تفسير سورة آل عمران

إذا كان الله يأمرنا بالاعتصام بحبله وهو الكتاب والسنة والاجتماع عليه، وينهانا عن التفرق والاختلاف فيه، فلماذا وقع التفرق في هذه الأمة بعد مجيء العلم والبيان؟ وما هو الفرق بين التفرق المذموم بين أهل السنة، والتفرق المتعين عن أهل البدع؟ وكيف نجيب على من يقول: إذا كان التفرق قد أخبر النبي ﷺ بوقوعه حتمًا، فلم النهي عنه وهو حاصل لا محالة؟

الآيات التي تأمر بالاجتماع وتنهى عن الفرقة

58) تدبر قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105].

يأمرنا الله عز وجل في هذه الآيات وينهانا، يأمرنا بالاعتصام بحبله وهو الكتاب والسنة والاجتماع عليه، وينهانا عن التفرق والاختلاف فيه، والآيات التي تأمر بالاجتماع والائتلاف وتنهى عن الفرقة والاختلاف وتذم أهله كثيرة في القرآن منها:

قوله تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13].

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 14].

وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].

ونهتدي بهذه الآيات أن كل الخير والمصلحة والنصر على الأعداء هو في الاجتماع والائتلاف والاعتصام بالكتاب والسنة، وأن كل شر وفساد وهزيمة إنما هي في التفرق والاختلاف واتباع غير سبيل المؤمنين.

سبب التفرق – البغي والهوى

ومن اللافت في هذه الآيات أن التفرق والاختلاف إنما جاء بعد العلم بالحق وبيانه، وهذا واقع ملموس، وسببه كما بينا في تدبر سابق إنما هو بسبب البغي والظلم والهوى بين المتفرقين ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.

التفرق بسبب الجهل بمقاصد الشريعة

وقد يكون التفرق بسبب الجهل فيما اختلف فيه، أو الجهل بمقاصد الشريعة وفقه الموازنات؛ فلا يتم الموازنة بين مفسدة التفرقة وعدم الاجتماع وبين مفسدة أقل منها يفوت فيها جزءًا وفرعًا من فروع الشريعة، فتجد من يضيع الأصل العظيم والمصلحة العظيمة وهي الاجتماع وعدم التفرق لكي يحافظ على فرع أو جزء من أجزاء الشريعة، فيقدم المصلحة الدنيا على العليا. والصحيح الموافق لمقاصد الشريعة أن يحافظ على أصل الاجتماع ولو فاتت مصلحة دونه.

والمعني بهذا هم المتفرقون في دائرة أهل السنة، أما التفرق والمفارقة مع أهل البدع فهو متعين.

الجواب على شبهة: التفرق حاصل فلم النهي عنه؟

وقد يقول قائل: إذا كان التفرق في هذه الأمة قد أخبر النبي ﷺ بوقوعه حتمًا، وذلك في عدة أحاديث من أشهرها حديث الفرقة الناجية وفيه: “وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً”، فلم النهي عن التفرق وهو حاصل ولابد؟!

ومنشأ هذا السؤال من الجهل بإرادة الله عز وجل وحكمته، وذلك أن الله عز وجل قد أراد وقوع التفرق كونًا وقدرًا لحكم بالغة؛ لكنه سبحانه لم يرده دينًا وشرعًا، بل شرع لعباده الاجتماع وحثهم عليه؛ ونهاهم دينًا وشرعًا عن التفرق والاختلاف، وهذا كله للابتلاء والامتحان.

اقرأ أيضا

تدبرات وهدايات من سورة آل عمران (9)

تدبرات وهدايات من سورة آل عمران (10)

التعليقات معطلة