واعتصموا بحبل الله جميعاً

ما الذي يجعل أصحاب الباطل يجمعون كيدهم ويأتون صفًّا، بينما يعجز العاملون للخير عن حفظ أخوتهم ؟ وكيف يدرك السحرة أثر اتفاق الكلمة وإحكام العمل، بينما يبدد أهل الحق قوتهم بالتنازع؟ ولماذا يبدأ التنازع بكلمة لم يُحسن صاحبها اختيارها، أو موقف حُمِل على أسوأ محامله، ثم يتسع بسوء الظن والصمت المتجهم حتى ينظر أحدهم إلى أخيه بعين المتربص؟ وكيف نجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، ونحفظ صفوفنا بالعدل والشورى والتناصح؟ هذا ما يحاول هذا المقال بيانه.

درس من كلمات الباطل

تدبر قوله تعالى عن سحرة فرعون: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ﴾

كلمات قيلت في تدبير الباطل، تكشف إدراك أصحابه لأثر اتفاق الكلمة وإحكام العمل. لقد عرفوا أن المهارات المتفرقة لا تبلغ ما تبلغه إذا جمعها تدبير، وأن كثرة العدد قد يبدد قوتها تنازع الإرادات، وأن اضطراب الصف يفتح من الثغرات ما تعجز براعة الأفراد عن سده.

فتواصوا أن يحكموا أمرهم، ويجمعوا عزمهم، ثم يخرجوا مصطفّين؛ لتتساند جهودهم، ويتعاظم وقع مشهدهم في أعين الناظرين.

اتفاق في التدبير يتبعه اجتماع عند التنفيذ

وفي ترتيب الكلمات ما يستوقف القلب: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾، ثم ﴿ائْتُوا صَفًّا﴾؛ اتفاق في التدبير يتبعه اجتماع عند التنفيذ. فكأنهم أدركوا أن الصف الذي تراه العيون يحتاج إلى أمر يجمعه من الداخل، وأن الوقوف في مكان واحد لا يكفي إذا كانت الإرادات تمضي في جهات متعارضة.

فكيف يهون على أهل الحق اجتماع كلمتهم؟

كان باطلهم محتاجًا إلى هذا التواصي، مع ما وراءه من سلطان فرعون ووعده ووعيده. فكيف يهون على أهل الحق اجتماع كلمتهم، وهم يحملون أمانة أعظم، ويرجون غاية أكرم؟ وكيف يرضون أن تتحول بعض قوتهم إلى خصومات تستنزفهم، ثم يطول عتابهم للواقع، وقد أسهموا في إضعاف أثرهم بأيديهم؟

إن من المؤلم أن يعرف أصحاب الباطل كيف يجمعون جهودهم على غايتهم، ثم يعجز العاملون للخير عن حفظ أخوتهم، وهم يتلون قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ويسمعون تحذيره: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.

التنازع وأثره الممتد

وفي هذا التحذير ما يدعو إلى محاسبة طويلة؛ فإن التنازع لا يقف عند مرارة ساعة، ولا ينتهي بانتهاء مجلس. إنه يترك أثره في الثقة، وفي العزائم، وفي قدرة الناس على أن يعملوا معًا.

كيف يبدأ التنازع؟

قد يبدأ بكلمة لم يُحسن صاحبها اختيارها، أو موقف حُمِل على أسوأ محامله، ثم يتسع بسوء الظن، ويطول بالصمت المتجهم، حتى ينظر أحدهم إلى أخيه بعين المتربص، بعدما كان يستقوي به ويطمئن إليه. وعندئذ يتحول الجهد الذي كان يُبذل في البناء إلى ردود ودفاع وتتبع للعثرات، ويصبح نجاح أحدهم موضع قلق عند الآخر، بعد أن كان مما يفرح به الجميع.

وربما بقيت الأسماء كثيرة، والقدرات حاضرة، والمواقع قائمة، لكن القوة التي كانت تصل بينها أخذت تضعف؛ لأن القلوب انشغلت، والثقة تآكلت، والتعاون صار مثقلًا بالحذر والحساب.

عبر من التاريخ

وكم من مشروع نافع اتسعت له الإمكانات، ثم ضاق باختلاف أصحابه! وكم من فرصة للإصلاح تأخرت في انتظار اتفاق على تفصيل لا يستحق أن تُعطّل من أجله الغاية! وكم من باب خير كان يحتاج إلى أيدٍ تتساند، فانصرفت الأيدي إلى مدافعة بعضها بعضًا!

الاجتماع يمتحن الإخلاص

وقد يكون في القوم صدق ومحبة للخير، ثم تنقصهم القدرة على احتمال مشقة العمل المشترك؛ فيحسن الواحد منهم البذل ما دام الأمر إليه، فإذا شاركه غيره الرأي والقرار والفضل، ظهرت مواضع في النفس تحتاج إلى تربية ومجاهدة.

ماذا يطلب الاجتماع؟

فالاجتماع يمتحن إخلاصنا كما يمتحن صبرنا. يطلب منا أن نستمع حين نحب الكلام، وأن نراجع حين نميل إلى الجزم، وأن نعرف لغيرنا قدره، وأن نحتمل من اختلاف الطباع ما لا يستقيم تعاون طويل من دونه. ويطلب منا أحيانًا أن نتراجع خطوة ليحسن سير العمل كله، وأن نفسح المجال لمن هو أقدر، وأن نقبل بموقع يقل فيه ظهورنا ويعظم به نفعنا.

وهنا يحتاج القلب إلى سؤال لا يحتمل المجاملة: هل أريد لهذا الخير أن يتم، أم أريده أن يتم على يدي وحدي؟ وهل يفرحني نجاح أخي فيما يخدم غايتنا، أم أجد في نفسي ضيقًا لأن الأنظار اتجهت إليه؟ وهل أعطي الفكرة حقها إذا جاءت ممن أختلف معه، كما أعطيها حقها لو نُسبت إليّ؟

دقائق النفس

قد يظن المرء أنه يغار على العمل، وفي غيرته شيء من حظ نفسه. وقد يشتد اعتراضه على رأي، ثم يلين له حين يتبناه من يحب. وقد يطيل الحديث عن المصلحة، ويصعب عليه أن يرى تلك المصلحة تتحقق من طريق لا يكون في صدره.

وهذه دقائق لا تُعالج باتهام الناس، وإنما تبدأ معالجتها بصدق كل واحد مع نفسه؛ فالنفس تدخل ميادين الخير وهي تحمل حاجتها إلى التزكية، وقد تطلب نصيبها من الثناء في موضع يظن صاحبه أنه قد تجرد فيه تمام التجرد.

الفرح باكتمال البناء

ومن أعظم ما يهوّن هذا الامتحان أن يطمئن الإنسان إلى أن الله يعلم موضع بذله، وأن أجره لا يتوقف على معرفة الناس باسمه. عندئذ يستطيع أن يعين ويكمل، وأن يفرح بالثمرة ولو قطفها غيره، وأن يرى في قوة أخيه عونًا على الغاية التي يحملانها جميعًا.

ما أحوجنا إلى نفوس تفرح باكتمال البناء، وإن لم يُكتب اسمها على واجهته! وإلى قلوب تسعد بما فتح الله على غيرها، وتجد في نجاحه سعة للخير الذي ترجوه، ودافعًا إلى مزيد من البذل.

إحسان العمل لله

ومن الوفاء للحق كذلك أن نحسن العمل له: نجمع خبراتنا، ونرتب أولوياتنا، ونعرف ما يحتاج إليه الميدان، ثم نضع كل طاقة في موضع نفعها. فصدق النية يدعونا إلى العناية بالوسيلة، وإلى التعلم من الخلل، وإلى ألا نترك جهود المخلصين عرضة لسوء التنظيم أو غموض المسؤوليات.

تكامل المهارات

قد يمتلك أحدهم الفكرة، ويمتلك آخر خبرة تنفيذها، ويحسن ثالث وصلها بالناس؛ فإذا اجتمعوا على مقصد واضح، أثمر تنوعهم قوة. أما إذا أراد كل واحد أن يستغني بنفسه، فقد ينفقون أضعاف الجهد، ثم يبلغون بعض ما كانوا يستطيعون بلوغه مجتمعين.

وتحتاج هذه المشاركة إلى شورى صادقة، تتسع للسؤال والاعتراض والمراجعة. فوحدة الوجهة تنتفع بتعدد العقول، ويقوى بها العمل حين يجد الرأي مجالًا ليُعرض، والدليل أذنًا تصغي إليه، والخطأ نفسًا مستعدة للرجوع عنه.

حين يفسد الاختلاف

وإنما يفسد الاختلاف حين تصبح الغلبة في النقاش أغلى من الوصول إلى الصواب، وحين تُحمَل مراجعة الرأي على أنها انتقاص من صاحبه، أو يُجعل قبول النصيحة هزيمة ينبغي تجنبها.

فإذا ظهر ما هو أرجح، كان من صدق الاجتماع أن يعين بعضهم بعضًا على العمل به. وإذا بقي خلاف معتبر، حفظوا معه الحقوق، وقدّروا مواضع الاتفاق، ولم يتركوا لمساحة الخلاف أن تستولي على الميدان كله.

الاعتصام يقتضي النصيحة والعدل والرحمة

والاعتصام بحبل الله يقتضي نصيحة تحرس العمل من الخطأ، وعدلًا يصون الحقوق، ورحمة تمنع أن يتحول خطأ الإنسان إلى ذريعة لإهدار ما عنده من خير. وقد نختلف في وسيلة، ويبقى بيننا من أصول الإيمان وواجبات الأخوة ومصالح الناس ما يستحق أن نحفظه.

فإذا أخطأ أحدنا، نُصح بقدر خطئه، وأُعين على الرجوع، وحُفظ له حقه. أما توسيع كل خلاف، واستدعاء الخصومات القديمة عند كل حادثة، وحشد الأنصار لما كان يمكن أن يحسمه حوار أمين، فإنه يضاعف الجراح، ويجعل إصلاحها أشق مع مرور الأيام.

وما أكثر ما كان يمكن أن تطفئه كلمة اعتذار، أو جلسة مصارحة، أو إنصاف يسبق الغضب؛ ثم تُرك حتى تشعبت آثاره، ودخل فيه من لم يشهد بدايته، وصار الرجوع عنه أثقل على النفوس.

في البيت والمؤسسة والميدان

ويمتد هذا المعنى إلى تفاصيل حياتنا كلها. ففي البيت يحتاج الأب والأم إلى تفاهم يجمع توجيههما، حتى يجد الأبناء أصولًا واضحة وقلوبًا متعاونة. ويحتاج أفراد الأسرة إلى أن يقدموا سلامة بيتهم على لذة الانتصار في كل نقاش، وأن يتذكروا أن الكلمة التي تكسبهم موقفًا قد تجرح علاقة يحتاجون إليها عمرًا.

في المؤسسة

وفي المؤسسة يحتاج العمل إلى غاية معلومة، وأدوار متكاملة، وثقة تجعل نجاح الزميل مما يطمئن إليه زميله. ويحتاج المسؤول إلى أن يفرح بالكفاءة التي تقوى بها المؤسسة، وأن يهيئ لها مجالها، ويصل بين أصحابها بدل أن تستهلكهم المنافسة على القرب والظهور.

في التعليم والدعوة والإصلاح

وفي ميادين التعليم والدعوة والإصلاح تتسع الحاجة إلى هذا الخلق؛ لأن حاجات الناس أكبر من جهد فرد، وأوسع من قدرة فريق واحد. وهناك يصبح التنسيق أمانة، وتبادل الخبرة نفعًا متعديًا، والفرح بفتح الله على الآخرين علامة على صدق المقصد.

الصورة الجميلة

وما أجمل أن يجد صاحب الفكرة من يحسن تنفيذها، وصاحب الخبرة من يحسن الانتفاع بها، والمتقدم من يسنده، والمتعثر من يأخذ بيده. وأن يشعر كل واحد أن له في هذا الخير نصيبًا من المسؤولية، وأنه يستطيع أن يعين ولو لم يتولَّ، وأن ينصح ولو لم يُقدَّم، وأن يفرح ولو لم يُذكر.

الأسباب والنصر بيد الله

على أن الاجتماع، مع عظيم أثره، سبب من أسباب القوة، والنصر بيد الله. لقد جمع أولئك كيدهم، وأتوا صفًّا، ثم أبطل الله سحرهم. فلم يجعل اجتماعهم الباطل حقًّا، ولم يدفع عنهم آية الله حين جاءت.

وفي هذا ما يحفظ النظر من الغلو في الأسباب: نحسن الأخذ بها، ونعلم أن أمرها إلى الله. ونعتبر بما حكاه القرآن من عنايتهم بتدبيرهم، ثم نستجيب نحن لأمر الله بالاعتصام، وترك التنازع، والتعاون على البر والتقوى.

ومن توكلنا عليه أن نبذل ما نستطيع، ومن صدقنا معه أن نراجع أنفسنا، ومن أمانتنا على الخير أن نصون الجهد المبذول له من أن تأكله الخصومات.

دعوة إلى جمع الصفوف

فإذا كانوا قد جمعوا كيدهم، فأولى بنا أن نجمع علمنا وخبراتنا وطاقاتنا لخدمة الحق ونفع الخلق. وإذا كانوا قد أتوا صفًّا، فأولى بنا أن نحفظ صفوفنا بالعدل والشورى والتناصح، وأن يكون اجتماعنا ثمرة مقصد نصدقه بأعمالنا.

يا أهل الخير، إن ما تحملونه أثمن من أن تبدده حظوظ النفوس، وما ترجونه أعظم من أن تعوقه خصومة على صدارة أو ثناء. أصلحوا ذات بينكم قبل أن تتسع الشقوق، وتعلموا كيف تتعاونون مع بقاء الفروق، وكيف تتناصحون مع حفظ الحقوق، وكيف تختلفون دون أن تضيع منكم الغاية.

لا تجعلوا لكل خطأ قطيعة

لا تجعلوا لكل خطأ قطيعة، ولكل اجتهاد مخالف معركة. احفظوا للحق مكانه فوق رغباتكم، ولأخوتكم حرمتها عند غضبكم، ولأعمالكم ثمرتها حين تتزاحم الأسماء.

واجعلوا من نجاح بعضكم عونًا لبعض؛ فإن الخير إذا اتسع بلغ من الناس ما تعجز عنه الجهود المتناثرة، وإن القلوب إذا صدقت في مقصدها هان عليها أن تتقاسم مشقة الطريق، وأن تفرح بما يتحقق فيه، أيًّا كانت اليد التي فتح الله على صاحبها.

ليس هينًا أن تُؤتمن على باب من الخير

فليس هيّنًا أن تُؤتمن على باب من الخير، ثم يضيق صدرك بأخيك حتى يُغلق الباب عليكما.

نسأل الله أن يجمع كلمة أهل الحق ويوحد صفوفهم. والحمد لله رب العالمين.

اقرأ أيضا

من عبرة التاريخ .. التفرق الذي يسبق كل سقوط

الحزبية المقيتة

التعليقات معطلة