“إخراج العبادة عن الإلف والعادة” من علامات صلاح السريرة


زمن القراءة ~ 3 دقيقة 

تنشط النفوس عندما تحملها العادة والإلف ولو في أعمال ثقيلة. وتتكاسل لو تجرد الأمر الشرعي بدون عادة وإلف. وهذا علامة خلل وفساد.

مقدمة

إن أداء الأعمال الصالحة وترك المنهيات يجب أن يكون تعبدا لله لك؛ محبة وخوف ورجاء، وليس من باب الإلف والعادة.

فاستحضار معنى العبودية لله عز وجل حين أداء العمل الصالح شرط في قبوله والحصول على ثماره اليانعة في الدنيا والآخرة.

استصحاب شعور العبودية

وحينما يصاحب العامل شعور العبودية لله، فإنه يكون محافظا على شروط صحتها وقبولها عند الله تعالى. وأهم هذه الشروط الإخلاص لله تعالى والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وكلما كان شهود معنى العبودية لله تعالى في الأعمال أقوى وأكمل كان ذلك دليلا على قوة الإيمان في القلب وصلاح السريرة. وعندما يغفل العبد عن شهود العبودية لله تعالى في أداء الأعمال وترك النواهي، فإن باعث العادة والإلف هو الذي يغلب على أعماله، ومن ثَم تضعُف ثمار هذه الأعمال، وقد يخسرها عند الله عز وجل.

يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في منزلة التواضع:

“التواضع بأن تخدم الحق سبحانه وتعالى، وتعْبُده بما أمرك به على مقتضى أمره، لا على ما تراه من رأيك، ولا يكون الباعث لك داعي العادة كما هو باعث من لا بصيرة له، غير أنه اعتاد أمرا فجرى عليه، ولو اعتاد ضده لكان كذلك. وحاصله أنه لا يكون باعثه على العبودية مجرد رأي وموافقة هوى ومحبة وعادة، بل الباعث مجرد الأمر. والرأي والمحبة والهوى والعوائد منفذة تابعة، لا أنها مطاعة باعثة، وهذه نكتة لا ينتبه لها إلا أهل البصائر”. (1مدارج السالكين: (2/ 338))

ويقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى:

“رأيت عادات الناس قد غلبت على عملهم بالشرع. فهم يستوحشون من فعل الشيء لعدم جریان العادة لا لنهي الشرع.. ونرى خلقا يحافظون على صلاة الرغائب، ويتوانون عن الفرائض، ومنهم من يعلم أن أصل ماله حرام، ويصعب عليه فراقه للعادة. وإن وقعت موافقة للشرع فكما اتفق أو لأجل العادة، فإن الإنسان لو ضُرب بالسياط ما أفطر في رمضان عادة قد استمرت، ويأخذ أعراض الناس وأموالهم عادة غالبة”. (2صيد الخاطر: (231))

ويشرح ابن القيم رحمه الله تعالى قول الهروي في منزلة التهذيب: “وهو على ثلاث درجات. الأولى : تهذيب الخدمة أن لا يخالجها جهالة، ولا يشوبها عادة، ولا يقف عندها همة”؛ فيقول في شرحه لقوله «لا يشوبها عادة»:

“شوب العادة؛ وهو أن يمازج العبودية حكم من أحكام عوائد النفس تكون منفذة لها، معينة عليها. وصاحبها يعتقدها قربة وطاعة، کمن اعتاد الصوم ـ مثلا ـ وتمرَّن عليه. فألِفته النفس، وصار لها عادة تتقاضاها أشد اقتضاء. فيظن أن هذا التقاضي محض العبودية، وإنما هو تقاضي العادة.

وعلامة هذا: أنه إذا عُرض عليها طاعة دون ذلك، وأيسر منه، وأتمّ مصلحة لم تؤثرها إيثارها لما اعتادته وألِفته. کا حُكي عن بعض الصالحين من الصوفية قال: حججت كذا وكذا حجة على التجريد، فبان لي أن جميع ذلك كان مشوبا بحظي. وذلك أن والدتي سألتني أن أستقي لها جرعة ماء، فثقل ذلك على نفسي. فعلمت أن مطاوعة نفسي في الحجات كان لحظ نفسي وإرادتها. إذ لو كانت نفسي فانية لم يصعب عليها ما هو حق في الشرع”. (3مدارج السالكين: (2/ 98، 99))

مثالان من الواقع

تناقض العفة والسفور

المثال الأول: رأيته بعيني وحز في نفسي، وذلك في أثناء رحلة من الرحلات الخارجية، سافرت فيها في سنة من السنوات من بلدي. وكان معنا بعض العوائل ومن بينهم أسرة من زوج وزوجة وابن لها، وكانت المرأة قبل إقلاع الطائرة من بلدها محتشمة متسترة قد غطت وجهها وشعرها وسائر جسدها بخمار وعباءة، ولكنها ويا للأسف ما إن أقلعت الطائرة واستوت في الفضاء حتى لفَّت تلك العباءة ونزعت ذلك الخمار ودستهما في حقيبتها اليدوية، ثم أصبحت سافرة الرأس والشعر والوجه..! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم..

فعلى أي شيء يدل هذا..؟ إنه يدل على رِقة الدين وغياب التعبد لله عز وجل في تنفيذ أحكامه، وإنما هو العادة والإلف المنبتّة عن العقيدة والخوف من الله عز وجل.

التناقض بين أنشطة الدعوة وتعبدات أعظم

المثال الثاني: القيام ببعض الأنشطة الدعوية من باب الإلف والعادة: ويقع في ذلك كثير من شباب الدعوة والعاملين في الإغاثة والمناشط الدعوية المختلفة، حيث نرى الكثير منهم يبذل وقته وجهده ويتحمل في ذلك السهر والتعب والسفر دون ملل ولا فتور ـ نسأل الله عز وجل أن يثيبهم على ذلك. ولكن ما يجب التنبيه عليه هنا هو أن باعث الإلف والعادة والتلذذ لهذه الأعمال أفقدها عند بعضهم شهود التعبد لله عز وجل فيها.

ومن الأدلة على ذلك أن يوجد من هؤلاء الشباب من هو مقصر جدا في خدمة والديه أو أحدهما، بحيث أصبحنا نسمع الشكاوی من الأب أو الأم تجاه أبنائهم الملتزمين، وبأنهم يتثاقلون في تلبية طلبات والديهم ولو كان في أمر يسير كإحضار حاجة للبيت، أو إيصال الأب أو الأم لزيارة قريب لها، لا يستدعي أحيانا دقائق من الوقت. وهنا يقال: أين النشاط المتواصل والسهر والتعب في مناشط الدعوة، الذي قد يستغرق ساعات، بل أيام دون ملل ولا تعب لماذا لم يحصل التثاقل هنا، وحصل عند حاجة الوالدين مع فارق الوقت الذي يكون في العملين..؟ أليس كلاهما عبادة..؟ بل إن عبادة بر الوالدين والإحسان إليهما لا يتقدمها إلا الواجبات الكبرى، وهي مقدَمة على من دونها.

والجواب على هذه المفارقة ـ والله أعلم ـ أن باعث العمل الدعوي عند البعض تغلب عليه العادة والإلف و حظ النفس. وبر الوالدين وخدمتهما لم تتعود عليه النفس، ولا حظَّ لها فيه، فصار ثقيلا.

خاتمة

من الخير للعبد أن يتفقد قلبه، ويفتش في نفسه عن تسرب الخلل واختلال موازين الأعمال، كما تفقد ذلك الصالح قلبه عند طلب والدته.

وثمة علامات أهم بل وأثمان أفدح نراها بسبب ذلك الخلل، في بيئة الدعوة وفي نموذج المسلم المعاصر. فالخير في التقيد بالعبودية واستهداف تحقيقها، والله الهادي الى صراط مستقيم.

………………………….

الهوامش:

  1. مدارج السالكين: (2/ 338).
  2. صيد الخاطر: (231).
  3. مدارج السالكين : (2/ 98، 99).

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.