تفسير سورة آل عمران

كيف يمكن للإنسان أن يفهم سنن الله في الكون والمجتمع دون أن يسير في الأرض بالبصر والبصيرة؟ ولماذا أمرنا الله عز وجل بالسير في الأرض والنظر في عاقبة المكذبين؟ وما هي السنة الإلهية؟ وما الفرق بين السنن الكونية الطبيعية والسنن الاجتماعية؟ ولماذا كانت السنن الكونية قابلة للخرق والمعجزات، بينما السنن الاجتماعية ثابتة لا تتبدل ولا تتحول حتى لأنبياء الله؟ وما هي أبرز السنن الواردة في سورة آل عمران: سنة الابتلاء والتمحيص، وسنة المدافعة والمداولة، وسنة أن المصائب سببها الذنوب، وسنة الإملاء والمكر والاستدراج للكافرين؟ ثم ما التنبيهان المهمان عن السنن: أن عمرها أطول من عمر الإنسان، وأن بعضها آخذ بمنكب بعض؟ وكيف نقرأ سورة آل عمران في ضوء هذه السنن المتزامنة؟ هذا ما يحاول هذا المقال بيانه.

تعريف السنة الإلهية وخصائصها

62) تدبر قول الله عز وجل: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137].

يأمر الله عز وجل بالسير في الأرض بالبصر والبصيرة لنتعرف على سنته سبحانه في المكذبين وفي أوليائه المتقين.

وفي سورة آل عمران وسورة الأنعام يعرفنا الله عز وجل فيهما بأصول السنن التي لا تتبدل ولا تتحول، ويتبع كل سنة سنن فرعية ترجع إليها، وقبل أن نستعرض السنن الإلهية في سورة آل عمران يحسن التقديم لذلك بتعريف السنة الإلهية وخصائصها وأقسامها بصورة عملية.

فالسنة: هي الطريقة المعتادة التي تترتب نتائجها على أسبابها.

أقسام السنن الإلهية

النوع الأول: السنن الكونية الطبيعية

وهي النواميس الثابتة في خلق الإنسان والكون من حوله؛ حيث سنها سبحانه وثبتها رحمة بالعباد وتسخيرًا لهم ليقوموا بعمارة الأرض، ولو لم يكن هناك سنن ثابتة ونواميس مطردة لما استطاع الإنسان أن يعيش على هذه الأرض ولا أن يعمرها.

ومن أمثلة ذلك: سنة الإحراق في النار، وسنة الطفو في الماء، وسنة أن العقيم لا تلد، وأن الولد يأتي من نطفة الرجل وبويضة المرأة، وأن الأكل والشرب ضروريان للحياة، وسنن أخرى لا تحصى.

ومن خصائص هذا النوع من السنن أنها مطردة صارمة ثابتة، لكن إذا شاء الله أن يخرقها خرقها وأبطل مفعولها متى شاء ولمن شاء، فالذي جعل في النار خاصية الإحراق خرقها وحولها إلى برد وسلام على إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وسنة كون الولد يأتي من لقاء الرجل بالمرأة خرقها سبحانه بميلاد عيسى عليه الصلاة والسلام من غير أب، وكون العقيم لا تلد خرقها لزكريا عليه الصلاة والسلام، وسنة كون الأكل والشرب ضروريان للحياة خرقها سبحانه لأهل الكهف حيث عاشوا ثلاثمائة وتسع سنين بلا أكل ولا شرب.

النوع الثاني: السنن الاجتماعية

وهي السنن الثابتة في تغيير أحوال الناس من بؤس وضر واستضعاف إلى خير وسلام وتمكين، وسنة النصر والهزيمة، وسنة الابتلاء، وسنة الإملاء والمكر والاستدراج بالكافرين والظالمين، وسنة حلول المصائب ورفعها، وسنة التدافع بين الحق والباطل، وغيرها من السنن العديدة.

ومن خاصية هذا النوع من السنن الثبات والاطراد والصرامة، ولم يعلم أن الله عز وجل قد خرقها لأحد من عباده، ولو خرقها لأحد لخرقها لنبي الأمة ﷺ في غزوة أحد؛ حيث حصل القرح والهزيمة بالمسلمين لوقوع المعصية من بعض الجيش، قال تعالى معقبًا على ذلك: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165].

السنن الواردة في سورة آل عمران

1. سنة الابتلاء والتمحيص

وفيها تمحيص المؤمنين من ذنوبهم، تمحيص يخلص الصف المؤمن ويميزه عن المنافقين، قال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 141]، وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179].

2. سنة المدافعة والمداولة

قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140].

3. سنة أن حلول المصائب والهزائم سببها الذنوب والمعاصي

قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165]. ويؤيد هذا قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30].

4. سنة الإملاء والمكر والاستدراج للكافرين

قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: 178]. ومثل ذلك قوله تعالى من سورة النمل: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: 50].

تنبيهان مهمان عن السنن

  • التنبيه الأول: عمر السنن أطول من عمر الإنسان

سنن الله الاجتماعية عمرها أطول من عمر الإنسان فقد يشهد جيل أول السنة وأسبابها ولا يشهد آخرها ونتائجها إلا جيل آخر، فهي تختلف عن السنن الكونية التي ليس بين السبب والنتيجة فيها زمن يذكر، فالنار تحرق، والأكل يشبع، وجماع الرجل لزوجته يأتي الولد، كل ذلك في وقت قصير.

  • التنبيه الثاني: السنن آخذ بعضها بمنكب بعض

السنن الإلهية الاجتماعية بعضها آخذ بمنكب الأخرى بمعنى أنه في الوقت الواحد نجد أكثر من سنة تعمل في آن واحد فسنة الابتلاء والتمحيص للمؤمن؛ يزامنها سنة الإملاء للكافرين، فنجد مثلًا في سورة آل عمران أن الله عز وجل ذكر سنة الإملاء فقال: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: 178]، ثم ذكر بعدها سنة الابتلاء والتمحيص فقال: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران: 179]، فدل هذا على التزامن بين السنتين سنة الإملاء تعمل في صفوف الكافرين؛ وسنة الابتلاء تعمل في صف المؤمنين، حتى إذا بلغت السنتان نهايتهما جاء نصر الله عز وجل.

ومثالًا آخر في نفس السورة؛ نجد أن الله عز وجل ذكر سنة عقوبة المعصية وأثرها في عدم النصر في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165]، ثم ذكر بعدها سنة تقدير الابتلاء والهزيمة على المؤمن؛ وأن من حكمته فيها تمييز الصف المؤمن، وفضح المنافقين وسقوطهم، فقال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: 166-167].

اقرأ أيضا

تدبرات وهدايات من سورة آل عمران (15)

التعليقات معطلة