العقيدة و التصور الإسلامي

أهداف دين الإسلام والفكر الإرجائي نقيضان لا يجتمعان

زمن القراءة ~ 17 دقيقة 

عند النظر إلي مقتضيات لا إله إلا الله من أكثر من منطلق فإننا نصل إلي استحالة اقتصار الإيمان علي التصديق والإقرار فقط كما تزعم المُرجئة.

مقدمة

تزعم فئة المُرجئة اقتصار الإيمان بلا إله إلا الله فقط علي التصديق والاإقرار بحيث لا يتوجب معه تكاليف أو مقتضيات وهي بذلك تفرِّغ لا إله إلا الله من مقتضياتها.

ومن هنا ننظر في هذه القضية الخطيرة – قضية مقتضيات لا إله إلا الله – من ثلاثة منطلقات مختلفة، تؤدي كلها إلى نتيجة واحدة في النهاية:

أولا : هل يمكن أن يؤدي هذا الدين أهدافه التي نزل من أجلها إذا كان المطلوب كله هو التصديق والإقرار، أو إذا كان التصديق والإقرار- وحده – يكفي لإعطاء صفة الإسلام، لا في الدنيا وحدها، بل في الآخرة كذلك ؟!

ثانيا : هل كان مايفعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام في تطبيق مقتضيات لا إله إلا الله، تطوعًا من عند أنفسهم، غير واجب عليهم ؟!

ثالثا : هل يمكن في واقع النفس البشرية أن يؤمن إنسان بشئ ثم يكون سلوكه الواقعي كله مغايرا لمقتضيات ذلك الإيمان، أو مناقضًا اله ؟!

الهدف من إرسال الرُّسُل إلي الناس

ونبدأ بالمنطلق الأول فنسأل أولا : لماذا يرسل الله الرسل إلى البشرية، ولماذا ينزل معهم الرسالات ؟

ولا نجيب من عند أنفسنا في هذا الأمر الخطير، فإنه لا ينبغي لأحد أن يجيب من عند نفسه في هذا الأمر، لأن الله – سبحانه وتعالى – قد تكفل بهذا في كتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه :« وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِیُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ » سورة النساء [14].

لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡمِیزَانَ لِیَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِیدَ فِیهِ بَأۡسٌ شَدِیدٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن یَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَیۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِیٌّ عَزِیزٌ» سورة الحديد [۲۰].

وقبل أن نتحدث عن الرسالة الخاتمة – ذات الوضع الخاص والأهداف الخاصة – نتدبر هاتين الآيتين اللتين تتحدثان عن الرسالات عامة من لدن آدم ونوح إلى محمد – صلى الله عليه وسلم -.

فإحدى الآيتين تقرر أن إرسال الرسل لا يتم من عند الله لمجرد التبليغ والإعلام، بحيث يسع أي إنسان أرسل إليه رسول أن يقول : لقد بلغني الأمر وعلمته – العلم في اللغة يفيد اليقين فهو يشمل « التصديق » الذي يتكلم عنه المرجئة ويقولون إنه هو المعني بالإيمان-, إنما ينبغي أن يقول : لقد بلغني الأمر وعلمته وأطعته. ليكون بذلك قد استجاب للرسول المرسل إليه، وحقق الهدف الذي من أجله أرسل.

والآية الأخرى تبين ذلك الهدف وتحدده، وهو إقامة حياة الناس بالقسط. وهي عبارة موجزة شاملة جامعة تفصلها آيات القرآن الأخرى ( والسنة المطهرة كذلك ) تفصیلًا دقیقًا محددًا غير متروك لأهواء البشر. ذلك أن تحديد القسط لو ترك الأهواء الناس لفسد كل شئ 🙁 وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَاۤءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِیهِنَّۚ) سورة المؤمنون [۷۱]. ومقتضى الآية المشار إليها آنفا إن إرسال الرسل وإنزال الكتاب ليس لمجرد التبليغ والإعلام، إنما لتحقيق هدف عملى واقعي في حياة الناس هو إقامة شريعة الله ومنهجه، وإخضاع الناس لهذه الشريعة وذلك المنهج، لأن هذا هو السبيل الوحيد الذي يؤدي إلى قيام الناس بالقسط. أي أن هناك عملا ينبغي أن يتم في واقع الأرض بعد التصديق والإقرار, وبغيره لا يكون الهدف من إرسال الرسل وإنزال الدين قد تحقق، إنما يظل الدين شعارات مرفوعة بغير رصيد واقعي، أو أماني في الضمائر، لا تقدم ولا تؤخر، ولا تغير شيئًا في حياة الناس. والإشارة – في الآية – إلى الحديد والبأس، ونصرة الله ورسله، واضحة الدلالة في أن من بين الأعمال المطلوبة الجهاد في سبيل الله لكى « يقوم الناس بالقسط »..

تكاليف الأمة الخاتمة تزيد عن تكاليف باقي الأمم

فإذا كان هذا المعنى متحققًا في جميع الرسالات من لدن آدم ونوح إلى محمد – صلى الله عليه وسلم – فالرسالة الأخيرة لها وضع خاص، وتكاليف خاصة، غير الرسالات السابقة جميعًا، وبالإضافة إليها جميعًا.

يقول – سبحانه وتعالى – عن الرسالات السابقة وأهلها : « وَمَاۤ أُمِرُوۤا۟ إِلَّا لِیَعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ حُنَفَاۤءَ وَیُقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَیُؤۡتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَ ٰلِكَ دِینُ ٱلۡقَیِّمَةِ » سورة البينة [5].  فإذا كان هذا الأمر شاملًا للرسالات كلها حتى رسالة محمد – صلى الله عليه وسلم – فإن الرسالة الأخيرة – الخاتمة – التي أرسل بها الرسول الخاتم – عليه الصلاة والسلام – لها شأن آخر غير بقية الرسالات، وتكاليف إضافية غير بقية الرسالات.

لقد كان في قدر الله ومشيئته ألا يرسل رسولًا بعد محمد – صلى الله

عليه وسلم -:«  مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَاۤ أَحَد مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَـٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِیِّـۧنَۗ» سورة الأحزاب [40].

« إلا أنَّه ليس بعدي نَبِيٌّ. » أخرجه الشيخان.

وكان في قدر الله ومشيئته أن يتم الدين بهذه الرسالة الخاتمة، وأن تكون للبشرية كافة :« ۚٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَـٰمَ دِینًا» سورة المائدة [۳] , « وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَـٰكَ إِلَّا كَاۤفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِیرًا وَنَذِیرًا » سورة سبأ [۲۸].

« قُلۡ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّی رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَیۡكُمۡ جَمِیعًا » سورة الأعراف [۱5۸]. . «.. وبُعِثْتُ إلى النَّاسِ كَافَّةً » 1الألباني (ت ١٤٢٠), صحيح النسائي (٤٣٠), أخرجه البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١)

.وقد اقتضى ذلك جميعه أن تكليف الأمة الخاتمة ذات الرسالة الخاتمة تكليفين اثنين لا تكليفًا واحدًا كبقية الأمم المؤمنة من قبل.

فإذا كانت الأمم المؤمنة السابقة كلها قد كلفت أن تعبد الله ( مخلصين له الدين حنفاء )، وتستقيم على الدين وتكاليفه في حدود ذاتها فحسب، فإن الأمة المسلمة قد كلفت هذا التكليف ذاته، ثم كلفت فوق ذلك أن تنشر هذا الدين في كل بقاع الأرض، خلفاء عن الرسول – صلى الله عليه وسلم – وامتدادًا له، وأن تجاهد حتى يكون الدين كله لله.

(وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٌ یَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَیۡرِ وَیَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ) سورة آل عمران [104].

« و وَقَـٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٌ وَیَكُونَ ٱلدِّینُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ » سورة الأنفال [۳۹].

ومقتضى ذلك أن يكون «العمل » المطلوب من هذه الأمة بعد التصديق والإقرار أضخم بكثير، وأخطر بكثير من كل عمل طلب من أمة سابقة في التاريخ.

وإذا كان التصديق والإقرار وحدهما، بغير عمل، لا يفيان بالتكليف الرباني لأي أمة من الأمم السابقة. لأن الله فرض على كل واحدة منها تكاليف، وأرسل إليها رسولا ليطاع بإذن الله، لا ليبلغ فحسب، فهذه الأمة – بصفة خاصة – لا يمكن أن يفي التصديق والإقرار بالتكليف الرباني الملقي على عاتقها، وقد كلفت تكليفين في آن واحد : أن تستقيم لله في ذات نفسها، ثم تنشر الهدى الرباني في كل الأرض..

وهل كان يتصور – لو أن المطلوب كله هو التصديق والإقرار ولا زيادة – أن تطهر الكعبة وحدها من أوثان الشرك، ولا نقول مكة وحدها، ولا الجزيرة العربية، فضلًا عن بقية العالم الإسلامي الذي امتد إليه النور بجهاد المجاهدين في سبيل الله.

وهل كان يتصور – لو أن المطلوب كله هو التصديق والاقرار – أن تقوم للإسلام دولة في المدينة، فضلًا عن أن تشمل هذه الدولة الجزيرة العربية بأكملها، فضلًا عن أن تمتد، فتشمل في نصف قرن مابين المحيط غربًا إلى الهند شرقًا كما حدث بالفعل.

وهل كان يتصور – لو أن المطلوب كله هو التصديق والإقرار، أو لو أن المسلمين فهموا أن المطلوب كله هو التصديق والإقرار – أن تثبَّت دعائم الدولة في المدينة، واليهود يكيدون لها من داخلها، ومشرکو قريش يكيدون لها من خارجها، فضلًا عن أن تثبت دعائمها في الجزيرة بأكملها، فضلًا عن أن تزال إحدى دولتى الشرك العظميين عن آخرها (فارس ) وتزلزل الدولة الأخرى ( الروم ) عن عرشها وسلطانها و يتقلص ظلها في الأرض.. وفضلًا عن أن تكون هذه الدولة – فيما بعد – هي مركز الدنيا ومحورها، فيها العلم، وفيها الحضارة، ولها القوة والتمكين في الأرض ؟!

تفرُّد جيل الصحابة -رضوان الله عليهم- في درجة الاستجابة للتكاليف الربانية

من هذا المنطلق الذي أسلفنا الحديث عنه ننتقل إلى المنطلق الثاني، وقد اقتربنا منه، فنسأل : هل كان مايفعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وصحابته الكرام في تطبيق مقتضيات لا إله إلا الله، تطوعًا من عند أنفسهم، غیر واجب عليهم ؟

وهنا نقطة قد تختلط على الأذهان، فيما بين التطوع والتكليف بالنسبة لجيل الصحابة رضوان الله عليهم –

وقد يتبيَّن لنا أن الذي تفرد به الجيل الفرید لم يكن هو قيامه بالتكاليف الربانية، فذلك أمر مفروض على كل الأجيال، ومطلوب من كل الأجيال، إنما تفرد ذلك الجيل بالدرجة العالية العجيبة التي نفَّذ بها تلك التكاليف.

فقد فرض الله القتال. أما ذلك الذي خرج من بيته يريد القتال ومعه تمرات يقتات بها فاستبطأ الطريق إلى الجنة، فقال : لئن بقيت حتى أنتهي من هذه إنه لأمر يطول ! فألقى التمرات من يده وألقى بنفسه في المعركة فاستشهد.. فهذه درجة فذة في تنفيذ التكليف الرباني، تفرد بها وبأمثالها ذلك الجيل الفريد. أما القتال في ذاته، استجابة للتكليف الرباني، فأمر مطلوب من الأجيال كافة، لم يتفرد به ذلك الجيل.

وقد أمر الله أن يشترك المجتمع الإسلامي كله في الخير العام الذي يفيضه الله على ذلك المجتمع، وجعل أداة ذلك الزكاة يدفعها الأغنياء من فائض أموالهم (أي ما يزيد على النصاب ) فتوزعها الدولة على المحتاجين إليها، الذين بينتهم الآية الكريمة : «  إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱلۡعَـٰمِلِینَ عَلَیۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَـٰرِمِینَ وَفِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِ..» سورة التوبة [60]. کما جعل أداتها الإنفاق فی سبیل الله بغير نسب معينة كما هو الحال في أنصبة الزكاة، وقال رسول الله – صلى الله عليه. وسلم -: « في المالِ حقٌّ سِوى الزَّكاةِ» أخرجه ابن ماجه. ولم يكن هذا الإنفاق في سبيل الله أمرا تفرد به الجيل الأول، لأنه تكليف لكل الأجيال. أما الذي خرج من كل ماله.. وأما الذي جاءه الضيف وهو لا يملك إلا قوت عياله فقال لأهله : أطفئي السراج وآوی الأطفال إلى فراشهم، ثم جعل يتظاهر هو وأهله أنهم يشاركون في الطعام حتى يأتنس الضيف ويأكل، حتى أكل بمفرده الطعام الموجود كله، فأنزل الله فيهم : « وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةَ» سورة الحشر [۹].، فهذا وذلك تطوع نبيل لم يفرضه الله – سبحانه وتعالى – وهو هو الذي تفرد به وبأمثاله الجيل الفريد.

وقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : «الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، » متفق عليه.

فطلب من المؤمنين أن يتقوا الشبهات ليستبرئوا لدينهم، وأن يقفوا عند حدود الحلال البيِّن، ويبتعدوا عما سوى ذلك. وهو تكليف لجميع المسلمين في جميع العصور. أما الذين قالوا : «كنا نترك تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام، فهذا تطوع نبيل لم يفرضه الله، وهو الذي تفرد به ذلك الجيل…

بيان الفرق بين التكاليف الربانية وما تطوَّع به صحابة رسول الله -صلي الله عليه وسلم- زيادةً علي هذه التكاليف

وهكذا نفرق تفريقًا حاسمًا بين أمرين يختلطان أحيانا في أذهان بعض الناس. بين ما قام به ذلك الجيل الفريد تكليفًا من عند الله، لا يختص بهم وحدهم، إنما هو للأجيال كافة، يأثمون إذا تركوه، وبين ماتطوعوا به من الالتزام بالمندوبات كأنها فروض، منطلقين في ذلك من عمق إيمانهم ورسوخه، وحساسية ضمائرهم المرهفة تجاه ما كلفهم به الله..

فلننظر الآن في التكاليف التي قاموا بها لأنها تكاليف، لا المندوبات التي التزموا بها وفرضوها على أنفسهم كأنها فروض..

هل الالتزام بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – والرجوع إلى الله ورسوله في كل أمر من الأمور، كان تطوعًا من الجيل الأول لم يكلفوا به ؟

هل صدق الجهاد في سبيل الله كان تطوعًا لم يكلفوا به؟

هل تحقیق معنى الأمة في صورته الحقيقية، بما يشتمل عليه من التكافل بين فئات المجتمع، والأخوة الصادقة بين المؤمنين، والتعاون على البر والتقوى، وحرمة الأموال والدماء والأعراض وصيانتها.. هل كان هذا كله تطوعًا لم يكلفوا به ؟

هل كان تحقيق العدل الرباني في واقع الأرض تطوعًا لم يكلفوا به ؟

هل كان التخلق بأخلاقيات لا إله إلا الله تطوعًا لم يكلفوا به ؟

هل كان الوفاء بالمواثيق تطوعًا لم يكلفوا به ؟

وهل كان في حسهم أنهم يقومون بهذا كله تطوعًا زائدًا على أصل الإيمان، وأن الإيمان متحقق في نفوسهم وفي واقع حياتهم بمجرد التصديق والإقرار وإن لم يقوموا بشئ من هذا كله على الإطلاق ؟

أم كان يملأ نفوسهم – كما تعلموا من كتاب الله ومن رسول الله -صلى الله عليه وسلم – أن القيام بهذه التكاليف هو مقتضى الإيمان بأنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.. ثم كانوا – في الأداء – يرتفعون إلى تلك القمم السامقة تقربًا إلى الله ؟!

وهل يعقل أن يكون الواقع العملي للإسلام كله زيادات على الأصل، غير داخلة في ذلك الأصل ؟!

ما قيمة هذا الدين إذن ؟ ما المهمة التي يؤديها في حياة الناس ؟ !

وهل ينزل الله الكتب، ويرسل الرسل، ويكلفهم بالصبر والمصابرة، والجهاد المرير، من أجل تلك الحصيلة السلبية التي تظل مستمرة في القلوب، كامنة في الضمائر، لا تغير شيئًا من واقع الناس، ولا تحق حقا ولا تزهق باطلًا، ولا تقيم معروفًا ولا تبطل منكرًا ؟!

وهل لهذا أخرجت تلك الأمة إلى الوجود ؟!

(كُنتُمۡ خَیۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ ) سورة آل عمران [۱۱۰].

هل يعقل أن يكون الهدف الرئيسي من إخراج هذه الأمة أمرًا زائدًا، بمعنى أن تحققه أو عدم تحققه لا يؤثر على الأصل ؟!

أم يقولون إن الارتباط بين لا إله إلا الله ومقتضياتها كان خاصًا بجيل الصحابة – رضوان الله عليهم – وأما من أتى بعدهم فلا عليهم من العمل إذا تحقق منهم التصديق والإقرار ؟!

فهل لهذا القول من سند حقيقي من كتاب أو سنة أو منطق عاقل ؟!

هل هناك نص – أو منطق – يقول : إن جيلًا معينًا أو أشخاصًا بأعيانهم هم الذين ينبغي أن يتقيدوا بمقتضيات لا إله إلا الله، أما من عداهم فليس عليهم إلا أن يصدقوا بقلوبهم، وينطقوا بألسنتهم أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا نطقوا بها – مصدقين بها – فقد تم المطلوب منهم كله، ولم يعد لأحد أن يطالبهم بعد ذلك بشي ! فإن هم (تفضلوا) به من عند أنفسهم فعملوا بشیء من مقتضيات لا إله إلا الله فلهم الفضل، وإن لم يفعلوا فلا تثريب عليهم.. فقد حازوا الإيمان !!

أسباب ارتقاء الجيل الأول في تنفيذ التكاليف الربَّانية

حقيقة إن الجيل الأول قد قام بتحقيق مقتضيات لا إله إلا الله في ذات نفسه وفي واقع حياته بصورة فذة لم تتكرر في التاريخ، بينما الأجيال التالية ظلت تتفلت تدريجيًّا من تلك المقتضيات خلال القرون الطويلة حتى كادت تنفلت منها جميعًا. ولكن ذلك لم يكن بسبب أن الجيل الأول كان بذاته مكلفًا تكاليف خاصة غير بقية الأجيال، ولا بسبب أن الأجيال التالية كانت معفاة من التكاليف التي فرضت على الجيل الأول..

إنما كانت الظروف التي أحاطت بنشأة الجيل الأول هي التي جعلت منه ذلك الجيل المتفرد في التاريخ. فقد شهد الجاهلية ثم شهد الإسلام، فأحس بالنعمة الربانية وقدَّرها حق قدرها فحرص عليها. وكان الرسول – صلى الله عليه وسلم – يعيش بين ظهرانيهم. يتلقون منه تلقيًا مباشرًا. ويتربون على عينه – صلى الله عليه وسلم – فيرتفعون إلى أقصى طاقة البشر في الارتفاع. بالإضافة إلى ما تصنعه النشأة الجديدة في النفوس من شحذ العزائم والطاقات إلى أقصى درجاتها، بخلاف الأجيال التي تولد بعد تمام البناء. كما أن الجيل الذي ينشئ البناء بيديه، ويتعب في إقامته، يكون حريصًا عليه ألا يصيبه خدش يفسد جمال رونقه.

هذه الظروف مجتمعة جعلت ذلك الجيل الفذ يصل في تطبيق مقتضيات لا إله إلا الله إلى ذلك المرتقى السامق الذي وصل إليه دون بقية الأجيال. أما التكاليف فهي التكاليف.. هی هی کما احتواها كتاب الله وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – وأما كون القيام بها هو مقتضی الإيمان بلا إله إلا الله، فحقيقة لا علاقة لها بكون أى جيل من الأجيال هو الأول أو الأوسط أو الأخير !.

مناقضة فِكر المُرجئة لواقع النفس البشرية

وتأتي الآن إلى المنطلق الأخير فنسأل : هل يمكن في واقع النفس البشرية أن يؤمن إنسان بشیء، ثم يكون سلوكه الواقعي كله مغایرًا لمقتضيات ذلك الإيمان أو مناقضًا له ؟!

هناك حالة واحدة يعرفها المشتغلون بعلاج الأمراض النفسية هي حالة «انفصام الشخصية » يكون للمريض فيها شخصيتان منفصلتان تمامًا إحداهما عن الأخرى – كأنه لا صلة بينها على الإطلاق – إحداهما – مثلًا – خيرة والأخرى شريرة، يتنقل المريض بينهما في نوبات عصبية لا سلطان له عليها. وهي حالة مرضية تُسقط التكليف عن صاحبها.. ومع ذلك فإن هذه الحالة ذاتها تكتشف من التصرفات المصاحبة لها والدالة عليها ! أي من سلوك عملي يصاحب الحالة النفسية !

أما الحالة المفترضة، وهي وجود إنسان في حالة طبيعية – أي في وعيه وإرادته – يؤمن في دخيلة نفسه بشئٍ ما، ثم لا يبدو في مجموع تصرفاته كلها أمر واحد يدل على وجود ذلك الإيمان المستسر في الضمير ( في غير حالة القهر التي توجب التستر الكامل عن عيون الأعداء المتربصين ) فهي حالة مستحيلة في واقع النفس البشرية، لم يتحدث عن مثلها أحد في التاريخ !!

الإيمان يزيد وينقص يزيد بالطاعات و ينقص بالمعاصي

إنما الذي يمكن أن يوجد بالفعل هو وجود إيمان بشئ ما، ووجود بعض التصرفات مخالفة لمقتضى ذلك الايمان. هذه حالة طبيعية.. بل هي الحالة الغالبة على تصرفات البشر! ولكنها لا تقع اعتباطًا بغير أسباب ! وليست خالية من الدلالة كذلك.

أما أسبابها فهي الجنوح الموجود في النفس البشرية نحو التفلت من التكاليف استجابة لدوافع تعتمل في باطن النفس. إذ التكاليف – كما هو ظاهر- قيد على الرغبات، سواء في تحديد مقدارها أو تحديد مسارها. ومن ثم تجنح النفس إلى التفلت من تلك التكاليف حين تركن إلى الاستجابة للرغبات دون ضوابط. ولكن يبقى شئ – ملحوظ من الدراسات النفسية – هو أن -« الإيمان »- وهو فطرة، إذ من فطرة النفس البشرية أن تؤمن بشيئ ما – هو ذاته قيد على الرغبات، يحدد مقدارها أو يحدد مسارها. ومن ثم لا تنطلق الرغبات مع وجود الإيمان بنفس القدر وفي نفس المسار كما يحدث في حالة عدم وجود ذلك الإيمان. ويكون التصرف الواقعي للإنسان هو محصلة القوى والضوابط التي تعتمل داخل نفسه. فيكون أكثر استجابة لمقتضيات الإيمان أو أكثر تفلتًا منها بحسب مقدار هذه القوى وتلك الضوابط معًا في ذات الوقت. وتختلف أحوال الإنسان الفرد مابين لحظة ولحظة حسب اختلاف المقادير بين هذه وتلك، ولكن لا تكون حصيلة الإيمان صفرًا في أي حالة من الحالات، بحيث يصبح وجوده وعدمه سيان..

تلك طبيعة النفس البشرية.. ولذلك قال العلماء المستبصرون بنور الله إن الإيمان يزيد وينقص.. ينقص بالمعاصي ويزيد بالطاعات…

دور الدِّين في تقييد الشهوات

والدين قيد لاشك فيه.. سواء على القدر المسموح به من الاستجابة للرغبات، أو في تحديد مسارها.

يقول الله سبحانه وتعالى : « تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعتَدُوهَا » سورة البقرة [۲۲۹].« تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَا » سورة البقرة [۱۸۷]. فيحدد الحدود التي يستجيب. فيها الانسان لرغائبه التي تعتمل في كيانه، والتي تلخصها الآية الكريمة : (زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَ ٰتِ مِنَ ٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡبَنِینَ وَٱلۡقَنَـٰطِیرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَیۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَـٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَ ٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ) سورة آل عمران [14].

ويقول سبحانه وتعالى : « یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ حَلَـٰلًا طَیِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَ ٰتِ ٱلشَّیۡطَـٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوٌّ مُّبِینٌ » سورة البقرة [۱68].

ويقول : « وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلۡمُشۡرِكَـٰتِ حَتَّىٰ یُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَة مُّؤۡمِنَةٌ خَیۡر مِّن مُّشۡرِكَة وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ…» سورة البقرة [۲۲۱].

ويقول : « وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاۤءَ ذَ ٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُوا۟ بِأَمۡوَ ٰلِكُم مُّحۡصِنِینَ غَیۡرَ مُسَـٰفِحِینَۚ…» سورة النساء [24].

فيحدد مسار الرغبات كذلك.

والحلال والحرام كله هو القيود التي يضعها الدين في طريق الشهوات ليحدد مقدارها أو يحدد مسارها.

وفضلًا عن ذلك فهناك تكاليف أخرى تضع قيودًا من نوع آخر في طريق الشهوات فتحدد مقدارها ومسارها، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وأخلاقيات لا إله إلا الله، وعلى القمة من ذلك كله الجهاد في سبيل الله.

حكمة الله في وضع الدوافع في الكيان البشري

والشهوات – أو ( الدوافع )- لم يضعها الله في الكيان البشری عبثًا، تعالى الله عن العبث. وكذلك القيود لم يضعها الله في طريق الدوافع لغير غاية…

فقد علم الله – سبحانه وتعالى – أن مهمة الخلافة في الأرض التي خلق الإنسان من أجلها تحتاج إلى دوافع تدفع الإنسان إلى العمل والحركة والإنتاج من أجل تعمير الأرض، وهو أحد الأهداف المطلوبة من الإنسان، والمقدرة له في مقامه في الأرض : ( وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِلٌ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَة.. ) سورة البقرة [۳۰].

« هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِیهَا..» سورة هود [61]. كما أنها من وسائل « المتاع » الذي قدره الله للإنسان في الأرض : « وَلَكُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِین» سورة البقرة [36]. وهي في الوقت ذاته نقطة الابتلاء التي خلق الإنسان لها :

« إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِینَةً لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَیُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلًا » سورة الكهف [۷].

ضرورة تقييد الشهوات -الدوافع- في حياة الإنسان

أما القيود والضوابط فقد علم الله كذلك أنها ضرورية للكيان البشري ليقوم بمهمة الخلافة الراشدة المطلوبة منه. فالاستجابة الكاملة للدوافع، التي تتعدى بها الحدود المأمونة مهلكة للإنسان ومفسدة له، وصارفة له عن الرفعة التي قدرها الله للإنسان الصالح، الذي خلقه الله في أحسن تقويم، متميزًا تميزًا حاسمًا عن الحيوان، والتي بها هُيِّئ لحمل الأمانة التي أبت أن تحملها السماوات والأرض والجبال وأشفقت من حملها لأنها لم تُهيأ لها، وحَمَلها الإنسان..

وتؤدي القيود مهمة مزدوجة في حياة الإنسان.

تحدد المقدار الذي يستجيب به الإنسان لدوافعه وشهواته، فتحبس قدرًا من الطاقة أن يتبدد كله في المجال الحسيّ. ثم تُحدد مسار هذه الطاقة فترفعها عن المجال الحسّى الخالص إلى مجال «القيم»، التي ترسم الوجود الأعلى للإنسان، وهي هي الأمانة التي تميز الإنسان عن الحيوان…

وهكذا.. بين الدوافع والضوابط يتوازن كيان الإنسان، ويحقق غاية وجوده وهو في أحسن تقويم.

ولكنه لا ينضبط تماما في كل حالة. ولا يستمر على توازنه في كل حالة : « وَلَقَدۡ عَهِدۡنَاۤ إِلَىٰۤ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِیَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمًا » سورة طه [115].

(كلُّ بَني آدَمَ خَطّاءٌ، وخيرُ الخطّائين التَّوابُون.) 2أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمی.

أسباب حدوث المعصية والأدوات المُعينة للإنسان على مقاومتها

وتحدث المعصية بأحد سببين، أو بهما معا في وقت واحد.. إما اشتداد ضغط الدوافع على الإنسان، وإما ضعف الضوابط في لحظة من اللحظات، أو باجتماع السببين معا في وقت واحد : شدة الدافع، وضعف الإرادة الضابطة التي تحدد المقدار والمسار.. وعلى قدر اشتراك العوامل المسببة تكون النتيجة.. فحين يكون الدافع ضعيفًا يمكن ضبطه بسهولة. أما حين يكون عنيفًا فيتوقف الأمر على مدى قوة الإرادة. فإن كانت قوية فقد تكفي لرد الدافع تمامًا فلا تحدث المعصية، أو تحدث خفيفة عابرة مما عبَّر عنه القرآن باللمم. أما حين تكون ضعيفة فإنها تنهار أمام الضغط..

والإيمان بالله واليوم الآخر هو أقوى الأدوات المعينة للإنسان على مقاومة ضغط الشهوات. وبمقدار ما يكون الإيمان قويًا وراسخًا تكون قدرة الإنسان على الانضباط في داخل الحدود التي رسمها الله، أي تكون الطاعة لأوامر الله، والقيام بالتكاليف التي فرضها الله. وليس معنى هذا أن يخرج الإنسان من بشريته ويصبح ملكًا لا يَعصي ! ولكن معناه أن الطاعة والانضباط والقيام بالتكاليف تصبح في حياته هي الأصل، وغيرها هو الشذوذ العابر الذي لا يتلبث عنده ولا ينغمس فيه، فيشمله هذا الوصف الرباني :« وَٱلَّذِینَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَـٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ یُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ * أُو۟لَـٰۤىِٕكَ جَزَاۤؤُهُم مَّغۡفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّـٰتٌ تَجۡرِی مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَـٰمِلِینَ » سورة آل عمران [135 – 136 ].

أما حين يضعف الإيمان بالله واليوم الآخر وبمقدار مايضعف – فإن العكس يصبح هو الأصل، وتصبح الاستقامة على أمر الله هي الحالة العابرة التي ينتكس بعدها إلى المعصية والغيّ والفساد.

وفي جميع الأحوال لا تكون حصيلة الإيمان صفرًا، ولا يكون وجوده وعدمه سواء، بحيث لا يعمل الإنسان عملًا واحدًا من أعمال الإسلام !!

الفرق بين المعصية و الاستحلال وحكمهما

إن المعصية – بإجماع العلماء. لا تخرج الإنسان من الإسلام..- لم يشذ عن هذا إلا الخوارج، وهم فرقة خارجة عن الإسلام-إنما يخرجه من الإسلام استحلال المعصية – ولو لم يقترفها – والاستحلال عمل يختلف اختلافا تامًّا عن الوقوع في المعصية.

فالوقوع في المعصية” هو لحظة الضعف التي تنتاب الكائن البشري فینسی، کما نسی آدم من قبل، وتخور عزيمته، فلا يكون الإيمان مذکورًا في حسه، وإن يكن ما زال في قلبه، ولعل هذا ما أشار إليه حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم -: « لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وَهو مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهو مُؤْمِنٌ. » أخرجه الشيخان. ثم يفيق الإنسان من لحظة الضعف فيتذكر، ويستغفر، فيغفر الله له.

أما الاستحلال فهو الاستكبار عن عبادة الله والخضوع لأمره، فكأنما يقول صاحبه بلسان الحال أو بلسان المقال : هذا ما يقوله الله، أما أنا فلي في الأمر حكم آخر، كما قال الشيطان وهو يعلن عصيانه لأمر الله – عز وجل – بالسجود لآدم : « قَالَ أَنَا۠ خَیۡرٌ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِی مِن نَّارٍ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِینٍ » سورة ص [76]. أو قال : « قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَـٰلٍ مِّنۡ حَمَإٍ مَّسۡنُونٍ » سورة الحجر [۳۳].  وهذا الذي لا يغفره الله سبحانه لأنه شرك. « إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَغۡفِرُ أَن یُشۡرَكَ بِهِۦ وَیَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَ ٰلِكَ لِمَن یَشَاۤءُۚ..» سورة النساء [116].

استحالة اجتماع الإيمان والتخلِّي عن مقتضيات لا إله إلا الله

هل يمكن أن تمتد المعصية فتشمل كل المجتمع، ثم تمتد فتشمل كل عمل من أعمال الإسلام ؟!

ويبقى مجتمعا « مسلما » بعد ذلك ؟! بمجرد التصديق والإقرار ؟!

إننا إن أبحنا مبدأ « التصديق والإقرار » بوصفهما هما « الإيمان ».. وجعلنا الإيمان متحققًا بهما ولو لم يعمل الإنسان عملًا واحدًا من أعمال الإسلام، بدعوى أن العمل ليس داخلًا في مسمى الإيمان، وقررنا – بناء على ذلك – أن هذا القدر يكفي لإعطاء صفة الإسلام في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة.. إذا أبحنا ذلك لفرد واحد فهل نملك أن تمنعه عن أي فرد ؟ وعن كل الأفراد إن أرادوا ؟!

فكيف يكون الحال لو وجد عندنا مجتمع كله « مسلم » « مؤمن » على هذا النحو؟!

هل يتحقق فيه شئ مما أراده الله ببعث الرسل وإنزال الكتب ؟

من باب التذكير نعود إلى الآية التي تحدد الهدف من بعث الرسل وإنزال الكتب : ( لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡمِیزَانَ لِیَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ..) سورة الحديد [25]. فهل يقوم الناس بالقسط على هذا النحو؟!

ومن باب التذكير مرة أخرى نعود إلى الآية أو الآيات التي تحدد الهدف من إخراج هذه الأمة بالذات :

«كُنتُمۡ خَیۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ..» سورة آل عمران [۱۱۰].

« وَكَذَ ٰلِكَ جَعَلۡنَـٰكُمۡ أُمَّة وَسَطًا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَیَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَیۡكُمۡ شَهِیدًاۗ..» سورة البقرة [143].

« وَجَـٰهِدُوا۟ فِی ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَیۡكُمۡ فِی ٱلدِّینِ مِنۡ حَرَجۚ مِّلَّةَ أَبِیكُمۡ إِبۡرَ ٰهِیمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِینَ مِن قَبۡلُ وَفِی هَـٰذَا لِیَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِیدًا عَلَیۡكُمۡ وَتَكُونُوا۟ شُهَدَاۤءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِیرُ » سورة الحج [۷۸]

فهل يتحقق شئ من هذه الأهداف على هذا النحو؟!

أليس من مثل هذا الوهم – أو هذا السلوك الخاطئ – حذَّرنا الله – جل وعلا – بذكر حال بني إسرائيل لكي لا نقع فيه :فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡف وَرِثُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ یَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَیَقُولُونَ سَیُغۡفَرُ لَنَا وَإِن یَأۡتِهِمۡ عَرَض مِّثۡلُهُۥ یَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ یُؤۡخَذۡ عَلَیۡهِم مِّیثَـٰقُ ٱلۡكِتَـٰبِ أَن لَّا یَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُوا۟ مَا فِیهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡـَٔاخِرَةُ خَیۡر لِّلَّذِینَ یَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ » سورة الأعراف [169].

أم إن هذا تكليف يقع على عاتق بني إسرائيل وحدهم بينما تعفي منه الأمة المسلمة ؟!

لدرء هذا الوهم قال حذيفة – رضي الله عنه – : نعم الإخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لكم كل حلوة ولهم كل مرة. 3رواه الطبري عن حذيفة من أكثر من طريق. انظر تفسير الطبري 6/253 الطبعة الثالثة 1388 هـ !!

لا جرم أن يصبح « المجتمع، الذي تنتشر فيه هذه الأفكار الفاسدة عن (الإيمان) وعن ( مقتضيات لا إله إلا الله ) هو الغثاء الذي أخبر عنه رسول الله – صلى الله عليه وسلم- منذرًا محذرًا : « يُوشِكُ أن تَداعى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَداعى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، قيل: يا رسولَ اللهِ ! فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قال لا، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ » 4الألباني (ت ١٤٢٠), صحيح الجامع ٨١٨٣ -صحيح-

وتتداعى الأمم بالفعل على ذلك الغثاء، وهو قانع بالتصديق والإقرار، توهُّمًا منه أنه بذلك حائز على الإيمان !!

أما المجتمع المسلم – أي الذي يحكم بشريعة الله – فتحدث منه المعاصي ماقدر الله لها أن تحدث، ولكن يبقى في جميع الأحوال عملان اثنان على أقل تقدير لا يكف عنهما أي إنسان ليظل يُعامل في المجتمع المسلم على أنه مسلم، وحسابه على الله، ولكي ينجو من العقاب الماحق في الحياة الدنيا، هما الصلاة والتحاكم إلى شريعة الله، وهما العملان اللذان ظلا ثلاثة عشر قرنا من بديهيات عمل المسلم في المجتمع الإسلامي ( ولو كان في دخيلة نفسه كافرًا منافقًا ) رغم كل الانحراف الذي وقع فيه المسلمون خلال الأجيال، ورغم كل التفلت الذي تفلتوه من تكاليف الإسلام.. ولم يتخل الناس عنهما جهارًا نهارًا إلا في القرن الأخير..

إذًا تبين أنه من المستحيل أن يتخلى الإنسان عن كل مقتضيات لا إله إلا الله، ثم يظل مؤمنا بلا إله إلا الله..

مستحيل بالنسبة للأهداف التي من أجلها أرسل الله الرسل وأنزل معهم الكتاب.

ومستحيل بالنسبة لواقع المجتمع المسلم الذي يحكم بشريعة الله.

ومستحيل بالنسبة لواقع النفس البشرية، فإلى أي شيئ استند الذين يقولون: إن التصديق والإقرار هما كل متطلبات الإيمان، وإن الأعمال إن قام بها الإنسان بعد ذلك – فهي رفعة في الدرجات، وإن لم يقم بها فلا بأس على إيمانه، الذي يتحقق کاملا بمجرد التصديق والإقرار ؟!

المصدر:

كتاب “مفاهيم ينبغي أن تصحح” للأستاذ محمد قطب رحمه الله، ص56-82 بتصرُّف يسير.

الهوامش:

  1. الألباني (ت ١٤٢٠), صحيح النسائي (٤٣٠), أخرجه البخاري (٤٣٨) ومسلم (٥٢١).
  2. أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمی.
  3. رواه الطبري عن حذيفة من أكثر من طريق. انظر تفسير الطبري 6/253 الطبعة الثالثة 1388 هـ.
  4. الألباني (ت ١٤٢٠), صحيح الجامع ٨١٨٣ ,صحيح.

اقرأ أيضًا:

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية