”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

إنجازات عمر بن الخطاب الحضارية .. من القضاء الى الدواوين

يجب النظر الى سيرة عمر رضي الله عنه بمأخذ الوضع المؤسسي القابل للتكرار والتطبيق بمستوياتنا البشرية العادية؛ في نظام القضاء والدواوين والأموال. وهي أحكام أمرنا الله بها ويعاقبنا إن فرطنا فيها.

مقدمة

أسباب الاهتمام بسيرة “الفاروق”

هناك أسباب كثيرة ـ بخلاف الأسباب الشرعية المشهورة ـ تدعونا للاهتمام بالخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضى الله عنه، منها: اجتهاداته الكثيرة في قضايا مهمة ما تزال حية إلى اليوم مثل قضايا المال العام وكيف يتصرف فيه، كما أن اهتماماته بأمور المسلمين الحياتية المعاشية، واهتمامه بالبنية التحتية للدولة ـ كما يعبر عنها اليوم ـ تلفت النظر ونحن بحاجة إلى إعادة قراءتها.

وقد ضرب الله سبحانه لنا مثلاً في القرآن الكريم بالحاكم العادل القوي (ذي القرنين)، الذي عنده علم أيضًا بعمارة الأرض، ويدافع عن المظلومين، ويعاقب المجرمين، آيات بينات من سورة الكهف تتلى على مر الأيام والليالي؛ فإعادة سيرة عمر رضى الله عنه وخاصة في إنجازاته الحضارية ليس من باب التفاخر بالماضي ولكن لملاحظة التقصير في الضروريات، والاقتداء بشخصية عظيمة كعمر، وهو من الحكام العادلين المقتدى بهم.

ومن أسباب الاهتمام بعمر رضى الله عنه ما ظهر أخيرًا من الإيذاء للصحابة رضوان الله عليهم، وخاصة لعمر، وقد جاء في الأثر «إذا لعن آخر هذه الأمة أوَّلها، فمن كان عنده علم فليُظهره». وما سمعنا في الماضي والحاضر أن أمة تهدم تاريخها وتشوه تاريخها وتتعمد تحطيم عظمائها إلا هذه الفئة التي تتعمد نسف التاريخ الإسلامي كله؛ ولكن المنصفين من غير المسلمين يعظمون عمر رضى الله عنه ويعرفون قدره بين القادة والعباقرة، يقول الكاتب اللبناني مارون عبود:

“لا أحد يستطيع أن يتخيل النهضة العربية دون أن تمر أمامه صورة أبي بكر وعمر وعلي ومعاوية وهارون الرشيد…”.

وإذا أبعدنا هذا الجيل الذي ربّاه محمد؛ كيف سيكون أمر الدين؟ بل ما الحياة إن خلت من مثل أعلى والصحابة هم المثل الأعلى؛ فقد تميزوا بصفات لم تكن لغيرهم، فهم الذين نقلوا الوحي السماوي كله، فلم يسقط منه حرف، ونقلوا السنة النبوية فحفظوا بذلك الأصول النظرية للإسلام، وحققوا عالمية الرسالة عندما انساحوا في الأرض ينشرون الإسلام. إنه جيل عظيم بكل معاني العظمة، وعندما نصحب هذا الجيل فإنها نعمة كبيرة. يقول الإمام ولي الله الدهلوي:

“إن كل من يقرأ القرآن من المسلمين في يومنا هذا مدين في ذلك للفاروق العظيم”؛ لأن عمر هو الذي اقترح على أبي بكر جمع القرآن”.

والذين يؤذون الصحابة إنما يؤذون النبي؛ فهو الذي رباهم، وتوفي وهو عنهم راضٍ. ونحن ندعو في كل صلاة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ[الفاتحة: 6-7]، وأبو بكر من الذين أنعم الله عليهم كما في الآية ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ[النساء: 69]. وأبو بكر رضى الله عنه من الصديقين.

وإذا كان جيل الصحابة كما يصوره الحاقدون،؛ إذن فعلى الإسلام السلام، ولكن الإسلام باقٍ ـ والحمد لله ـ وظاهرٌ إن شاء الله، ونحن نُجلُّ الصحابة ونحبهم، بل هذا التقدير جزء من العقيدة الإسلامية.

“عمر” ـ رضي الله عنه ـ المؤسس

عندما يُذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتحدث الناس عن إسلامه الذي كان فتحًا، وعن عدله الذي بهر العقول، وعن تقواه وخشيته وتقشفه في ملبسه ومأكله. (يقول المؤرخ الأمريكي ول ديورانت واصفًا مجيء عمر إلى بيت المقدس: “وجاء الخليفة نفسه للتصديق على شروط التسليم، جاء من المدينة في بساطة أفخر من الفخامة” (1قصة الحضارة 13/ 76))، ويذكرون عمر الفاتح الذي فتحت في عهده بلاد الشام بأكملها والعراق وفارس وخراسان ومصر.. ويذكرون عمر المجتهد الفقيه، وقد وصفه الرسول بالعبقرية فقال: «لم أرَ عبقريًّا يفري فريّه»، ووصفه بأنه مُحدَّث (ملهم).

لن نتحدث عن شخصية عمر الذي يداوي إبل الصدقة بيده، ويمشي في السوق وحده؛ ومع ذلك يصل من هيبته أن القادة الكبار يفْرَقون منه، ولكن سنتحدث عن شخصية عمر المؤسس للدول، المخطِط للعمران، وعن اهتماماته الحضارية، الاجتماعية والاقتصادية، وهو جانب قد يغيب عن بعض الناس، وهو جانب لم يُشتهر به كما اشتهر في الجوانب الأخرى..

كيف كان يشغله أمور الناس المعاشية، وكيف كان يفكر فيما يُسمى اليوم (البنية التحتية). وهذا الجانب لا أقول تغفل عنه الدول فقط ـ أو لا تريد تنفيذه ـ ولكن تغفل عنه المؤسسات الإسلامية والجمعيات الإسلامية؛ فأين هؤلاء من اهتمامه بالنواحي الصحية للمجتمع الإسلامي وقد وسعَت سياسته كل ما جَدَّ وكل ما تطلبته حياة الناس..؟!

القضاء

لا تنتظم أمور الناس إذا لم يكن هناك قضاء مستقل، وقضاء في أعلى درجات النزاهة والتقوى والعلم والخبرة. وإن أُولى مقدمات التقدم الحضاري هو أن تقام إدارة للعدل مستقلة عن إدارة الحكم، ويُقال:

“أرني قوانين أمة، أدلك على حظها في الرقي أو الانحطاط”.

وقد قام عمر بفصل القضاء عن إدارة الحكم، وأقام المحاكم في كل ولاية، وعيّن القضاة حسب شروط معينة، وكان يختار القضاة بعد أن يختبرهم في علمهم وذكائهم، ورسالته في القضاء إلى الصحابي أبي موسى الأشعري تعتبر وثيقة قضائية بالغة الأهمية، وهذا نصها:

“أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسُنة متبعة، فافهم إذا أُدلي إليك، وأنفِذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع حق لا نفاذ له. آسِ بين الناس في مجلسك ووجهك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البّينة على من ادعى واليمين على من أنكر.

والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرّم حلالاً، ولا يمنعْك قضاءٌ قضيته بالأمس، فراجعت فيه نفسك وهُديت لرشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم لا يُبطله شيء، ومراجعة الحق خير لك من التمادي في الباطل.

الفهمَ الفهمَ فيما يتلجلج في صدرك، مما ليس في كتاب ولا في سنة، واعرف الأشباه والأمثال، ثم قِسِ الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبها لله، وأشبهها بالحق فيما ترى. المسلمون عدول في الشهادة بعضهم على بعض، إلا مجلودًا في حد أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة؛ فإن الله قد تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم الشبهات. وإياكم والقلق والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر للخصوم في مواطن الحق”.

قواعد مستفادة من رسالة القضاء

ويستنبط من هذه الرسالة:

1- معاملة الناس جميعًا بالمساواة.

2- يجب أن يحدد تاريخًا معينًا لتقديم الدعوى.

3- إذا لم يحضر المدعى عليه في التاريخ المحدد، يمكن أن يحكم في القضية غيابيًّا.

4- كل مسلم يصلح للشهادة عدا من وقع عليه عقاب أو ثبت كذبه في الشهادات.

ولم يكتفِ عمر بهذا، بل كان يكتب الفتاوى المتعلقة بالأمور المهمة والشائكة ويرسلها للقضاة بين الحين والآخر.

وقد وضع عمر كثيرًا من القيود لمنع وسائل الدخل غير المشروع فقرر الرواتب المناسبة، فقد كان راتب “سلمان بن ربيعة الباهلي” والقاضي “شريح” خمسمائة درهم شهريًّا، ولم يكن يسمح لأي قاض بالبيع والشراء والتجارة، وهذه هي القواعد التي تتبعها اليوم الدول المتقدمة بعد عهود من التجربة.

الدواوين والاهتمام بالنظام المالي في الإسلام

اتسعت رقعة الدولة زمن عمر رضى الله عنه اتساعًا كبيرًا، وأصبحت الحاجة مُلحّة لضبط الأمور، وخاصة في النواحي المالية؛ ولذلك أُنشئت الدواوين (الوزارات)، وهو ـ رضى الله عنه ـ أول من دَوّنها، فكان ديوان (الجند) وديوان (الخزانة) وديوان العطاء (التأمينات الاجتماعية).

وبعد فتح العراق واجه مشكلة تقسيم الأرض، فقد طلب الفاتحون أن تقسَم الأرض بينهم، وعارضهم في هذا الرأي.

وكان رضى الله عنه يتوخى الحذر في القضايا الكبيرة الاجتهادية، فكان لا يفصل في قضية دون أخذ رأي الصحابة، ويظل ثلاثة أيام يشاور الصحابة، وقد أيّده في رأيه عليٌّ وعثمان وزعماء الأنصار، وعارضه عبد الرحمن بن عوف وبلال، وكان أشدهم عليه بلال، حتى قال: “اللهم اكفني بلالاً وأصحابه”.

وكان رأي عمر أن الأرض إذا وزعت على الفاتحين، فمن أين ستأتي بعدئذ نفقات الدولة ونفقات الجهاد والدفاع عن البلاد..؟ ومَنْ للذرية بعدئذ..؟ واستشهد عمر بالآيات من سورة الحشر ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ[الحشر 9- 10]. استنبط عمر من هذه الآية أن الأجيال المسلمة القادمة لها الحق في الأراضي المفتوحة، وهكذا استقر الرأي على بقاء الأرض بأيدي أصحابها ويدفعون الخراج عنها.

إن ترك المال بأيدي الناس ليعملوا أو يربحوا، وتزداد أموالهم هو الرأي الصحيح في قضايا المال، وهو يدل على عمق فهم “عمر” لمصلحة الأمة، وعمق نظرته المستقبلية، وهذا ما أدركته أوربا في العصور الحديثة، وأثبته (آدم سميث) في كتابه (ثروة الأمم)؛ حيث إن الثروة لا تقاس بما يملكه الحكام أو الملوك، ولكن بما يملكه الناس؛ فالدولة لا تشتغل بالتجارة أو الصناعة.

ولم يكتفِ رضى الله عنه بهذه النظرة لمستقبل الأجيال، بل أمر بمسح أرض العراق، حتى يكون كل شيء محسوب بدقة، ولا يُظلم الذين يعملون في الأرض، ولم يكن مسح الأرض من الفنون التي تعرفها العرب، واختار رجلين من الصحابة لهذه المهمة: “عثمان بن حنيف” و”حذيفة بن اليمان”، وكانت لهما خبرة في هذا المجال، بل يذكر الإمام أبو يوسف في كتابه (الخراج) أن عثمان بن حنيف كان يقيس بدقة، كما لو كان يقيس الأقمشة النفيسة.

وخوفًا من أن تُحمَّل الأرض خراجًا لا تطيقه، فقد استدعى هذين الصحابيين ليسألهما، كما روى البخاري عن عمرو بن ميمون قال:

«رأيت عمر بن الخطاب قبل أن يصاب بأيام بالمدينة وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف فقال: كيف فعلتما..؟ أتخافان أن تكونا قد حمّلتما الأرض ما لا تطيق..؟ قالا: حملناها أمرًا هي له مطيقة، وما فيها كبير فضل. فقال عمر: لئن سلمني الله تعالى، لأدَعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى أحدٍ بعدي».

ومن الأمور الغريبة أنه بالرغم من أن عمر حدد الخراج في يسر وسهولة، ولكن مقدار الخراج الذي جُبي في عهده لم يُجْبَ مثله فيما بعد، وذلك للعدل الذي كان، ولرفقه بالرعية.

وتحت نظام الخراج قضى عمر على نظام الإقطاع الروماني المنتشر في بلاد الشام، وأقام نظامًا للإنصاف مع البلاد المفتوحة لا يوجد له مثيل في أي بقعة من الأرض.

خاتمة

إن ما نحتاجه اليوم ليس الإنجازات الفردية بل ما يصح أن يكون نظاما عاما ووضعا مؤسسيا قابلا للتطبيق والتكرار بمستويات المسلمين الصالحة العادية؛ حتى لا يعتذر أحد عن العدل المأمور به بأنه ليس “عمر”..! ولا عن الإنجاز الحضاري الإسلامي أنه ليس في مستوى الصحابة؛ بينما هذه تكاليف لنا في مستوياتنا البشرية التي تطيق هذه التكاليف وإلا لما أمرنا الله بها ولا حاسبَنا على التفريط فيها.

………………………………

الهوامش:

  1. يقول المؤرخ الأمريكي ول ديورانت واصفًا مجيء عمر إلى بيت المقدس: “وجاء الخليفة نفسه للتصديق على شروط التسليم، جاء من المدينة في بساطة أفخر من الفخامة” (قصة الحضارة 13/ 76).

المصدر:

  • د: محمد العبدة، موقع قصة الإسلام.

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد