أهم مظاهر البُعد عن الاستقامة .. تبديل شرع الله الحكيم


زمن القراءة ~ 5 دقيقة 

للاستقامة مقتضاها، وأولها قبول الشريعة وإقامة الدين. الانحراف عنها درجات، وأعظمها الفصل بين الشريعة والحياة. بيان الحق ضرورة، وثمة فرق بين التبيين والتغيير.

مقدمة

ما أحسن ما أوصى به الإمام محمد بن عبد الوهاب إخوانه حينما قال:

“…فاللهَ اللهَ إخواني؛ تمسَّكُوا بأصل دينكم أوله وآخره، أُسّه ورأسه، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، واعرفوا معناها، وأحبّوا أهلها، واجعلوهم إخوانكم ولو كانوا بعيدين؛ واكفروا بالطواغيت، وعادُوهم، وأَبغِضوا من أحبهم، أو جادل عنهم أو لم يكفرهم، أو قال: ما علي منهم، أو قال: ما كلّفني الله بهم؛ فقد كذب على الله وافترى، بل كلّفه الله بهم وفرض عليه الكفر بهم والبراءة منهم، ولو كانوا إخوانه وأولاده؛ فاللهَ اللهَ تمسَّكوا بأصل دينكم لعلكم تلقَوْن ربكم لا تشركون به شيئًا”. (1الدرر السني،» (2/119، 120))

مثال للبعد عن الاستقامة وضعف العقيدة

وأسوق فيما يلي مثالا من واقعنا المعاصر والذي يدل على ضعف هذه العقيدة في بعض النفوس؛ وهو السكوت على مظهر من مظاهر الشرك الأكبر، ظهر بشكل جلي في عصورنا المتأخرة؛ ألا وهو تبديل شرع الله الحكيم العليم، وتنحيته عن الحكم، وأن تكون له السيادة، وتحكيم القوانين الوضعية، والتشريعات الجاهلية بدلًا منه، وجعل السيادة العليا لها، ممثلة في طاغوت يشرع من دون الله تعالى، إما فردًا، أو مجلسًا، أو برلمانًا، أو غير ذلك.

وإن من مقتضيات الولاء والبراء فضح هذا الشرك والبراءة منه وبيانه للناس حتى يُكفَر به.

ومع أنه لم يَسلم بلد من بلدان المسلمين من هذا الكفر المستبين ـ إلا من رحم الله تعالى ـ فإنّ فضْح هذا الشرك، والبراءة منه ومعاداته ومعاداة أهله لم يأخذ حظه من البيان من بعض الدعاة وطلبة العلم، وعلماء الأمة، بل بقي كثير من الناس تحت تأثير الإعلام المضلِّل لهذه الأنظمة يحسبون أنهم في ظل أنظمة إسلامية؛ فبذلوا لها الولاء والحب والنصرة، وعادوا من يعاديها، فمن هو المسئول عن السكوت عن هذا الشرك الأكبر؟

والجواب: أن هناك تقصيرًا من كثير من الدعاة وأهل العلم في بيان هذا الشرك للناس، فالدعاة في كل بلد هم المسئولون عن أي تقصير في هذا البيان.

أولًا: لأن من مقتضى الكفر بالطاغوت: البراءة منه ومعاداته وبيان خطره للناس، وتحذيرهم منه.

وثانيًا: لأن الله عز وجل قد أخذ على أهل العلم الميثاق ببيان الحق للناس، وإنَّ أحقَّ الحقِّ الذي لا يجوز تأخير بيانه هو التوحيد، والتحذير من أبطل الباطل وهو الشرك بالله تعالى.

قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187].

وينبه الدكتور “الصاوي” على وجوب العلم بهذه القضية فيقول:

“إن التأكيد على قضية انعدام الشرعية عن النظم التي لا تكون السيادة فيها لشريعة الله عز وجل، بل لبشر من دونه ولا يكون الرسول صلى الله عليه وسلم فيها هو المتبوع المطاع، بل الأهواء التي تسمَّى “إرادة الأمة”، وإشاعة العلم بذلك بين الخاصة والعامة؛ يُعد من آكد القضايا التي يجب أن تُعْنَى بها الجماعات الإسلامية المعاصرة سواء في دعوتها إلى الله عز وجل وخطابها إلى العامة، أو في علاقاتها بعضها ببعض”.

“إن أهمية إشاعة العلم بهذه القضية في أوساط العامة هو بسبب تراكم الجهل بحقائق التوحيد عبر عصور الانحطاط التي مرَّت بها هذه الأمة، والتي كان من نتاجها إفراغ كلمة التوحيد من معانيها الأساسية، مما أتاح لأعدائها من الصليبيين واليهود والعلمانيين أن ينحُّوا شريعة الله عن مواقع الحكم والتشريع، وأن يجعلوا الحق في التشريع المطلق إلى بشر من دون الله، مع إيهام الناس أن إسلامهم وشرعية أوضاعهم لا تتأثر بذلك”.

“.. إن إشاعة العلم بهذه القضية ضرورة ماسَّة لتحمِل هذه الأمة هَمّ الإسلام وتتحرك به بعد أن استنامت طويلًا إلى مفاهيم مغلوطة، صوّرت لها ـ فيما صورت ـ أن أمر تحكيم الشريعة لا علاقة له بشرعية النظام أو إسلامه، وأن الشرعية تتحقق من خلال الانتخابات والبرلمانات ومعسول الشعارات؛ الأمر الذي أتاح لعدوها بعد انسحاب جيوشه من بلاد المسلمين أن يقيم حكومات من أهل هذه البلاد تستمر في تحكيم القوانين الوضعية وتنحية الشريعة الإسلامية، بينما هي تتمتع في حس الأمة بشرعية كاملة، فتقبّلها الناس بنظمها الفاسدة، وقواعدها الوضعية الباطلة دون أن يحركوا ساكنًا.

والواجب عليهم أن يقفوا في وجهها مطالبين بالعودة إلى الإسلام والحكم بشريعة الله حتى تتحقق لهذه النظم: “الشرعيةُ” وتجب لها “الطاعة””. (2انظر الصفحة الأخيرة من كتاب «نظرية السيادة وأثرها على شرعية الأنظمة الوضعية» د. صلاح الصاوي)

شبهة عن سبب عدم البيان

وقد يقول الساكتون الذين لم يبيّنوا هذا الكفر البواح، والشرك الأكبر، للأمة؛ بأننا نخشى الفتنة، وما يترتب من المفاسد على البيان، لذا ينبغي الصبر والسكوت حتى يتقوَّى المصلحون ثم يبينون ذلك ويواجهون بها الطواغيت.

وللرد على هذا الكلام أقول وبالله التوفيق:

إن هناك فرقًا بين “التبيين” و”التغيير”؟

والمطلوب هنا البيان باللسان أو القلم دون التغيير باليد والسنان؛ فإن التغيير بالجهاد والمواجهة يشترط فيه القدرة، ومراعاة المصالح والمفاسد؛ أما بيان المعروف الأكبر وهو التوحيد، والمنكر الأكبر وهو الشرك فلا يجوز تأخيره أبدًا.

إن هذه القضية هي التي بيّنها الرسل عليهم الصلاة والسلام من أول يوم، وواجهوا بها أقوامهم، ولم يؤجِّلوها لحظة واحدة، وهذا هو الرسول صلى الله عليه وسلم أعلنها لقومه منذ أن أمره ربه سبحانه بالإنذار بقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾، وهو خائف مستضعَف، وأصحابه مستخفون بإسلامهم؛ بينما نجده صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بالتغيير والقوة قد أجَّل ذلك حتى تمت له القوة والقدرة ولم يحطّم الأصنام التي في جوف الكعبة إلا بعد فتح مكة عندما هزم الله الشّرك وأهله، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وبقيَت هذه الأصنام بعد بعثته صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين عامًا لم تحطَّم إلا في السنة الثامنة من الهجرة بعد فتح مكة، بينما تم بيان شرك من يعبدها وشرك من يتحاكم إليها وأمثالها من الطواغيت من أول يوم في البعثة.

والحاصل أن هناك فرقًا بين “التبيين” و”التغيير”، وكذلك فيما يتعلق بالأمر المراد بيانه للناس؛ فإنه يختلف تأجيله أو تعجيله حسب أهميته وخطورته، فما كان من أمر يتعلق بتوحيد العبادة لله عز وجل وبيان ما يضاده من الشرك الأكبر؛ فهذا أمر لا يحتمل التأخير، ولا تدخله المفاسد والمصالح؛ لأنه لا فتنة ولا مفسدة أكبر من الشرك، وأيُّ فتنة تربو على ترك الناس على شركهم أو تضليلهم في دينهم فيوالون المشركين ويعادون المصلحين؟!

أما إذا كان الأمر المراد بيانه من المنكرات دون ذلك من جنس المعاصي؛ فهذا ينظر فيه إلى الموازنة بين المصالح والمفاسد حسب الضوابط الشرعية والقواعد المرعية، والله أعلم.

الصبر وتوطين النفس عليه

ثم إن هنا أمرًا مهمًّا يتعلق بالبيان لمظاهر الشرك الأكبر، وتحذير الناس منها، ألا وهو ضرورة التسلُّح بالصبر وتوطين النفس على مواجهة الابتلاء بالسراء والضراء، وعلى النصيحة في سبيل الله تعالى لأن هذا البيان لا يرضى عنه الطواغيت؛ وقد يواجهون الدعاة الذين يصدعون ببيان التوحيد الحق، وما يضاده من الشرك، تارة بالترغيب وتارة بالترهيب، حتى يكفّوا عن ذلك؛ فليحذر المصلحون من هذه المزالق كي لا تزلّ فيها الأقدام وكي لا يتركوا من أجلها ما أوجبه الله عليهم من البيان.

ولنعلم أن بيان التوحيد وما يضاده من الكفر والشرك بالله عز وجل يستحق أن يضحَّى من أجله بالنفس والنفيس، وأن يُستعلي فيه على الخوف والطمع، ولنا في أنبياء الله عز وجل والمصلحين من أتباعهم أسوة حسنة في التضحية والصبر العظيم الذي بذلوه في سبيل بيان التوحيد وما يضاده من الشرك ثم كانت العاقبة للمتقين.

خاتمة

التوحيد هو نظام سلك العبادات وقاعدة الدين، وأساس الخطاب الشرعي، وعليه مدار إصلاح المجتمع، وإعادته للشرعية الاسلامية.

والبداية به فريضة بل هو أول الواجبات والفرائض، ولا عذر ولا رخصة في تركه أو تأخيره؛ بل يجب وضع الترتيب كما وضعه الله تعالى.

ومن تدبَّر حال المصلحين علم أن بيان الحق في أمر التوحيد وترك الشرك به تبدأ قوى المجتمع في التشكّل على أساس “الانحياز” الى العقيدة والتوحيد، وبالتالي يكون الانحياز للاسلام وشريعته من خلال قوى مجتمعية عقدية؛ فيكون الانحياز عقديا، ومن ثم تكون المواجهة مع قوى العلمانية مواجهة قوية مكافئة، وتتكون قاعدة تحمي أي نظام إسلامي يقوم بإقامة الشريعة والدين، وقبول خطاب رب العالمين دون جدال وتلكؤ، أو اعتذار ومماطلة.

إنه الخير الواجب للدين والدنيا، وبالله التوفيق.

………………………………..

الهوامش:

  1. الدرر السني،» (2/119، 120).
  2. انظر الصفحة الأخيرة من كتاب «نظرية السيادة وأثرها على شرعية الأنظمة الوضعية» د. صلاح الصاوي.

اقرأ أيضا:

التعليقات معطلة.