”الدين النصيحة ...لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم“

أسباب معينة على توقِّي الظلم

للظلم أسباب مؤدية اليه، وبيئة تفرزه وتساعد عليه وتدعو الناس للوقوع فيه؛ ومن علمها علم الأسباب المعينة على توقي الظلم والابتعاد عنه؛ بل ومنع بيئته وأساسه.

مقدمة

الظلم وخيم العاقبة سيء الأثر، خطير على الفرد والأمة. ومن نظر الى صلاح المجتمعات، وصلاح آخرته؛ وجب له توقّي الظلم. ولا يتم له هذا إلا بفقه ما يؤدي اليه، وما يمنع منه. ليسلك سبيل العدل وتجنب مزالق الظلم المؤدية اليه.

والفقه الكبير في هذا هو كيفية اعتماد نظام وآلية تمنع الظلم وتجعل للمجتمع دوره العظيم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسلك الناظم لهذا هو إقامة الدين وتحكيم شريعة الله وكون السلطان مطواعا لدين الله ومنفذا لما أمر.

الأسباب الموقعة في الظلم

إن مما يعين على معرفة الأسباب التي يُتقَى بها الظلم؛ العلم بالأسباب التي تدفع إليه وتُوْقِعُ فيه؛ وهي كثيرة ومتنوعة لكنها لا تخرج في أصلها عن الأسباب التالية :

1- الشبهات التي تنشأ من قلة الفقه بالدين والتي تؤدي إلى التأويل الفاسد والاجتهاد الخاطئ .

2- القوة الشهوانية التي تنشأ عن حب الدنيا ومناصبها ومتاعها الزائل.

3- القوة الغضبية التي تنشأ عن الكبر والحقد والحسد وحب الانتقام والعلو في الأرض.

هذا وإن كان السببان الثاني والثالث يجمعهما شيء واحد؛ ألا هو الشهوة والهوى إلا أن إفراد القوة الشهوانية عن القوة الغضبية يساعد على فهم الأسباب بشكل أدق.

الأسباب الواقية من الظلم

وبعد هذه المقدمة عن أسباب الوقوع في الظلم نعرض الآن إلى ذكر بعض الأسباب المعينة على توقي الظلم ومن أهمها:

الأول: الفقه في الدين والالتزام بالأحكام الشرعية

إن الفقه في دين الله عز وجل عقيدةً وأحكاما يقي من كثير من صور الظلم التي منشؤها الجهل والشبهات. ويمكن تصور أثر ذلك في ظلم النفس بالوقوع في بعض البدع التي يحسبها أهلها من الدين ويتعبدون لله عز وجل بها، وقد يظلمون الناس بتضليلهم بها وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. وقد أُتُوا من جهلهم بالسنة وما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.

وليس هناك أنفع من التفقه في الدين ومعرفة ما كان عليه سلف الأمة لاتقاء هذا النوع من الظلم، بل قد يقع بعض الناس في الظلم الأعظم بسبب جهلهم بتوحيد الله وأسمائه وصفاته.

كما يظهر أيضا أثر الفقه في الأحكام الشرعية في اتقاء بعض صور الظلم التي تقع بين الناس في معاملاتهم والتي منشؤها الجهل بحرمتها أو الجهل بشروطها؛ كمن يجهل حرمة بيوع الغرر والجهالة، أو يجهل شروط البيع، أو يجهل حرمة بعض أنواع الربا … إلخ.

الثاني: تذكر الآثار والعقوبات التي تحل بالظالمين في الدنيا والآخرة

إن تذكّر العقوبات التي تحل بالظالم في الدنيا والآخرة جزاء ظلمه لهي من أنفع الأسباب في اتقاء الظلم والإقلاع عنه؛ فإذا تذكر الظالم مصارع الظالمين، وما يجره بظلمه على نفسه من الشقاء وعلى أمته من المفاسد العظيمة في الدنيا من قلة البركة واضطراب الأمن وانتشار الفساد وتسلط الأعداء وإثارة الشحناء والأحقاد والتدابر والتباغض بين الناس؛ إذا فكر في ذلك كله فإن العاقل المحب لنفسه ولأمته الخير يقلع عن الظلم ويحذره أشد الحذر حتى لا يكون شؤما على نفسه وأمته. وإذا كانت هذه الآثار الدنيوية كافية للعاقل في اتقاء الظلم وتركه فكيف إذا انضم إليها عقوبة الله عز وجل للظالمين يوم القيامة والتي تهون عندها كل العقوبات الدنيوية.

والحاصل أن من أكبر الزواجر والموانع عن الظلم عدم الغفلة عن ما ينتظر الظالم من العقوبات في الدينا، وما ينتظره من الحسرات عند الموت وعند قيام الأشهاد، فوق ما يحمله الناس له في الدينا من البغض والكراهية وتمني زواله، وتعرضه لدعاء المظلومين الذين ليس بين دعائهم وبين الله حجاب كما جاء ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «… واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». (1رواه البخاري ومسلم)

الثالث: الابتعاد عن الظالمين ومجالسهم ومصاحبة الصالحين المقسطين

لا أحد يشك في تأثير الصاحب والجليس على مجالسه؛ وبخاصة إذا كان الجليس يتميز عن جليسه بقوة أو غنى أو جاه أو رئاسة أو نحوها، ويزداد التأثر بشكل أقوى إذا كان المجالس بحاجة إلى جليسه في ماله أو جاهه. وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل».. (2أبو داود في الأدب (4833)، والترمذي في الزهد (2379))

فإذا كان جلساء المرء من شأنهم الظلم لأنفسهم بالشرك أو ما دونه من المعاصي، أو من شأنهم ظلم العباد والاعتداء على حقوقهم؛ فإن أحدا لا يماري في تأثر المجالس لهم شيئا فشيئا بأخلاقهم وممارساتهم؛ إلا أن يكون هو الأقوى فيؤثر فيهم وینکر عليهم. لأن المرء لا بد أن يؤثر أو يتأثر، وإذا لم يستطع أن يؤثر ولا ينكر فإنه لا يجوز له القعود معهم وإلا صار منهم بسكوته على ظلمهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ[الأنعام: 68].

وقد حذرَنا الله عز وجل من جليس السوء وما يجرّ على مصاحبه من الحسرات يوم القيامة فقال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا[الفرقان: 27-28].

والحاصل أن من أقوى الأسباب التي توقع المرء في الظلم بشتى صوره مجالسة الظالمين لأنفسهم والظالمين لعباد الله تعالى، والشواهد تدل على ذلك؛ فما من أحد ركن إلى الظالمين من أهل الجاه والمال والسلطان وصاحبهم وأمسى وأصبح وهو يرى ظلمهم دون إنكار منه إلا صار مع مرور الوقت يستمرىء هذا الوضع ويتعايش مع هذه الأجواء الظالمة شيئا فشيئا حتى يألفها ويصبح في نهاية الأمر من حماة الظلم وأعوان الظالمين. وهذا شيء ملاحَظ في جنود الظلمة وأعوانهم حيث أصبحوا آلة في أيدي الظلمة ينفّذون بهم ما يشاؤون من الظلم. وقد لا يجهلون أن ما يقومون به ظلم لكن حب الدنيا والعيش في أجواء الظلم وأهله يروّض النفوس ويخدّرها حتى لا تعرف معروفا ولا تنكر منكرا إلا ما أُشربت من هواها، وهذا شأن الفتن التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تُعرَض على القلوب كالحصير عودا عودا.

ولذا فمن أعظم الأسباب التي يُتقی بها الظلم الفرار من الظلمة ومجالسهم وعدم شهود مظالمهم. إلا من أراد رفع مظلمة أو إنكار ظلم أو مناصحة للظالمين دون الاستئناس معهم؛ فهذا مما يؤْذَن فيه، وهو على كل حال محکوم بقاعدة تعارُض المصالح والمفاسد. وفي نفس الوقت يبحث عن أهل الخير والصلاح والعدل، ويلزم غَرْزهم، ويعيش في أكنافهم، ويقتدي بسيرتهم العادلة..

كما أن عليه أن يكثر من قراءة سير السلف الصالحين الذين هَدوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وكان فيهم من الورع والزهد ما كانوا به ينصفون من أنفسهم ولا يظلمون الناس شيئا، فالإكثار من مصاحبة الصالحين وقراءة سيرهم الزكية يربي في النفس العدل وكراهية الظلم والخوف من عواقبه الوخيمة في الدنيا والآخرة.

الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله تعالی

إن الذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة، وتدل عليه الشواهد والوقائع؛ أنه ما من أمة تقوم فيها شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويرتفع فيها عَلَم الجهاد إلا ويزول عنها كثير من صور الظلم ومظاهره ويسودها العدل ويرتفع الذل والهوان فيها، ويحل محله العزة

والألفة والموالاة بين أبنائها؛ لأن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقضى على الفساد والمظالم التي تقع على الناس في أديانهم وأنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وبالجهاد يرتفع الظلم عن المظلومين المضطهدين، وبالجهاد يقضى على الفتنة في الدين ويتم إنقاذ المستضعفين.

ويذكر لنا الله عز وجل تلك العلاقة الطردية بين موالاة المؤمنين بعضهم لبعض وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فيقول سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[التوبة: 71] ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا تبایعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد في سبيل الله؛ سلَّط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنکم حتى ترجعوا إلى دنيكم». (3أبو داود في البيوع والإجارات (3462)، وقال محقق جامع الأصول: هو صحيح)

من خلال النصوص السابقة يتضح لنا الأثر العظيم لشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في اتقاء الظلم ورفعه إذا وجد بين الناس؛ لأن الأمة التي يؤخذ فيها على يد السفيه والظالم فيُردَع عن ظلمه، ويُنصر فيها المظلوم، ويعلم الظالم أنه متى ما ظلم وطغى وبغى فإن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر له بالمرصاد..

إن الأمة حين تكون بهذه المثابة فإن الناس يعيشون آمنين على دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وحينها يقل الظلم بين الناس ويعيشون في ألفة وسلام ومحبة وإخاء، ويوالي بعضهم بعضا، ويجتمعون على عداوة الكافرين والمنافقين الذين يتربصون بهم الدوائر.

وبذلك تحيى العزة في النفوس، ويزول الذل والوهن والضعف، وتكون مهيأة للجهاد في سبيل الله عز وجل.

خاتمة

وهنا مسالة مهمة أرى أنها جديرة بالذكر في هذا المقام؛ ألا وهي أثر الحكم بشرع الله عز وجل والتحاكم إليه في رفع الظلم واتقاء المظالم، والتلازم الشديد بينهما؛ فحيثما كان الحكم بشرع الله عز وجل في حياة الناس فإن العدل والأمن والطمأنية تسود حياتهم. وفي مثل هذه الأجواء يقل الظلم والظالمون.

وعلى العكس من ذلك عندما يضعف الحكم بما أنزل الله أو يغيب عن حياة الناس فإن مظاهر الظلم والعناء والشقاء تبدو في حياتهم واضحة للعيان، وهذا أمر معروف من سنن الله عز وجل في التغيير؛ حيث إن ما يصيب الناس من ظلم بعضهم بعضا أو ظلم الولاة لهم أو تسلُّط الأعداء عليهم وعلى وُلاتهم، فإن كل ذلك بسبب إعراضهم عن شرع الله عز وجل وعدم التزام أحكامه وإقامة حدوده.

ومع أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله عز وجل يُعدّ من أعظم الأسباب الرافعة للظلم والفساد، إلا أن هذه الشعيرة العظيمة يبقى أثرها محدودا وضعيفا في المجتمعات التي لا تحكم بما أنزل الله تعالى، ولا يظهر أثرها العظيم إلا حينما يجتمع القرآن والسلطان، ويهيمن على الناس شرع الله المطهر.

ولا يعني هذا ترك الأمر والنهي في المجتمعات التي لا تحكم بشرع الله عز وجل ! كلا، بل لا بد من الأمر والنهي ومدافعة الظلم والفساد حسب المستطاع، مع العمل الجاد لإنكار المنكر الأكبر وإقامة المعروف الأكبر؛ وهو توحيد الله عز وجل بالطاعة والاتباع المتمثل في الحكم بما أنزل الله ورفض شرع ما سواه، حتى يكون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أثرهما الإيجابي في حياة الناس، فيؤخذ على أيدي الظالمين والمفسدين، ويؤطرون على الحق أطرا بقوة القرآن والسلطان . وبذلك تختفي كثير من صور الظلم والفساد والعدوان.

…………………….

الهوامش:

  1. رواه البخاري ومسلم.
  2. أبو داود في الأدب (4833)، والترمذي في الزهد (2379).
  3. أبو داود في البيوع والإجارات (3462)، وقال محقق جامع الأصول: هو صحيح.

اقرأ أيضا:

0 0 تصويت
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

اشترك في قائمة البريد ليصلك كل جديد