التعاظم والتكبر ينافي العبودية


زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

موجب العبودية الخضوع لله وعدم منازعة صفات ربوبيته سبحانه، ومهما كان السبب الذي أغرى العبد بهذا فهو منة من الله. وعند المخالفة يصاب العبد بالذل والألم ليعود الى ربه ويصلح حاله.

مقدمة

إن مما ينافي العبودية أن ينسى العبد أنه عبد، وأنه مقهور ومربوب مملوك لله تعالى. فإنه كما احتاج إلى ربه في أصل وجوده وخروجه الي هذه الحياة، فهو محتاج إلى ربه يُصلحه ويعافيه ويُحْييه ويطعمه ويسقيه ويدفع عنه، وهذا الاحتياج بعدد الأنفاس، وبعدد اللحظات التي تمر عليه، وبعدد كل خلية في جسده.

وعندما يفهم العبد هذا المعنى ويستحضره ويعيشه ـ لأنه الحقيقة ـ يُبقيه منكسرا لله تعالى خاضعا له، فإن تعاظم أو تكبر فقد نازع الرب تعالى في صفاته، وحُق لمثله أن يُرد إلى ما تقتضيه نفسه الظالمة الجاهلة، فرُد إلى مكْمن الشر والى الضعف والعجز والعورة والخطيئة، وكان ما يترتب على الذنب من الشرور التي أهلكت أمما من قبله لا أشخاصًا ضعافا فحسب.

روى البخاري في الأدب المفرد عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: «العز إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني بشيء منهما عذبته». (1الأدب المفرد، جـ1، ص 194، قال الشيخ الألباني: صحيح)

وروى أبو داود الطيالسي عن الأغرّ أبي مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم  قال: يقول الله تبارك وتعالى: «العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدة منها قذفته في جهنم». (2مسند الطيالسي، جـ1، ص 314، برقم 2387)

فمما ينافي العبودية أن يأخذك الغرور والعُجب إن أُنعم عليك بشيء من الغنى أو شهادة علمية أو منصب أو لقب، أو فهْم أو ذكاء أو صورة حسنة ـ خاصة في حالة النساء ـ أو أبناء أو مسكن حسَن أو زيجة طيبة أو غير ذلك من أمور الدنيا تُرزق بها فيصيبكَ ـ أو يصيبكِ ـ نوع من العُجْب أو الغُرور أو الكِبْر.. وأحيانا “العجرفة”..!!

وأحيانا يتكبر البعض بلا سبب كما في العائل ـ الفقير ـ المستكبر..!! روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ـ قال أبو معاوية (أحد رواة الحديث) «ولا ينظر إليهم» ـ ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، وملك كذاب، وعائل مستكبر». (3صحيح الإمام مسلم، جـ1، ص 102، رقم 107. (وعائل) العائل هو الفقير، والمشترك في الثلاثة أن داعي المعصية ضعيف؛ فلماذا يكذب ملك لا يخاف أحدا من رعيته..؟ ولماذا يزني شيخ كبير السن قد فترت عنده الرغبة والشهوة..؟ ولماذا يستكبر فقير ذو عيال لا يجد ما يسد رمقه..؟!)

فمن نازع ربَّه سبحانه وتعالى في شيء من هذه الصفات؛ العظمة والكبرياء، بكِبْر أو تعاظم أو عُجْب أو فخر أو خُيلاء أو احتقارٍ للخلْق أو النظر إليهم بعين الازدراء، كان هذا مناقضا لقولك «اللّهمّ إني عبدُك».

من أسباب الكِبر على الخلق

تكبر من يرى احتياج الخلق له

وقد تجد أحيانا بعض من لهم مناصب يتعامل وكأنه (إله)، وعندما يتعامل معه أصحاب الحوائج يريد منهم أن يُنزلوا عليه صفات الربوبية، وأن يتذللوا له ويخضعوا..! ولو أغضبه بعضهم ولو بطلب حاجته وحقِّه بعِزة، وجدت من التمرد والتسلط ما تعجب منه.

فمثل هذا يحتاج..! ـ إن كان فيه خير ـ إلى أن يُصاب بمطارق القدَر تضربه على رأسه بـالهموم والأحزان وغيرها من البلاء، فإذا كسرَتْه وأراد التخلص منها لا يجد إلا أن يعود مطأطئ الرأس خاضعا يقول لربه سبحانه وتعالى وهو صاغر «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ».

وقد ذكر تعالى عن بعض عباده أنه يطغي عندما يرى نفسه مستغنيا كمن قال تعالى فيه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ﴾ [العلق:5] فذكَر طغيان العبد، وذكر سبب الطغيان وهو أنه رأى نفسه مستغنيا عن ربه تعالى..

فلا يليق بك كِبر ولا عجب ولا غرور ولا خروج عن مقتضى العبودية أبدا؛ فلست مالكا لنفسك..! فلم تخلقها ولم ترزقها ولم تعافها، والله تعالي أوْلى بك من نفسك، وهو عنك غنىّ لا يتكثّر بطاعة ولا يتعزّز بعابد، وإنما أنت الفقير لطاعة أمره، وخروجك عن هذا المقتضى ضرر لك، فمِن فضْل الله عليك ورحمته أن يصيبك بهذه المطارق، وعندما تُصاب بها تذكَّر، لِمَ؟ وستعلم أين خرجت عن مقتضى العبودية، ومن أين أُتيت.

فمن أصيب فرجع وتذلل ونفض عن نفسه ما علق بها مما لا يليق بها وبحالها كان هذا سببا للخروج مما نزل به.

هل يفخر أحد بالعلم الشرعي..؟

وهنا نقطة مهمة يجب أن نذكرها، وهي أنه هل يمكن أن يفخر الإنسان أو أن يبغي على أحد بعلم شرعي..؟! على الرغم من أن العلم الشرعي سبب الخير! وهل من الممكن أن يأخذ بعض الناس العلم الشرعي على هذا النحو من الكبر على الخلق والازدراء لهم والنظر إليهم بعين الاحتقار..؟!

نعم يمكن هذا، وقد رأيناه، وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ومن أشباهه مما يوجب العلو على الناس بسبب ارتفاع علم أو عمل عليهم..!

وروى ابن ماجه عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار». (4سنن ابن ماجه، جـ1، ص 93. رقم: 253 في الزوائد إسناده ضعيف لضعف حماد وأبي كرب. قال الشيخ الألباني: حسن)

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم».

وجاء في شرح الحديث:

“«فهو أهلكهم» روى “أهلكهم” على وجهين مشهورين رفع الكاف وفتحها، (أهلكُهم، أهلكَهم) والرفع أشهر، قال الحميدي في الجمع بين الصحيحين: الرفع أشهر، ومعناه: أشدهم هلاكا، وأما رواية الفتح فمعناها هو جعلهم هالكين لا أنهم هلكوا في الحقيقة.

واتفق العلماء على أن هذا الذم إنما هو فيمن قاله على سبيل الازدراء على الناس واحتقارهم وتفضيل نفسه عليهم وتقبيح أحوالهم، قالوا فأما من قال ذلك تحزنا لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في أمر الدين فلا بأس عليه، وقال الخطابي: معناه لا يزال الرجل يعيب الناس ويذكر مساويهم ويقول “فسد الناس” و”هلكوا” ونحو ذلك، فإذا فعل ذلك فهو أهلكهم أي أسوأ حالا منهم بما يلحقه من الإثم في عيبهم والوقيعة فيهم وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم”. (5صحيح مسلم، جـ4، ص 2024، برقم 139. وقال: قال أبو إسحاق لا أدري أهلكَهم بالنصب أو أهلكُهم بالرفع)

فالعلم الشرعي يجب ألا يكون سببا لازدراء الآخرين أو النظر بعين الاحتقار؛ فمن يحفظ كتاب الله تعالى أو يتعلم القراءات، أو يحوز أبوابا من العلْم لا يفهمها كثير من الناس كالمواريث أو غيرها، أو في الأصول، أو في العقائد وغيرها، أو يحفظ بعض متون العلم.. أو يحفظ أقوال أهل العلم في بعض المسائل أو يعرف مآخذ المسائل..

هذه الأمور كلها لا تُوجب للعبد الفخر على من لا يعلم، بل توجب له استعظام نعمة الله سبحانه وتعالى والامتنان والتذلل لله سبحانه وتعالى بها؛ فقد رأينا الملائكة تقول لربها تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:32]..

وهذا يجب أن يكون حال كل من يحمل قدرا من العلم، وقد نص سبحانه أنه هو المعلم لعبيده فقد قال تعالي: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ [البقرة:282] وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:282] فالذي علم العبد الكتابة في الآية الأولي هو الله؛ فهو أجرى أسباب ذلك التعليم ورتب أقداره وخلق المسبَب.

والذى علم العلم عموما هو الله تعالى بما أجراه من الأسباب وما يسره للعبد وهيأه له من القوى والإدراك والأحوال المحيطة به بوجود المعلم وتهيئة الظروف والأسباب المعينة، فالله سبحانه وتعالى هو الذي علَّم، فيجب نسبة علمه لرب العالمين سبحانه وتعالى.

وقال سبحانه وتعالى في آية الكرسي ـ أعظم آية في كتاب الله ـ: ﴿..وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:255].

فحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى أو حفظ قدر من الحديث أو المتون أو نصوص لأهل العلم فهذه نعمة أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليك، حتى لو كان الأمر لا يتم إلا بسعي من العبد، فلولا تيسير الله ما تيسر ولو بذلْت ما بذلت؛ فـالطَّاعة نعمة؛ لكن هل يجوز وهل يليق أن يمن عبد علي ربه بهذه الطاعة..؟

خاتمة

تتسلل للنفوس مشاعرٌ من الكبر أو العجب أو الفخر، بأسباب واهبُها هو الله تعالى، وهو من سوء النفوس ومما كمُن فيها من سوء، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول في خطبته «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا».

ولهذا يجب تعهد النفس بالرقابة والمتابعة، ونفي ما تسلل اليها من معاني تنافي العبودية، وتجديد وتحقيق حالة التعبد لله تعالى؛ فهذا خير للعبد وإلا أجلب عليها البلاء والعقوبة، حزنا وألما وهموما وغموما؛ فما جاء شيء من ذلك إلا بإصابات العبد للذنوب. والكبرُ أحدها بل من أعظمها منافاة للعبودية. والله تعالى العاصم.

…………………………….

الهوامش:

  1. الأدب المفرد، جـ1، ص 194، قال الشيخ الألباني: صحيح.
  2. مسند الطيالسي، جـ1، ص 314، برقم 2387.
  3. صحيح الإمام مسلم، جـ1، ص 102، رقم 107.
    (وعائل) العائل هو الفقير، والمشترك في الثلاثة أن داعي المعصية ضعيف؛ فلماذا يكذب ملك لا يخاف أحدا من رعيته..؟ ولماذا يزني شيخ كبير السن قد فترت عنده الرغبة والشهوة..؟ ولماذا يستكبر فقير ذو عيال لا يجد ما يسد رمقه..؟!
  4. سنن ابن ماجه، جـ1، ص 93. رقم: 253 في الزوائد إسناده ضعيف لضعف حماد وأبي كرب. قال الشيخ الألباني: حسن.
  5. صحيح مسلم، جـ4، ص 2024، برقم 139. وقال: قال أبو إسحاق لا أدري أهلكَهم بالنصب أو أهلكُهم بالرفع.

اقرأ أيضا:

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments