وفقه وحديث وأثر وأهل دعوة وإصلاح في الأمة.

قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة عند التبويب للحديث ورواياته:

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق يقاتلون» وهم أهل العلم. (14«صحيح البخاري» (9/ 101))

ومستنده في تخصيص تلك الطائفة بأهل العلم هو الحديث الثاني من أحاديث الباب عنده، وهو قول معاوية رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم ويعطي الله، ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله». (15«صحيح البخاري» (7312))

ووجه هذا التخصيص ـ والله أعلم: ما ذكره الكرماني رحمه الله تعالى في قوله:

يؤخذ من الاستقامة المذكورة في الحديث الثاني أن من جملة الاستقامة أن يكون التفقه، لأنه الأصل.

وبهذا ترتبط الأخبار المذكورة في حديث معاوية؛ لأن الاتفاق لابد منه. (16«فتح الباري» (17/124) في شرح حديث «لاتزال طائفة»)

وقال الترمذي:

قال محمد بن إسماعيل البخاري: قال علي بن المديني: «هم أصحاب الحديث. (17«سنن الترمذي» (2192))

وقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى:

إن لم تكن هذه الطائفة المنصورة أصحاب الحديث فلا أدري من هم. (18«معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص3))

قال القاضي عياض موضحًا مراد الإمام أحمد:

إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة، ومن يعتقد مذهب أهل الحديث. (19«الديباج على صحيح مسلم بن حجاج»)

ومقولة القاضي هذه تزيل الإشكال الحاصل في تخصيص أهل الحديث دون غيرهم من الفقهاء والزهاد والعُبّاد والمجاهدين.

قال الإمام البخاري في كتاب «خلق أفعال العباد» بعد إيراد قوله تعالى: ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: 143):

هم الطائفة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون». (20سبق تخريجه)

وساق الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى بسنده إلى أحمد بن سنان وذكر حديث: «لاتزال طائفة من أمتي على الحق» فقال:

هم أهل العلم وأصحاب الآثار. (21«شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي» (ص53))

ولا يفهم من هذه النُّقولات أن هذه الطائفة محصورة بأهل الحديث المهتمين بتخريجه وتحقيقه وقواعده، وإنما المقصود المتبعون للحديث والآثار، في مقابل أهل الكلام، غير خارجين عنها أو معارضين لها بعقل أو رأي أو ذوق أو سياسة.

وسبق قول الإمام النووي رحمه الله تعالى:

قلت: ويحتمل أن هذه الطائفة مفرقة بين أنواع المؤمنين..

منهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع أخرى من الخير.

ولا يلزم أن يكونوا مجتمعين، بل يكونون متفرقنين في أقطار الأرض. (22«صحيح مسلم بشرح النووي» (7/ 77))

خاتمة

مرَّ بنا في هذا المقال تعريف ببعض خصائص الطائفة المنصورة؛ من حيث الدراية. للجمع بين الرواية والدراية كما هو مأخذ أهل السنة. والله تعالى الموفق والناصر لهذه الأمة.

………………………………………..

هوامش:

  1. انظر شرح حديث «لاتزال طائفة» (ص68) د. إبراهيم سلقيني.
  2. هذه اللفظة رواها سعيد بن منصور في «سننه» (2/ 178).
  3. «شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (1/ 152).
  4. «صحيح مسلم بشرح النووي» (7/ 77) شرح الحديث رقم (1920).
  5. «القاموس المحيط» (ص750)، مادة (ط و ف).
  6. نفس المصدر (ص1039) مادة (ق و م).
  7. نفس المصدر (ص107) مادة (ع ص ب).
  8. «شرح سنن ابن ماجة» للسندي (1/ 7).
  9. رواه الترمذي (2641) وقال: «هذا حديث حسن غريب» وحسنه الألباني في «الصحيحة» (1348).
  10. «مدارج السالكين» (3/ 196).
  11. «شرح النووي على صحيح مسلم» (5/ 58، 59).
  12. «لسان العرب» (5/ 3783) مادة (ق و م).
  13. انظر: «شرح حديث لاتزال طائفة من أمتي» د. إبراهيم سلقيني (ص46، 47).
  14. «صحيح البخاري» (9/ 101).
  15. «صحيح البخاري» (7312).
  16. «فتح الباري» (17/ 124) في شرح حديث «لاتزال طائفة».
  17. «سنن الترمذي» (2192).
  18. «معرفة علوم الحديث» للحاكم (ص3).
  19. «الديباج على صحيح مسلم بن حجاج».
  20. سبق تخريجه.
  21. «شرف أصحاب الحديث للخطيب البغدادي» (ص53).
  22. «صحيح مسلم بشرح النووي» (7/ 77).

لقراءة بقية السلسلة:

  1. المقال الأول
  2. المقال الثاني
  3. المقال الرابع
  4. المقال الخامس
  5. المقال السادس
  6. المقال السابع
  7. المقال الثامن

لتحميل البحث كاملا على الرابط التالي:

0 0 votes
تقييم المقالة

التعليقات معطلة.