المحبة هي أصل العبادة، وهي ثمرة معرفة الله عز وجل بأسمائه وصفاته الحسنی، وهي مستلزمة لتوحيده وطاعته، وكلما قويت المحبة في قلب العبد ظهر أثرها في الانقياد التام لأمر الله عز وجل والتضحية في سبيله، وبغض أعدائه ومجاهدتهم وموالاة أوليائه ونصرتهم.

أكمل الناس في المحبة

أكمل الناس محبة لله عز وجل هم الأنبياء وأفضل الأنبياء في ذلك الخليلان: إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولذلك يقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً»1(1) أخرجه مسلم  (2383). أي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يتخذ من أمته خليلاً، مع شدة محبته لـأبي بكر ولـعائشة رضي الله تعالى عنها، من أجل أن تكون خلته لله وحده، فهو خليل الرحمن، كما أن إبراهيم خليله صلوات الله وسلامه عليهما، ولذلك كانت أعمال الخليلين، وحياة الخليلين شاهدة على كمال الخُلّة التي حققاها.

فهذا إبراهيم عليه السلام عندما ابتلاه الله بأن يترك ابنه وزوجته في صحراء مكة القاحلة، بواد غير ذي زرع، وأمر أن يذهب ويرجع إلى بلاد الشام ولا يترك معهما شيئاً وأن يوكلها إلى الله، وأيقن بذلك، وذهب وتركهما.

ثم لما ابتلي بأكثر من ذلك؛ بأن يذبح ابنه إسماعيل حقق ذلك، فأضجعه وتله للجبين، ولولا أن الله تبارك وتعالى فداه بالذبح العظيم لذبح ابنه، لأن قلبه قد تجرد عن كل محبة تخالف محبة الله تبارك وتعالى، وأصبح خليلاً للرحمن، والخليل لا يمكن أن يخالف أمر خليله أبداً، بل يأتمر بأمره ويطيعه في كل شيء وفي كل أمر.

الاتباع والتزام الشرع هو من كمال المحبة

ولهذا ربط الله تبارك وتعالى بين المحبة والاتباع كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران:31] فحقيقة المحبة، أن يتبع العبد ما أنزل الله، وأن يتبع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن يتبع ما شرع الله وما أمر به ولا يخرج عن شيء من ذلك أبداًَ، فإن تمسك بهذا ترقى به في مدارج العبودية، وهو الذي يتحقق به كمال العبودية وبالتالي كمال المحبة.

اقتران الجهاد بالمحبة

ولذلك لما كان أعظم وأشق أنواع العبادات هو الجهاد اقترن بالمحبة؛ لأنك إن كنت تحبه فلا بد أن تجاهد في سبيله، وتضحي بالغالي والنفيس من أجله، ولذلك يقول الله تبارك وتعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)[التوبة:24].

فهنا قارن الله بين المحبتين، فإما أن تكون هذه أحب أو تلك وهذا حال أكثر الناس مع الأسف الشديد محبة الأبناء والأزواج والعشيرة والأموال والمساكن والدنيا والأراضي والشركات والمؤسسات، وكل ما هو من زينة الحياة الدنيا.

فإن كانت هذه أحب إليك من الله ورسوله وجهاد في سبيله، والجهاد: خصه الله من بين سائر العبادات لأنه أشق العبادات، وهو الغاية قال: (وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ) فإن حدتم عنها (فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) وهذا وعيد من الله تبارك وتعالى، فإما أن يسلط الله عز وجل الذل على المؤمنين، كما جاء في الحديث: «إذا تبايعتم بالعينة، واشتغلتم بالزرع، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم»2(2) أخرجه أبو داود (3462)، والبزار (5887)، والطبراني في ((مسند الشاميين)) (2417). وإما أن ينزل علينا عقوباته السماوية، وإما أن يعاقب من فعل ذلك بتسليط بعض خلقه عليه، فهو يعاقب كما يشاء وكيف يشاء.

صفات من اصطفاهم الله لمحبته

قال الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)  [المائدة:54] فهذه الصفة العظيمة أول ما ذكر (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) فجمع بين المحبة وبين الجهاد في سبيل الله، ولذلك جعل الله هذه المحبة متبادلة (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) فهذا دليل على أنه اصطفاهم واختارهم من بين خلقه، وإلا فهو تعالى يخلق ما يشاء، فكل هذا الكون بيده، والكل في ملكه وفي سلطانه عز وجل، وكل ما ترى أعيننا من خلائق فهي مسبحة بحمده كما أخبر به الله بقوله: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)  [الإسراء:44]، ومع ذلك فقد اختار هؤلاء ليحبهم وليحبوه عز وجل.

فهو الودود، والمؤمنون يودونه، هو يُحِب ويُحَب -وهو القول الذي لا يجوز الذهاب إلى سواه- وهذا قول أهل السنة والجماعة بخلاف من أنكر ذلك من غلاظ القلوب والأكباد من الجهمية وأمثالهم من المؤولين كـالأشعرية الذين ينكرون أن الله يُحِب ويُحَب.

يحبهم ويحبونه هذا أول الأمر، علاقة مع الله تبارك وتعالى، أما في العلاقة مع الخلق فتتصف أخلاقهم بالذل للمؤمنين والعزة على الكافرين، فهذه هي العلاقة الصحيحة التي هي صفة من يختاره الله جل وعلا، إذا ارتد الناس عن دينه فإنه يختار ويصطفي هؤلاء.

أما المحب للكافرين والكاره للمؤمنين فهذا لا يمكن أن يصطفيه أو يختاره الله، بل هو من الهالكين، وممن يشمله الوعيد الذي في الآية السابقة من سورة التوبة.

المحبون الله يصدعون بالحق ولا يخشون في الله لومة لائم

ثم يأتي من صفات أحباء الله أنهم يجاهدون في سبيله، لأنه من كمل محبته لله، وكمل ولاؤه للمؤمنين لا بد أن يجرد سيفه لمقاتلة أعداء الله عز وجل الذين يبغضون الله ويبغضهم الله تبارك وتعالى، والذين يبغضون المؤمنين ويبغضهم المؤمنون، ولا يخافون في الله لومة لائم، لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقولون كلمة الحق، ولو خافوا في الله لومة لائم ما قالوا الحق، وهذه سمة واضحة في كل من خاف الخلق في الله؛ أنه لا يقول كلمة الحق أبداً، لأن أهواء الناس تخالف ذلك الحق.

فإن تكلم في الأخطاء والانحرافات والضلالات التي يقع فيها الحكام والسلاطين لم يرض عنه الحكام، وإن تكلم فيما يقع فيه التجار من المحرمات والمعاملات المحرمة وما أشبه ذلك، فهذا لن يرضى عنه التجار، وإن تكلم في ما يقع فيه طلاب العلم غضبوا عليه، وإن تكلم في أي طائفة من الناس ممن خالفوا أمر الله ودينه، وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فإن ذلك لا يعجبهم.

ولذلك فالمؤمن من صفاته أنه لا يخاف في الله لومة لائم، فمن كانت هذه صفته فهو من المختارين، وهو البديل لمن يرتد عن دين الله تبارك وتعالى، ولا يقوم بحمل أمانة هذا الدين التي هي أعظم الأمانات وأثقلها إلا من كانت هذه صفته.

والمؤمنون بإخلاصهم في دين الله واجتهادهم في طاعة الله، لا بد أن يلاموا، لأنه لم يقم أحد بشيء من هذا الدين وعمل من أجله وجاهد عليه إلا تعرض للوم.

والرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم قيل عنهم: هذا ساحر، وهذا شاعر، وهذا كاهن، وهذا كذاب، وقالوا عن القرآن: أساطير الأولين اكتتبها وأعانه عليه قوم آخرون، أشياء عظيمة قيلت فيهم، فلا بد أن يقع اللوم، فما على المؤمن إلا أن يستقيم على أمر الله؛ فإن وقع عليه من اللوم -وهو لا يطلبه- فليحمد الله الذي أعانه ووفقه للصبر والثبات لكي يكون ممن اختارهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

محبة الرسول تبع لمحبة الله عز وجل

المحبة لله يتفرع عنها محبة عظمى، وهي محبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولهذا قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما في الحديث المتفق عليه: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»3(3) أخرجه البخاري (15). ومحبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمل قلبي عظيم، وقربة عظمى، فهي قرة عيون المؤمنين، فأما من رآه منهم فوالله ما يعدلون برؤيته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيئاً في هذه الدنيا، وإن كانوا ممن لم يروه -كما هو حالنا- فوالله لا يرون أن شيئاً في هذه الدنيا يساوي أن يكونوا قد رأوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مهما أوتوا من متاعها، وإن أعظم ما يرجوه عند الله في الجنة أن يروا ربهم عز وجل، وأن يروا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويكونوا رفقاءه في الجنة، فهذا غاية ما يسعى إليه كل مؤمن.

تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر من لوازم محبته صلى الله عليه وسلم

ومن لوازم محبته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الاهتداء بهديه والاقتداء بسنته، ومحبة ما أحب، وأعظم ما أحب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أحب الله، وأحب الجهاد، وأحب الأمر بالمعروف، وأحب النهي عن المنكر، وأحب الصلاة، وأحب المؤمنين، وأبغض صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الكفر، والشرك، والنفاق، والكافرين، والمشركين، والمنافقين، والفجار، والكذابين، والظالمين، وهكذا.

فإذا أحب الإنسان ما أحبه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأبغض ما أبغضه الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان الإنسان سائراً على درب المحبة وطريقها، كما قال عز وجل: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [آل عمران:31].

المحبة لله عز وجل ليست بالادعاء ولكن بالاتباع

جعل الله تعالى حقيقة محبته في اتباع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم رتب على ذلك (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله) [آل عمران:31] فرتب على اتباع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحبهم الله، فإذاً: ليس الغرض أن يدعي أحد محبة الله، كما قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله هذه الآية، فهذه آية المحنة أو آية الامتحان، لأنها امتحان لهم في حقيقة المحبة.

فليس الغرض فقط أن يدعي قوم أنهم يحبون الله، بل الغاية أن الله يحبهم، فلو أن أحداً ظن أنه يحب الله، ولكن الله لا يحبه فلن ينفعه ذلك أبداً!

فانظر إلى عباد النصارى الذين حجروا على أنفسهم في الأديرة والصوامع، وحرموا ما أحل الله اعتقاداً وظناً منهم أنهم يفعلون ذلك قربة إلى الله، وأن الله يحبهم؛ ولكن لم ينفعهم ذلك، لأن الله لا يحبهم، فلذلك لم ينفعهم أي عمل، فالغرض من هذه العبادات حصول الثمرة وهو أن يحبهم الله، وليس أن يدّعوا هم محبة الله، فلهذا قال: (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ) [آل عمران:31] فإذا أحبك الله فهذه هي النعمة، وهذا هو الرضوان، وهذه هي البشرى، فأبشر بالجنة وأبشر بالخير، وبمحبة الناس لك في هذه الحياة الدنيا، فإن الله تبارك وتعالى كما ثبت في الحديث: «إذا أحب الله عبداً نادى جبريل -عليه السلام-: إني أحب فلان فأحبه، فيحبه جبريل عليه السلام، وينادي في أهل السماء: إن الله تبارك وتعالى يحب فلاناً فأحبوه، فيحبونه، ثم يوضع له القبول في الأرض؛ فيحبه أهل الأرض»4(4) أخرجه مسلم (2637). فهذا الفضل من الله لمن يحبه الله عز وجل.

فنحن محتاجون إلى محبة الله لنا، أما دعوانا أننا نحب الله، فيمكن لكل كافر وزنديق وملحد وأي إنسان من بر أو فاجر أن يدعيها، لكن ما حقيقة ذلك وما دلالته؟!

 التزام الشريعة أثر لازم لمحبة الله ورسوله

لا بد أن يعلم الإنسان أن المحبة في الحقيقة هي في الاتباع، ولا نقول: إن الاتباع يتجرد عن المحبة بمعناها القلبي، لأن المحبة القلبية هي من الاتباع، فما محبة الله ومحبة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا في الاتباع العام، والالتزام بسنته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أثر لازمٌ وظاهرٌ لهذه المحبة التي هي عمل قلبي، فإن كانت المحبة صادقة فإن هذا يظهر في سلوك جوارح وأعمال المحب. وذلك بأن يحب العبد كل ما أحبه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ويبغض كل ما أبغضه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويتأسى به في كل عمل، وفي كل ما ثبت عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

حلاوة الإيمان وكيف نصل إليها

وتقديم محبة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على غيره يثمر للعبد ثمرةً عظيمة ونعمة كبرى، لا تعادلها كنوز الدنيا جميعاً ولا ملذاتها، ألا وهي حلاوة الإيمان، جاء في الحديث: «ثلاث من كن فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان»5(5) أخرجه البخاري (16)، ومسلم (43). فالإيمان شيء وحلاوته شيء آخر، فكونك تجد حلاوة الإيمان وتعلم نعيمها، فإنه يهون أمامك كل شيء، وتشعر بأن هذه هي جنة الدنيا، كما قال شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله: ”إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”6(6) مدراج السالكين (1/452). فبقدر تنعمك بحلاوة الإيمان في قلبك يكون تنعمك بالجنة بإذن الله.

أما الذين أغلقت قلوبهم وحجبت، وطمست بالكفر والشهوات والشبهات في الدنيا عن ذكر الله ومحبته فهؤلاء هم أهل النار والعياذ بالله، قال صلى الله عليه وسلم في حلاوة الإيمان: «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» فلا يقدم عليهما في المحبة أي شيء، وإن حدث تعارض بين مقتضى محبة الله مع مقتضى محبة الأهل أو النفس أو الزوجة أو غير ذلك من الأحباب والأخلاء والأصدقاء، فإنه يجب أن يقدم مقتضى محبة الله تبارك وتعالى على ذلك، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله» وهذا فرع عن الأول، لأن الناس لا بد لهم من علاقات فيما بينهم، على أن تكون هذه العلاقات بين الخلق مبنية على المحبة في الله، وهذا ما دلت عليه الآية (يحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) [المائدة:54].

فكل الآيات والأحاديث في مدلولاتها وتطبيقاتها في منهج أهل السنة والجماعة تترابط دائماً وتدل على معنى وحقيقة واحدة.

فمن ذاق طعم الإيمان، وذاق حلاوته، وأحب الله ورسوله، وقدم محبتهما على كل شيء، وأحب المرء أخاه ولم يحبه إلا لله خالصاً لوجهه الكريم، فإنه لا بد أن تثمر عنده: «وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» فهذه هي الحالة الثالثة، وكما قد جرى لأصحاب الأخدود، وعذب أصحاب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكما يفتن المؤمنون في كل زمان ومكان، ولا يرجعون عن دينهم أبداً، لأنهم ذاقوا حلاوة الإيمان.

ولهذا يجعل الله تبارك وتعالى من الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: «رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه» لأن محبتهما تجردت عن أن تكون لهوى أو لشهوة أو لغرض مما يجتمع عليه الناس، وهذه هي المحبة التي تدوم عند الله تبارك وتعالى.

أما ما عداها: فكل نسب، وكل علاقة، وكل صلة، وكل محبة يوم القيامة ليست لله عز وجل فهي مقطوعة، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضاً، ويعادي بعضهم بعضاًَ على مودتهم في الحياة الدنيا (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف:67] فالمتقون أحباء في الدنيا وأحباء في الآخرة.

الهوامش

(1) أخرجه مسلم  (2383).

(2) أخرجه أبو داود (3462)، والبزار (5887)، والطبراني في ((مسند الشاميين)) (2417).

(3) أخرجه البخاري (15).

(4) أخرجه مسلم (2637).

(5) أخرجه البخاري (16)، ومسلم (43).

(6) مدراج السالكين (1/452).

المصدر

المكتبة الشاملة: محاضرة للشيخ سفر الحوالي بتصرف يسير.

اقرأ أيضا

علاقة المحبة بالإيمان والعبادة

مجاهدة النفس على العمل: (المحبة والإخلاص)

وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ .. (4) التلازم بين المحبة والتشريع

 

التعليقات غير متاحة