زمن القراءة ~ 6 دقيقة 

إن توحيد الله عز وجل في حاكميته هو اعتقاد تفرده في الحكم وأنه الحاكم شرعاً لكل ما يحبه ويرضـاه، وقدراً لكل ما أوجده وقضاه، ووجوب الرجوع إلى حكم الله الشرعي والتزامه، وأنه ليس لنا أن نشرع في دين الله ما ليس منه؛ لا في العبادات ولا في المعاملات.

مقدمة

إن خطورة هذا الشرك لتظهر في عصرنا اليوم الذي أقصي فيه شرع الله عز وجل جانبا، وحكم في الأنفس والعقول والأموال والأعراض بأنظمة البشر وأهواء البشر، التي تخلو من العلم والحكمة، ومعرفة عواقب الأمور، وإنما الذي يسيطر عليها الجهل والهوى والتخبط . وإنه لم يظهر مثل هذا الشرك الخطير في تاريخ الأمة الإسلامية كما ظهر في زماننا اليوم .

التشريع حق خالص لله

ونظرا لخطورة هذا الأمر ، وقلة من تكلم عنه أنقل كلاما نافعا للشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى، وهو يتحدث عن هذا الشرك الجديد في (أضواء البيان) عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ۲۶].

قال رحمه الله تعالى: (قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر «ولا يشرك» بالياء المثناه التحتية ، وضم الكاف على الخبر ، ولا نافية ، والمعنى: ولا يشرك الله جل وعلا أحدا في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا ، لا حكم لغيره البتة ، فالحلال ما أحله تعالى ، والحرام ما حرمه، والدین ما شرعه ، والقضاء ما قضاه ، وقرأه ابن عامر من السبعة: «ولا تشرك» بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النهي ؛ أي لا تشرك يا نبي الله ، أو لا تشرك أيها المخاطب أحدا في حكم الله جل وعلا ، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم ، وحكمه جل وعلا المذكور في قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ شامل لكل ما يقضيه جل وعلا، ويدخل – في ذلك . التشريع دخولا أوليا .

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه ، على كلتا القراءتين، جاء مبينا في آيات أخر ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [یوسف: 40]، قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ… الآية﴾ [يوسف: 6۷]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه… الآية﴾ [الشوری: ۱۰] ، وقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ ۖ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا ۚ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر : ۱۲] ، وقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة : ۵۰] ، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: 114]، إلى غير ذلك من الآيات .

اتباع شرع غير شرع الله كفر أكبر

ويفهم من هذه الآيات كقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ أن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله ، وهذا المفهوم جاء مبينا في آيات أخرى ؛ كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰ أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ۱۲۱] فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم .

وهذا الإشراك في الطاعة واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [یس: 60-61]، وقوله تعالى تعالى عن نبيه إبراهيم: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: 44]، وقوله تعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَّرِيدًا﴾ [النساء: ۱۱۷] ، أي: ما يعبدون إلا شیطانا ، وذلك باتباع تشریعه ؛ ولذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء، في قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ … الآية﴾ [الأنعام: ۱۳۷].

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا لعدي بن حاتم رضي الله عنه لما سأله عن قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ… الآية﴾ [التوبة: ۳۱]، فبين له أنهم أحلوا لهم ما حرم الله ، وحرموا عليهم ما أحل الله ، فاتبعوهم في ذلك، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أربابا .

إرادة التحاكم شرط في وقوع الكفر

ومن أصرح الأدلة في هذا أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب ؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 60] وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم، أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم)1(1) أضواء البيان (4/90-92). اه .

التحاكم إلى الشرع من لوازم الإيمان وموجباته

وحول هذا الموضوع أيضا قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالی عند قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ۵۹]: (إن هذه الآية تتضمن أمورا … إلى أن قال :

ومنها: أنه جعل هذا الرد من موجبات الإيمان ولوازمه ، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان ؛ ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه ، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين؛ فإنه من الطرفين، وكلا منهما ينتفي بانتفاء الآخر، ثم أخبرهم أن هذا الرد خير وأن عاقبته أحسن عاقبة ، ثم أخبر أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه .

والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع ؛ فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله ، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله .

فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم “عدلوا” من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت ، وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت ، وعن طاعته ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته ، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين الفائزين من هذه الأمة وهم الصحابة ومن تبعهم، ولا قصدوا قصدهم ؛ بل خالفوهم في الطريق والقصد معا .

ثم أخبر تعالى عن هؤلاء، بأنهم إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا عن ذلك ، ولم يستجيبوا للداعي ، ورضوا بحكم غيره ، ثم توعدهم بأنهم إذا أصابتهم مصيبة في عقولهم وأديانهم وبصائرهم وأبدانهم ، وأموالهم بسبب إعراضهم عما جاء به الرسول ، وتحكيم غيره ، والتحاكم إليه ، كما قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: 49]، اعتذروا بأنهم إنما قصدوا الإحسان والتوفيق ؛ أي بفعل ما يرضي الفريقين، ويوفق بينهما، كما يفعله من يروم التوفيق بين ما جاء به الرسول ، وبين ما خالفه ، ويزعم أنه بذلك محسن قاصد الإصلاح والتوفيق .

والإيمان إنما يقتضي إلقاء الحرب بين ما جاء به الرسول وبين كل ما خالفه من طريقة وحقيقة وعقيدة وسياسة ورأي ؛ فمحض الإيمان في هذه الحرب لا في التوفيق ، وبالله التوفيق .

ثم أقسم سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن العباد حتى يحكموا رسوله في كل ما شجر بينهم من الدقيق والجليل ، ولم يكتف في إيمانهم بهذا التحكيم بمجرده حتى ينتفي عن صدورهم الحرج، والضيق عن قضائه وحكمه، ولم يكتف منهم أيضا بذلك حتى يسلموا تسليما ، وينقادوا انقيادا.

وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36] ، فأخبر سبحانه أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضائه وقضاء رسوله ، ومن تخير بعد ذلك فقد ضل ضلالا مبينا.

كن عبدا وقف حيث أمرت

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾  [الحجرات: ۱]؛ أي: لا تقولوا حتى يقول ، ولا تأمروا حتى يأمر ، ولا تفتوا حتى يفتي ، ولا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضيه ، روی علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، وروى العوفي عنه قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه .

والقول الجامع في معنى الآية: لا تعجلوا بقول ولا فعل قبل أن يقول رسول الله أو يفعل.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾  [الحجرات: ۲] . فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم ، فكيف تقدیم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟ أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم ؟.

وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 6۲]، فإذا جعل من لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبا إذا كانوا معه إلا باستئذانه ، فأولى أن يكون من لوازمه ألا يذهبوا إلى قول ولا مذهب إلا بعد استئذانه ، وإذنه معروف بدلالة ما جاء به على أنه أذن فيه)2(2) إعلام الموقعین (1/50). اه .

الهوامش

(1) أضواء البيان (4/90-92).

(2) إعلام الموقعین (1/50).

المصدر

كتاب “فبهداهم اقتده” للشيخ عبد العزيز الجليل ، ص41-50 بتصرف يسير.

اقرأ أيضا

وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ .. (3) موجِبات حق التشريع

خطوات الشيطان؛ وفاحشة التشريع من دون الله

أهم مظاهر البُعد عن الاستقامة .. تبديل شرع الله الحكيم

التلازم بين الحكم بما أنزل الله، والولاء والبراء .. في القرآن

 

0 0 votes
تقييم المقالة
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments

انضم إلى آلاف المهتمين بقضايا الأمة

زودنا بعنوان بريدك الإلكتروني لتصلك نشرة منتظمة 

نستخدم عنوان بريدك للتواصل معك فقط ولا نسمح بمشاركته مع أي جهة ويمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت

الاشتراك في النشرة البريدية