إن التسليم لله عز وجل من أخص أركان الدين، وبه يجوز العبد الصراط، وتثقل به الموازين، وهو من أوجب الواجبات، وأعلى القربات، فلندخل إلى جنة التسليم لله عز وجل، ولنستسلم له في كل شيء فإن هذا هو عز الدنيا وجنة الآخرة.

حقيقة التسليم

من أحسن وأجمع التعاريف وما تضمنته من أوصاف القلب السليم – التي هي أركان التسليم تعريف الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كثير من كتبه لمعنى التسليم والقلب السليم، حيث قال رحمه الله تعالى: (اعلم أن التسليم هو الخلاص من شبهة تعارض الخبر، أو شهوة تعارض الأمر، أو إرادة تعارض الإخلاص، أو اعتراض يعارض القدر والشرع. وصاحب هذا التخلص: هو صاحب (القلب السليم)، الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به، فإن التسليم ضد المنازعة…. وبهذا يتبين أنه – أي التسليم – من أجل مقامات الإيمان، وأعلى طرق الخاصة، وأن التسليم هو محض الصديقية، التي هي بعد درجة النبوة، وأن أكمل الناس تسليما أكملهم صديقية)1(1) مدارج السالكين2/ 147-148. والمقصود بالنجاة هنا النجاة المطلقة التامة ..

أركان التسليم

ومن هذا التعريف الجامع المانع نستطيع أن نحدد أركان التسليم لله عز وجل، التي يقوم عليها القلب السليم وذلك في الأركان التالية .

الركن الأول

تسليم القلب لكل خبر أخبر به الله عز وجل في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من أخبار الغيوب الماضية أو المستقبلة في الدنيا والآخرة، وتصديقه في ذلك كله، دون كيف، ودون الاعتراض عليها بشبهة عقلية، دون شك ولا ارتياب فيها.

الركن الثاني

تسليم القلب لكل ما أمر به الله عز وجل من الأوامر الشرعية، أو نهی عنه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، والرضا بها والإذعان والقبول لها، دون اعتراض على ذلك بشهوة أو رأي أو ذوق أو سياسة، ودون تقييد ذلك بلماذا وبمعرفة الحكمة منها.

الركن الثالث

إخلاص العبودية لله عز وجل، وسلامة القلب من أي إرادة دنيوية، تعارض هذا الإخلاص، فلا شرك في القلب ولا رياء.

الركن الرابع

التسليم لقضاء الله عز وجل وقدره، وعدم الاعتراض على أمره القدري بشبهة أو شهوة.

قال الله عز وجل: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ۱۱۵].

يقول ابن كثير رحمه الله تعالى عن هذه الآية: (قال قتادة: صدقا فيما قال، وعدلا فيما حكم، يقول: صدقا في الأخبار، وعدلا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهی عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة)2(2) تفسير ابن كثير 322/3..

تفصيل هذه الأركان، وما يضادها ويعارضها من الشبهات العقلية والأهواء والشهوات والآراء الفاسدة.

أولا : تسليم القلب للأخبار الصحيحة

الركن الأول: التسليم لأخبار الله عز وجل وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة، وقبولها وتصديقها، وسلامة القلب من أي اعتراض عليها بشبهة، ودون السؤال عنها بكيف.

وعن هذا الركن وما يعارضه يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالی :(والمنازعة: إما بشبهة فاسدة تعارض الإيمان بالخبر، عما وصف الله به نفسه من صفاته وأفعاله، وما أخبر به عن اليوم الآخر، وغير ذلك. فالتسليم له: ترك منازعته بشبهات المتكلمين الباطلة)3(3) مدارج السالكين 147/2..

ويقول في موطن آخر: (والاعتراض ثلاثة أنواع سارية في الناس، والمعصوم من عصمه الله منها.

النوع الأول: الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشبه الباطلة، التي يسميها أربابها قواطع عقلية، وهي في الحقيقة خیالات جهلية ومحالات ذهنية، اعترضوا بها على أسمائه وصفاته عز وجل، وحكموا بها عليه، ونفوا لأجلها ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله، وأثبتوا ما نفاه، ووالوا بها أعداءه، وعادوا بها أولياءه، وحرفوا بها الكلم عن مواضعه، ونسوا بها نصيبا كثيرا مما ذكروا به، وتقطعوا لها أمرهم بينهم زبرا، کل حزب بما لديهم فرحون. والعاصم من هذا الاعتراض: التسليم المحض للوحي، فإذا سلم القلب له: رأی صحة ما جاء به، وأنه الحق بصريح العقل والفطرة، فاجتمع له السمع والعقل والفطرة، وهذا أكمل الإيمان، ليس كمن الحرب قائم بين سمعه وعقله وفطرته)4(4) المصدر نفسه 69/2..

من صفات القلب السليم الإيمان بالغيب

ولصاحب الظلال رحمه الله تعالى تعالى کلام نفيس عند قوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 3].

يقول: (والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان، الذي لا يدرك إلا ما تدرکه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدد، الذي تدركه الحواس – أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس – وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله، ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير. كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض؛ فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدرکه حواسه، كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدرکه بدیهته وبصيرته؛ ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما یدرکه وعيه في عمره القصير المحدود، وأن وراء الكون ظاهره وخافيه، حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها وجوده … حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار، ولا تحيط بها العقول.

ومتى سلم العقل البشري بالبديهية العقلية الأولى، وهي أن المحدود لا يدرك المطلق، لزمه – احتراما لمنطقه ذاته – أن يسلم بأن إدراكه للمطلق مستحيل؛ وأن عدم إدراكه للمجهول لا ينفي وجوده في ضمير الغيب المكنون؛ وأن عليه أن يكل الغيب إلى طاقة أخرى غير طاقة العقل؛ وأن يتلقى العلم في شأنه من العليم الخبير الذي يحيط بالظاهر والباطن، والغيب والشهادة ..

هذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلى به المؤمنون، وهو الصفة الأولى من صفات المتقين. لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة. ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان، کجماعة الماديين في كل زمان، یریدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى.. إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس! ويسمون هذا «تقدمية»، وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها، فجعل صفتهم المميزة، صفة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: 3]. والحمد لله على نعمائه، والنكسة للمنتكسين والمرتكسين)5(5) تفسير في ظلال القرآن الآية:3 من سورة البقرة.1/ 39-40..

الراسخون في العلم أقرب تسليما وأصدق فطرة

ويقول في موطن آخر وهو يصف حال الراسخين في العلم، وهم يتلقون أخبار الله عز وجل وأحكامه، وذلك عند قوله سبحانه :﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7].

(والراسخون في العلم يطمئنون ابتداء إلى صدق ما يأتيهم من عند الله. يطمئنون إليه بفطرتهم الصادقة الواصلة.. ثم لا يجدون من عقولهم شكا فيه كذلك؛ لأنهم يدركون أن من العلم ألا يخوض العقل فيما لا مجال فيه للعلم، وفيما لا تؤهله وسائله وأدواته الإنسانية لعلمه..

وهذا تصوير صحيح للراسخين في العلم.. فما يتبجح وينكر إلا السطحيون، الذين تخدعهم قشور العلم، فيتوهمون أنهم أدركوا كل شيء، وأن ما لم يدركوه لا وجود له؛ أو يفرضون إدراكهم على الحقائق، فلا يسمحون لها بالوجود إلا على الصورة التي أدركوها. ومن ثم يقابلون کلام الله المطلق بمقررات عقلية لهم! صاغتها عقولهم المحدودة! أما العلماء حقا فهم أكثر تواضعا، وأقرب إلى التسليم بعجز العقل البشري عن إدراك حقائق كثيرة، تكبر طاقته وترتفع عليها. كما أنهم أصدق فطرة، فما تلبث فطرتهم الصادقة أن تتصل بالحق، وتطمئن إليه.

﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة : ۲6۹]..

وكأنه ليس بين أولي الألباب وإدراك الحق إلا أن يتذكروا.. فإذا الحق المستقر في فطرتهم الموصولة بالله، ينبض ويبرز ويتقرر في الألباب. عندئذ تنطلق ألسنتهم وقلوبهم في دعاء خاشع وفي ابتهال منیب: أن يثبتهم على الحق، وألا يزيغ قلوبهم بعد الهدى، وأن يسبغ عليهم رحمته وفضله.. ويتذكرون يوم الجمع الذي لا ريب فيه، والميعاد الذي لا خلف له: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ * رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ۸ – ۹]..

هذا هو حال الراسخين في العلم مع ربهم؛ وهو الحال اللائق بالإيمان، المنبثق من الطمأنينة لقول الله ووعده؛ والثقة بكلمته وعهده؛ والمعرفة برحمته وفضله، والإشفاق مع هذا من قضائه المحكم وقدره المغيب؛ والتقوى والحساسية واليقظة التي يفرضها الإيمان على قلوب أهله، فلا تغفل ولا تغتر، ولا تنسى في ليل أو نهار.. .

والقلب المؤمن يدرك قيمة الاهتداء بعد الضلال. قيمة الرؤية الواضحة بعد الغبش. قيمة الاستقامة على الدرب بعد الحيرة. قيمة الطمأنينة للحق بعد الأرجحة، قيمة التحرر من العبودية للعبيد بالعبودية لله وحده، قيمة الاهتمامات الرفيعة الكبيرة بعد اللهو بالاهتمامات الصغيرة الحقيرة، ويدرك أن الله منحه بالإيمان كل هذا الزاد.. ومن ثم يشفق من العودة إلى الضلال، كما يشفق السائر في الدرب المستقيم المنير أن يعود إلى التخبط في المنعرجات المظلمة)6(6) في ظلال القرآن تفسير الآيتين رقم (7، 8) من سورة آل عمران1/ 370-371..

الهوامش

(1) مدارج السالكين2/ 147-148. والمقصود بالنجاة هنا النجاة المطلقة التامة .

(2) تفسير ابن كثير 322/3.

(3) مدارج السالكين 147/2.

(4) المصدر نفسه 69/2.

(5) تفسير في ظلال القرآن الآية:3 من سورة البقرة.1/ 39-40.

(6) في ظلال القرآن تفسير الآيتين رقم (7، 8) من سورة آل عمران1/ 370-371.

اقرأ أيضا

حقيقة التسليم في ضوء آيات من الكتاب الحكيم

أصل الإسلام والتسليم .. لماذا الحديث عنه؟

الإرجاء والمرجئة

 

التعليقات غير متاحة