تفسير سورة آل عمران

كيف يمكن للاختلاف والافتراق أن يقعا بعد مجيء العلم والبصيرة، بينما من طبيعة الجهل أن يكون منبع الخلافات، والعلم أن يكون طريقاً للوحدة والاتفاق؟ وما سر هذه الظاهرة العجيبة التي أخبر عنها القرآن في أكثر من آية، وجعلها سنة متكررة في أهل الكتاب وفي هذه الأمة أيضاً؟

الآيات التي تذكر الاختلاف بعد مجيء العلم

48) تدبر قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19].

لقد جاء آيات عديدة في كتاب الله عز وجل يذكر فيها أن الاختلاف بين أهل الكتاب أو غيرهم إنما كان بعد أن جاءهم العلم وهذا أمر غريب عجيب لأن الاختلاف والافتراق لا يوجد إلا في أحوال الجهل وبيئاته أما أن يكون بعد العلم والبصيرة فهذا في حاجة إلى تأمل وتدبر.

وقبل هذا التدبر لهذه الحالة أسوق الآيات العديدة التي أخبرنا الله عز وجل فيها أن الاختلاف والافتراق إنما كان بعد ما جاء العلم والحق، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 213].

وقال سبحانه: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 14].

وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية: 17].

وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: 4].

التفرق بعد العلم لم يختص بأهل الكتاب

والتفرق بعد إتيان العلم لم يختص به أهل الكتاب؛ بل وجد في هذه الأمة كما أخبر الرسول ﷺ في حديث الافتراق: “وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً”1([1]) رواه أحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه وصححه الألباني..

سبب الاختلاف بعد العلم.. البغي والهوى والحسد

وقد بين الله سبحانه في أكثر من آية أن الاختلاف والافتراق الحاصل بعد العلم أنما سببه الهوى والبغي والظلم والحسد ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وهذا أمر مشاهد من بعض أهل العلم حيث يخالف الحق ويستنكف من الانقياد له مع علمه به، والسبب (بغيًا وحسدًا ممن اختاره الله لاتباع الحق وتبليغه).

أو هوىً وتعصبًا لمتبوع أو لأجل لعاعة من الدنيا الفانية، وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وَلَكِن الِاجْتِهَاد السائغ لَا يبلغ مبلغ الْفِتْنَة والفرقة إِلَّا مَعَ البَغِي لَا لمُجَرّد الِاجْتِهَاد)2([2]) الاستقامة: (1/31)..

الهوامش

([1]) رواه أحمد، والدارمي، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه وصححه الألباني.

([2]) الاستقامة: (1/31).

اقرأ أيضا

تدبرات وهدايات من سورة آل عمران (1)

التعليقات معطلة