الصلاة قرة عيون المحبين في هذه الدنيا لما فيها من مناجاة من لا تقر العيون ولا تطمئن القلوب ولا تسكن النفوس إلا إليه، والتنعم بذكره والتذلل والخضوع له والقرب منه، ولا سيما في حال السجود، وتلك الحال أقرب ما يكون العبد من ربه فيها.

 راحة المحب وقرة عينه في الصلاة

ومن هذا قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «يا بلال أرحنا بالصلاة»1(1) أخرجه أحمد (5/ 364)، وأبو داود (4985). فأعلم بذلك أن راحته في الصلاة، كما أخبر أن قرة عينه فيها. فأين هذا من قول القائل نصلي ونستريح من الصلاة.

فالمحب راحته وقرة عينه في الصلاة، والغافل المعرض ليس له نصيب من ذلك، بل الصلاة كبيرة شاقة عليه، إذا قام فيها كأنه على الجمر، حتى يتخلص منها، وأحب الصلاة إليه أعجلها وأسرعها، فإنه ليس له قرة عين فيها، ولا لقلبه راحة بها، والعبد إذا قرت عينه بشيء واستراح قلبه به فأشق ما عليه مفارقته، والمتكلف الفارغ القلب من الله والدار الآخرة المبتلى بمحبة الدنيا أشق ما عليه الصلاة وأكره ما إليه طولها مع تفرغه وصحته وعدم اشتغاله.

ومما ينبغي أن يعلم أن الصلاة التي تقر بها العين ويستريح بها القلب هي التي تجمع ستة مشاهد:

المشهد الأول: الإخلاص

وهو أن يكون الحامل عليها والداعي إليها رغبة العبد في الله ومحبته له، وطلب مرضاته والقرب منه، والتودد إليه، وامتثال أمره بحيث لا يكون الباعث له عليها حظًا من حظوظ الدنيا ألبتة، بل يأتي بها ابتغاء وجه ربه الأعلى، محبة له وخوفًا من عذابه ورجاء لمغفرته وثوابه.

المشهد الثاني: مشهد الصدق والنصح

وهو أن يفرغ قلبه لله فيها، ويستفرغ جهده في إقباله فيها على الله، وجمع قلبه عليها، وإيقاعها على أحسن الوجوه وأكملها ظاهرًا وباطنًا فإن الصلاة لها ظاهر وباطن فظاهرها: الأفعال المشاهدة والأقوال المسموعة، وباطنها: الخشوع والمراقبة، وتفريغ القلب لله، والإقبال بكليته على الله فيها، بحيث لا يلتفت قلبه عنه إلى غيره, فهذا بمنزلة الروح لها، والأفعال بمنزلة البدن، فإذا خلت من الروح كانت كبدن لا روح فيه.

أفلا يستحي العبد أن يواجه سيده بمثل ذلك، ولهذا تُلف بالثوب الخلق ويضرب بها وجه صاحبها، وتقول: ضيعك الله كما ضيعتني، والصلاة التي كمل ظاهرها وباطنها تصعد ولها نور وبرهان كنور الشمس حتى تعرض على الله، فيرضاها ويقبلها وتقول: حفظك الله كما حفظتني2(2) ورد هذا المعنى من حديث أنس بن مالك وعبادة بن الصامت، بأسانيد ضعيفة عند الطبراني وغيره..

المشهد الثالث: مشهد المتابعة والاقتداء

وهو أن يحرص كل الحرص على الاقتداء في صلاته بالنبي – صلى الله عليه وسلم – ويصلي كما كان يصلي ويعرض عما أحدث الناس في الصلاة من الزيادة والنقصان والأوضاع التي لم ينقل عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – شيء منها ولا عن أحد من أصحابه، ولا يقف عند أقوال المرخصين الذين يقفون مع أقل ما يعتقدون وجوبه، ويكون غيرهم قد نازعهم في ذلك وأوجب ما أسقطوه. ولعل الأحاديث الثابتة والسنة النبوية من جانبه، ولا يلتفتون إلى ذلك ويقولون: نحن مقلدون لمذهب فلان، وهذا لا يخلص عند الله ولا يكون عذرًا لمن تخلف عما علمه من السنة عنده، فإن الله سبحانه إنما أمر بطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – واتباعه وحده، ولم يأمر باتباع غيره، وإنما يطاع غيره إذا أمر بما أمر به الرسول – صلى الله عليه وسلم – وكل أحد سوى الرسول – صلى الله عليه وسلم – فمأخوذ من قوله ومتروك.

المشهد الرابع: مشهد الإحسان

وهو مشهد المراقبة وهو أن يعبد الله كأنه يراه، وهذا المشهد إنما ينشأ من كمال الإيمان بالله وأسمائه وصفاته، حتى كأنه يرى الله سبحانه فوق سمواته مستويات على عرشه، يتكلم بأمره ونهيه، ويدبر أمر الخليقة فينزل الأمر من عنده ويصعد إليه، وتعرض أعمال العباد وأرواحهم عند الموافاة عليه، فيشهد ذلك كله بقلبه ويشهد أسماءه وصفاته، ويشهد قيومًا حيًا سميعًا بصيرًا عزيزًا حكيمًا آمرًا ناهيًا يحب ويبغض ويرضى ويغضب ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو فوق عرشه لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد ولا أقوالهم ولا بواطنهم بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

ومشهد الإحسان أصل أعمال القلوب كلها، فإنه يوجب الحياء والإجلال والتعظيم والخشية والمحبة والإنابة والتوكل والخضوع لله سبحانه والذل له ويقطع الوساوس وحديث النفس ويجمع القلب والهم على الله، فحظ العبد من القرب من الله على قدر حظه من مقام الإحسان، وبحسبه تتفاوت الصلاة حتى يكون بين صلاة الرجلين من الفضل كما بين السماء والأرض وقيامهما وركوعهما وسجودهما واحد.

المشهد الخامس: مشهد المنة

وهو أن يشهد أن المنة لله سبحانه كونه أقامه في هذا المقام وأهلهُ له ووفقه لقيام قلبه وبدنه في خدمته فلولا الله سبحانه لم يكن شيء من ذلك كما كان الصحابة يَحْدُون بين يدي النبي – صلى الله عليه وسلم – فيقولون:

والله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدقنا ولا صلينا

قال الله تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [الحجرات: 17].

فالله سبحانه هو الذي جعل المسلم مسلمًا والمصلي مصليًا كما قال الخليل: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) [البقرة: 128] وقال: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) [إبراهيم: 40].

فالمنة لله وحده في أن جعل عبده قائمًا بطاعته, وكان هذا من أعظم نعمه عليه وقال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل: 53] وقال: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ) [الحجرات: 7].

وهذا المشهد من أعظم المشاهد وأنفعها للعبد، وكلما كان العبد أعظم توحيدًا كان حظه من هذا المشهد أتم وفيه من الفوائد:

1 – أن يحول بين القلب وبين العجب بالعمل ورؤيته فإنه إذا شهد أن الله سبحانه هو المان به الموفق له الهادي إليه شغله شهود ذلك عن رؤيته والإعجاب به وأن يصول به على الناس فيرفع من قلبه فلا يعجب به، ومن لسانه فلا يمن به ولا يتكثر به، وهذا شأن العمل المرفوع.

2 – ومن فوائده أنه يضيف الحمد إلى وليه ومستحقه فلا يشهد لنفسه حمدًا بل يشهده كله لله كما يشهد النعمة كلها منه والفضل كله له والخير كله في يديه.

وهذه من تمام التوحيد، فلا يستقر قدمه في مقام التوحيد، إلا بعلم ذلك وشهوده فإذا علمه ورسخ فيه صار له مشهدًا وإذا صار لقلبه مشهدًا أثمر له من المحبة والأنس بالله والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وطاعته ما لا نسبة بينه وبين أعلى نعيم الدنيا ألبتة، وما للمرء خير في حياته إذا كان قلبه عن هذا مصدودًا وطريق الوصول إليه عنه مسدودًا، بل هو كما قال تعالى: (ذَرْهُمْ يَاكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [الحجر: 3].

المشهد السادس: مشهد التقصير

وأن العبد لو اجتهد في القيام بالأمر غاية الاجتهاد وبذل وسعه فهو مقصر وحق الله سبحانه عليه أعظم والذي ينبغي له أن يقابل به من الطاعة والعبودية والخدمة فوق ذلك بكثير، وأن عظمته وجلاله سبحانه يقتضي من العبودية ما يليق بها، وإذا كان خدم الملوك وعبيدهم يعاملونهم في خدمتهم بالإجلال لهم والتعظيم والاحترام والتوقير والحياء والمهابة والخشية والنصح بحيث يفرغون قلوبهم وجوارحهم لهم، فمالك الملوك ورب السموات والأرض أولى أن يعامل بذلك بل بأضعاف ذلك، وإذا شهد العبد من نفسه أنه لم يوف ربه في عبوديته حقه ولا قريبًا من حقه علم تقصيره ولم يسعه مع ذلك غير الاستغفار والاعتذار من تقصيره وتفريطه وعدم القيام بما ينبغي له من حقه وأنه إلى أن يغفر له العبودية ويعفو عنه فيها, أحوج منه إلى أن يطلب منه عليها ثوابًا وهو لو وفاها حقها كما ينبغي لكانت مستحقة عليه بمقتضى العبودية, فإن عمل العبد وخدمته لسيده مستحق عليه بحكم كونه عبده، ومملوكه فلو طلب منه الأجرة على عمله وخدمته لعده الناس أحمق وأخرق.

هذا وليس هو عبده ولا مملوكه على الحقيقة وهو عبد الله ومملوكه على الحقيقة من كل وجه لله سبحانه، فعمله وخدمته مستحق عليه بحكم كونه عبده فإذا أثابه عليه كان ذلك مجرد فضل ومنة وإحسان إليه لا يستحقه العبد عليه، ومن ههنا يفهم معنى قول النبي – صلى الله عليه وسلم -: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله» قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل»3(3) متفق عليه من حديث عائشة وله شواهد أخرى..

الهوامش

(1) أخرجه أحمد (5/ 364)، وأبو داود (4985).

(2) ورد هذا المعنى من حديث أنس بن مالك وعبادة بن الصامت، بأسانيد ضعيفة عند الطبراني وغيره.

(3) متفق عليه من حديث عائشة وله شواهد أخرى.

المصدر

كتاب: “ذوق الصلاة عند ابن القيم – رحمه الله –” عادل بن عبد الشكور بن عباس الزرقي، ص85-91.

اقرأ أيضا

سر الصلاة وروحها الإقبال على الله

نبذة يسيرة في ذَوق الصلاة (1)

نبذة يسيرة في ذَوق الصلاة (2)

التعليقات غير متاحة