الخروج من الوباء، والتوبة المخادِعة


زمن القراءة ~ 4 دقيقة 

لما كان البلاء مرتبطا بالذنوب، ولما كان رفع البلاء مرتبطا بالتوبة كان لا بد من النظر في التوبة المطلوبة في الوقت الآني لرفع البلاء؛ ومن ثم يجب تحديد مجالات الانحراف الواجب الخروج منها.

مقدمة

انبرى في الفترة الأخيرة الكثير من “المخادعين” ممن ينتسبون الى العلم والدعوة؛ يصعدون المنابر أو يبثون فيديوهات مصورة، يبحّون فيها كأنهم يبكون، أو يتباكون، ويطالبون الناس بالتوبة الفردية من ذنوب لا يعرفها الواعظ ولا الموعوظ، والجميع متكتم على الذنوب والجرائم الحقيقية التي تُسبب للناس سوء أوضاعهم العامة والبلاءات المتتالية والوباء والطواعين وتحكّم ظلمة بني آدم فيهم..

والناس تنخدع بهذا الوعظ الموهوم، ويرون أن هؤلاء النصابين المتلوثة أيديهم وألسنتهم بجرائم لا زالت قائمة باقية وآثارها مرة بشعة ـ يرون أنهم قاموا بما عليهم من واجب..! وأن عليهم التوبة؛ فيتبادر لأذهان الناس بعض المخالفات التي “يسمحون” أن يسموها مخالفات ومعاصي..! ويقرّون بها؛ دون جرائم كبرى يتهرب الناس منها ولا يريدون سماع الإنكار فيها؛ بينما الداء مرتبط بها.

ولهذا نقول..

مجالات الانحراف الواجب التوبة منها

إن المصائب العامة التي تصيب الأمم في الغالب لا تكون عقوبة لذنب فردي قام به شخص ما فحسب؛ بل تكون العقوبات في الغالب متعلقة بـ:

الشرك الأعظم، ومنه شرك التشريع

بتحليل الحرام وتحريم الحلال وإسقاط الفرائض وتبديل الشرائع، وهي جريمة التشريع من دون الله، وهو ما تضمنته القوانين المبدلة التي لا تستمد من الشريعة كمصدر وحيد للتشريع ولا تشترط إسقاط ما خالف الشريعة من القوانين.. وهو واقع اليوم في بلدان المسلمين فضلا عن بلدان الغرب.

وكذلك بقية مظاهر الشرك بالله تعالى، من شرك النسك، والتولي بغير ولاية الإسلام وجعل الولاء الوطني مقدَما على الولاء للإسلام والانتماء اليه.

وفي هذا يأتي ذكر سجن أولياء الله من المؤمنين والدعاة والعلماء، وتعذيبهم بل وقتلهم، نقمة منهم أنهم يدعون الى هذا الدين بحقيقته التي أنزلها الله وتُغضب الطواغيت.

وفي هذا المناط جاء ذكر القرآن لما دمر الله على الأولين من الأمم السابقة.

جريمة التواطؤ على المعاصي وانتشارها

تواطؤ الجماهير ـ ولو مسلمة ـ على منكرات تشيع بينهم فيتواطؤون عليها دون إنكار، بل تصبح بينهم “معروفا” بحيث يُستنكر على من دعا الى تغييرها وأنكر عليهم وأمرهم بما يأمرهم الله .. مثال ذلك في تواطؤ عموم الناس على تبرج نسائهم وبناتهم وأخواتهم..

وفي هذا جاءت الأحاديث التي تحذّر من ترك المنكر بلا إنكار، وتتوعد أن يعمنا الله بعقاب إن لم نتناهى عن المنكر ونتآمر بالمعروف..

جريمة “القِلة” التي لا ينكرها القادرون

أن يكون بينهم “قِلة” تقوم بالمنكر، و”كثرة” تملك الإنكار ولا تنكر؛ وفي هذا جاء الحديث الذي في البخاري «إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة». وفي هذا أيضا جاء الحديث: «أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم؛ إذا كثر الخبث».

أما الذنوب الفردية فغالب العقوبة فيها تخص صاحبها. إلا ما شاء الله.

جريمة المخادعين

أما “المخادعون” من الدعاة وعلماء السوء فإنهم لا يتطرقون الى تبديل الشرائع والتشريع من دون الله ولا لأوضاع العلمانية الحاكمة ولا الإباحية المقننة، ولا إسقاط الأحكام الشرعية واستحلال الحرام قانونا وتشريعا، ورفض رد الأمر الى الله وحده، بل واستنكار ذلك.

بل هم من دعا الناس الى قبولها ودافع عن أصحابها وأعطاهم الشرعية وأخضع الناس لهم بالزور..!

ولا يتكلمون عما شاع من منكرات إن أنكروها على الناس ضج الناس بهم واستنكر أصحاب السلطان عليهم؛ لأن أصحاب السلطة يريدون شيوعها، والناس تركن الى هذه المنكرات وترفض إنكارها عليهم، وترى الإنكار عليهم “جرحا لمشاعرهم..!” لا يجوز..!

هذا إن لم يكن الوعاظ أنفسهم واقعين في هذه المنكرات هم وأُسرهم؛ بل وإن لم يكن دعاءة السوء أنفسهم واقعين في المكفرات؛ فبعضهم قال مكفرات علانية، وأخضعوا الناس للأنظمة العلمانية وساندوا محاربة الإسلام وشريعته وأعطوا شرعية للعلمانية..

ولا يتكلم دعاة السوء عمن يُشيع الإلحاد ويدعو اليه في وسائل الإعلام، ولا يستنكر على من يدعو للتعري والعلاقات المحرمة.. ثمة امرأة مثلا تظهر في الإعلام علينا أمام الناس ووتقول “إن الداعية فلان ضحك على بناتنا ولعب في عقولهم وجعلهن يلبسن الحجاب..! حتى أفاقوا وعرفوا خطورته وخلعوا الحجاب..!!” وأمثالها كثير وكثير بلا إنكار ولا غضب لله تعالى، وآخرون يتقافزون بين القنوات يطعنون في الله تعالى ويشككون في وجوده، وفي القرآن وصحته وإعجازه، وفي النبي صلى الله عليه وسلم وفي عصمته وعلمه وأعماله، وفي الخلفاء الراشدين الكرام، وفي الفتوح الإسلامية، وفي التاريخ الإسلامي كله، بل في حق الإسلام في الوجود..!

وهؤلاء لا مُنكِر عليهم؛ فهم في حرية تامة بلا نكير، وأمان تام بلا خوف، وفي إعلان لما يقولون بلا إنكار ولا معارضة ولا اعتراض من علماء السوء الذين يبكون اليوم ويصرخون في الناس..!.

فالعلماء والوعاظ المخادِعون لا ينكرون هذه الجرائم التي تشمل العقيدة، وتواطؤ الناس، ودعوة الأفراد الى الجرائم الكبرى.. ولا يعظون الناس فيها ولا يعظون المؤسسات القائمة عليها.

والعلماء والوعاظ والدعاة المشترون للدنيا القريبون من السلطة الموافقون لها لها على جرائمهم كثير منهم ـ بأهليهم ـ واقعون في هذه الجرائم..!

ومن ناحية أخرى فالمجتمع نفسه في حالة قبول لهذه الجرائم أو مهادنة لها أو تعايش معها أو في سبيله لتجرّع هذه الجرائم واستساغتها، بينما أبناؤه يعُبّون منها عَبّا..!!

والمجتمع نفسه يعايش جرائم الأفراد وهي ظاهرة منتشرة فلا ينكر عليهم.. فقد ضعفت الغيرة والإنكار، وغُلت يد الناس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الأوْلى بالتوبة

ومن هنا؛ فإن بحة الأصوات، والتباكي من المجرمين الذين لا تزال تقطر أيديهم بدماء المسلمين، ولا زالت أيديهم تلف القيود على عشرات الآلاف المسلمين، ولا زالت تحمي تبديل الشرائع وشيوع الإلحاد والطعن في الدين، وتحمي تبديل الأخلاق، والتي لا يزال جرس أصواتهم وهي تدلي بالشبهات الباطلة لتبرير العلمانية وجرائمها، والتي بأصواتهم وشبهاتهم سارت الجموع خلف جزاريها وسارقيها وحاربت أبناءها ودينها وهويتها..

عندما يبكون اليوم بهذا الوعظ المعوجّ لسد “خانة دينية” يقومون بها في هذا “الظرف”؛ فهي جريمة جديدة ونصب جديد على الناس إذ لا يقتربون من الجرائم الجماعية ولا المؤسسية ولا ما توطأ الناس عليه، ولا ما يقوم به أفراد وتسكت عنه الجموع..

ليس “النصاب” فقط من يسرق من الناس أموالهم؛ بل الأشد منه من يسرق من الناس أديانهم وآخرتهم؛ فإذا لقوا الله رأوا أنه أضلهم ويكشف الله لهم أنهم اتبعوه عن غواية في نفسوهم لا لطلب الحق..

خاتمة

من أراد تفريج الكروب العامة فليراجع الذنوب الخاصة لنفسه والعامة لمجتمعِه؛ وإذا قال “لا أملك إلا نفسي”؛ فتوبته الفردية أن يصحح موقفه من الأوضاع العامة والجماعية؛ فيرفض تبديل الشرائع ويرفض محاربة هوية الإسلام ويرفض المنكرات العامة ولا يتلبس بها ولا يسمح لأهله بها، ولا يستمع لدعاة الباطل، ولْيشهدِ اللهَ بكراهته لما خالف دينه من هويةٍ وشريعةٍ، ومن قيم وأخلاقٍ، ومن صبغة ومشرب، ولا يخذل الإسلام وأهله وقضاياه.

ليس هذا من أجل “الكورونا” فقط، بل من أجل الواقع التعيس الذي يعيشه الناس، والبلاء المتتابع، والآخرة التي تقترب..

……………………………..

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.