سورة النور

لماذا سورة النور في هذا الزمان؟ وما الذي يدفعنا إلى دراسة هذه السورة اليوم؟ ولماذا هي سورة مدنية؟ وما الفرق بين السور المكية والمدنية؟ وما المعنى العظيم الذي تركز عليه؟ ولماذا لا ترسم مجتمعًا مثاليًا بل مجتمعًا ربانيًا؟ .

لماذا سورة النور في هذا الزمان؟

في زمن انتشار الفاحشة، وثقافة الاستثارة الدائمة، واختراق البيوت، وشيوع الشائعات، وانبهار الناس بحضارة الجسد – تأتي سورة النور لتقدم “النور” الذي يكشف هذا الظلام، ويضبط هذا المجتمع، ويعيده إلى فطرته السوية.

يقول المحاضر في مقدمته: “الذي يدفعنا إلى دراسة سورة النور – ولاسيما في الأوقات التي نعيشها – أمران: أن العالم يتجه إلى انتشار الفاحشة وشيوعها. فالعالم يسعى إلى ثقافة الاستثارة الدائمة، في حالة استثارة مستمرة لشهوات الناس، وتقوم تجارات كاملة على هذا الأمر، بل أصبح تجنب النظر إلى الحرام فيه صعوبة شديدة”.

“واختراق لبيوت – ولا أقول: للكفار فقط – بل لبيوت المسلمين. ولذلك فإن من الألفاظ التي تكررت في السورة – كما سنقول – لفظ البيوت. فقد أصبح في اختراق لبيوت المسلمين، حتى تصل الفاحشة إلى بيوتهم، ويصبح ذلك أمرًا عاديًا، موجودًا، ويُشاهد”.

ويضيف المحاضر سببًا آخر: “فثقافة الإباحية المنتشرة، التي تدخل بيوت المسلمين، تحتاج منا إلى أن نتعلم كيف ندفع هذا الأمر، لأنها في الأصل انتقلت عن طريق خطوات الشيطان – وهذا من الألفاظ التي تكررت في السورة – فنحن نحتاج إلى خطوات عكسية لما يسيره الشيطان، لننشر الحياة والعفة والطهارة والتزكية في المجتمع، وهي أيضًا خطوات نسير فيها، لا بضربة واحدة تمحو كل هذا”.

موقع سورة النور في القرآن

  1. سورة مدنية

يقرر المحاضر أن سورة النور سورة مدنية، ويقول: “الخلاف في مجموع السور المدنية ليس كبيرًا، فبعض السور فيها خلاف، لكن سورة النور – يعني – جماهير العلماء على أنها سورة مدنية، وطبعًا هي سورة مدنية لأنها مليئة بالتشريعات التي نزلت بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم”.

  1. لماذا السور المدنية؟

ويشرح المحاضر طبيعة السور المدنية، فيقول: “السور المدنية تتحدث عن تشريعات لهذا المجتمع بعد أن انتقل من مكة إلى المدينة. فالمجتمع في المدينة يحتاج إلى تشريعات، سواء داخلية: كيف يتعامل المسلمون مع بعضهم، وكيف يتعامل المسلمون مع الآخرين”.

“فنجد سورًا تتحدث – مثلًا – عن الجهاد الخارجي، أو الجهاد الداخلي مع المنافقين، أو مع أهل الكتاب، مثل سورة آل عمران. ونجد سورًا تتحدث عن تشريعات العدل، ومن أول لحظة تبدأ سورة – سورة النساء مثلًا – (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة خلق منها زوجها فبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء)”.

  1. الفرق بين السور المكية والمدنية

ويقرر المحاضر أن السور المكية تركز على قضايا العقيدة والثبات والاتصال بالله والدار الآخرة، “ولذلك كان هناك درس بعنوان: فقه السور المكية. فقه السور المكية ليس معناه الأحكام التشريعية التي نزلت بمكة، لا، كان المقصود من هذا الدرس المعاني المحورية التي تتكرر في السور المكية. ماذا تصنع السور المكية؟ طبيعة المؤمن الذي يصنع من السور المكية”.

“أما بالنسبة للسور المدنية، فعندنا أشواط طويلة في السور المدنية، تكفي البداية في القرآن: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة، ثم بعد ذلك الأنفال والتوبة، ثم بعد ذلك…”

  1. موقع سورة النور بين السور

ويبين المحاضر أن سورة النور تقع بين سور مكية، فيقول: “سورة النور – يعني – هي طبعًا قبلها المؤمنون وبعدها الفرقان، فقبلها مكي وبعدها مكي، لكن قبل المؤمنون الحج، وما بين النور مجموعة سور مكية إلى أن تأتي سورة الأحزاب”.

المعنى العظيم الذي تركز عليه سورة النور

  1. بعض العلماء: لب العلاقة بين الرجل والمرأة

يقرر المحاضر أن بعض العلماء قال إن سورة النور هي لب العلاقة بين الرجل والمرأة، سواء في الأسرة – داخل الأسرة الواحدة – أو في المجتمع.

  1. لكن السورة أعقد من ذلك

“وسورة النور يمكن أن تكون فعلًا أعقد من ذلك، لكنها تتحدث عن قضايا الشهوات والأسرة وضبط المجتمع وبث النور في هذا المجتمع”.

  1. مجتمع رباني لا مجتمع مثالي

ويؤكد المحاضر أن السورة لا ترسم مجتمعًا مثاليًا، فيقول: “ليكون مجتمعًا – ولا أريد أن أقول: مجتمعًا مثاليًا – لأن سورة النور ستعلمنا أن التصور عن المجتمع المثالي غير موجود، لكنه مجتمع رباني يريد أن يصل إلى مراد الله”.

“فنحن عندنا في سورة النور وقع زنا، وقعت حادثة إفك، فإذًا ليس مجتمعًا ملائكيًا، هو مجتمع يخطئ، لكن يأتيه التصويب من الله سبحانه وتعالى، وفي تشريعات يحاول هذا المجتمع أن يقترب من مراد الله سبحانه وتعالى”.

“إذًا سورة النور تعرفنا أن المجتمعات ليست ملائكية، بل يمكن أن يقع في الخطأ ناس من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، ويمكن أن يقع في نشر الإشاعات، ويمكن أن يقع ناس من الأفاضل. فكيف يتعامل مع هذا الأمر؟ إذًا ليس مجتمعًا ملائكيًا لا يخطئ، لا، بل يخطئ، لكن هنا سورة النور تعرفنا التشريعات التي تضبط هذا الأمر”.

المقدمات الثلاث قبل الدخول في السورة

المقدمة الأولى: يستحيل أن يصل البشر إلى هذه القوانين من تلقاء أنفسهم

يقرر المحاضر أن القضية التي تركز عليها سورة النور يستحيل أن يصل البشر إلى قوانينها من تلقاء أنفسهم.

“صحيح أن الله وضع فينا فطرة، وهذا موجود في المثل – إن شاء الله – فعندما تأتي هذه الفطرة تقارب الوصول، يعني مثلًا: الفطرة فيها الحياء، فالإنسان مفطور على الحياء، وهذا الحياء قد يلوث، وقد يدنس، وهذه الفطرة قد تنتكس، فتحتاج إلى التشريعات لتعيد الإنسان إلى فطرته مرة أخرى”.

“لكن يستحيل على البشرية أن تصل إلى تصور للعلاقة بين الرجل والمرأة، والعلاقة بين المجتمعات، بدون وحي رباني”.

“لذلك بدأت السورة: (سورة أنزلناها) – تحتاج إلى تشريع رباني ليضبط المجتمعات – (وفرضناها) – تحتاج إلى قوانين – (وأنزلنا فيها آيات بينات) – تحتاج إلى وعظ”.

المقدمة الثانية: المجتمعات لا تقوم بالقوانين فقط ولا بالوعظ فقط

ويؤكد المحاضر أن المجتمعات لا تقوم بالقوانين فقط ولا بالوعظ فقط، “وسنرى كيف أن سورة النور – لكي تقيم هذا المجتمع – جمعت بين القوانين والوعظ، وجمعت بين ذكر عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، وجمعت بين ذكر العذاب الأليم والعذاب العظيم”.

“وركزوا في هذا المعنى، فهو مهم جدًا، وهذا يمكن أن يكون من الواجبات التي تقومون بها مع سورة النور”.

المقدمة الثالثة: التوجيهات موجهة لأربع طوائف

ويقرر المحاضر أن سورة النور وجهت التوجيهات للسلطان والمجتمع والأسرة والفرد، “إن هذه الطوائف الأربع مسؤولة عن إقامة المجتمع ومنع انتشار الشهوات فيه”.

“فإذا أخل السلطان بدوره، قام المجتمع بدوره، وقامت الأسرة بدورها، وقام الفرد بدوره. صحيح أن السلطان إذا أخل بدوره أدى ذلك إلى فساد في المجتمع، ويزيد العبء على المجتمع والأسرة والفرد”.

“كما يحصل: فالإنسان يمكن أن يسافر إلى مجتمع غربي يعيش فيه مجتمع غير مسلم أصلًا، فليس هناك سلطان، ولا مجتمع، فيزداد العبء على الأسرة وعلى الفرد”.

“إذًا فهناك توجيهات موجهة للطوائف الأربع: السلطان، والمجتمع، والأسرة، والفرد. فهناك أوامر موجهة للأربعة بأن الكل مسؤول عن طهارة المجتمع”.

لماذا ندرس سورة النور؟

  1. انتشار الفاحشة

“القضية ليست قوانين تكليفية تطبق فقط، أو حدود تطبق، أو مواعظ فقط. لا، الصورة جمعت بين الاثنين، وهكذا تقوم المجتمعات”.

  1.  اختراق البيوت

“أصبح في اختراق لبيوت المسلمين، حتى تصل الفاحشة إلى بيوتهم، ويصبح ذلك أمرًا عاديًا”.

  1. ثقافة الجسد

ويشير المحاضر إلى “حضارة الجسد” التي نعيشها، فيقول: “بعض الفلاسفة يسمون القرن الحادي والعشرين – أو القرن العشرين – حضارة الجسد. فبعد انتشار سقوط القوميات، وبعد أحيانًا انتشار الإلحاد، ظهر ما يسمى بحاجة اسمها سقوط السرديات الكبرى، يعني لم يعد الإنسان مؤمنًا بفكرة كبيرة يضحي من أجلها، لا عاد مؤمنًا بوطن، أو قومية ضخمة يحارب من أجلها”.

“والتحليلات – يعني – لماذا تسمى حضارة الجسد؟ إن الإنسان عندما يفقد معنى كبيرًا يضحي من أجله، يبدأ في البحث عن شيء ثابت ملموس راسخ يعيش من أجله، فارتد – حصل ارتداد – إلى أن ينظر إلى جسده، فحصل اهتمام مضخم للجسد عند الرجل وعند المرأة”.

“يعني أصلًا فكرة لعبة كمال الأجسام فكرة غريبة جدًا، هي شكل، يعني هي مجرد أنه يحتاج أن يحافظ على العضلات حتى لا يستعملها، ليحافظ على هذا الشكل. والمرأة لها معايير معينة، فأصبح في اهتمام مبالغ فيه جدًا بمعايير هذا الجسد”.

  1. ثقافة الستر

ويؤكد المحاضر أن السورة تريد أن تبث في المجتمع ثقافات معينة، “مثل ثقافة الستر، وثقافة الغض. فثقافة الستر: الستر البدني، والستر المعنوي. هذه ثقافات تريد الشريعة أن تنتشر بين الناس”.

المصدر

محاضرة: مُجتمع سورة النور ، د. أحمد عبد المنعم (نص مفرغ من بودكاست، مع إعادة صياغة بالفصحى وتصرف بسيط ).

اقرأ أيضا

مع آيات من سورة الحشر

سورة الصافات: في أي صف تقف؟

التعليقات معطلة