تصميم صور المنشورات 3 3

أليس من التناقض أن نميز في المعاملات المادية بين الذهب والصفيح، وبين الدواء والسم، وبين الشحنة الموجبة والسالبة، ثم نغفل عن هذا التمييز في أعظم قضايا الوجود؟!

المادة والمادة المضادة… والمؤمن والفاجر: سنة التمييز في الوجود

في المختبرات الكيميائية، يمتنع العلماء عن خلط قارورتين لمجرد تطابق لونيهما.

العين قد تلتقط التشابه الظاهري لكن العلم يفتش عن البنية الجزيئية الكامنة.

سائل يداوي الخلايا، وآخر يودي بها كالسم الزعاف.

يحدث المثل في فيزياء الجسيمات حيث تقف المادة والمادة المضادة في تطابق خادع، يكاد غير المتخصص يظنهما كيانًا واحدًا، لكن التضاد الجوهري في الشحنة يحيل لقاءهما إلى فناء مطلق وانطلاق طاقة مدمرة.

الفيزياء تؤسس قوانينها على صرامة الجوهر، متجاوزة قشرة المظهر الخادعة.

والكون كله يكاد ينطق بهذه اللغة.

لغة التمييز بين الحقائق، لا بين الأشكال.

فيزياء التمييز بين المتناقضات

لا يخلط عاقل بين الحرارة والبرودة، ولا بين الشحنة الموجبة والسالبة، ولا بين الخلية السليمة ونظيرتها السرطانية، ولا بين الدواء والسم..

مهما تشابهت الألوان أو تقاربت الصور يظل التمييز بين المتناقضات هو عين العدل الذي يقوم عليه نظام الوجود.

وكل تصور يحاول محو الفوارق الجوهرية بين الأشياء، إنما يهدم نفسه بنفسه.

المعادلات لا تستقيم إذا ساوت بين البناء والهدم، كما لا يستقيم ميزان إذا جمع الإصلاح والإفساد في كفة واحدة، ولا يبقى للعدل معنى إذا أصبح الباني والهدّام سواءً في الحكم والمآل.

إن التفريق بين المتناقضات ليس استثناءً في هذا الكون ولكنه القاعدة التي تنتظم بها الذرة، وتحيا بها الخلية، وتستقيم بها قوانين المادة، ويقوم عليها معنى العدل نفسه..

فكيف يستقيم ميزان يجمع المصلح والمفسد في كفةٍ واحدة؟

السؤال الحاسم في سورة (ص)

سورة (ص)، لتضع قانونًا مطلقا يعيد ضبط العقل على هذه القاعدة من خلال تساؤل حاسم ينسف أسس العدمية من جذورها:

﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِینَ فِی ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِینَ كَٱلۡفُجَّارِ﴾.

المساواة بين هذين النقيضين = طعن مباشر في حكمة الخالق.

و لو أُسدل الستار على الرواية البشرية بجمع الصالح والطالح والضحية والجلاد في مصير عدمي بارد =لاستحالت الحياة مسرحية هزلية رخيصة.

لو تقاسم من أنار الطريق ومن سمم الآبار ذات الخاتمة = لسقطت الفضيلة، ولتساوى الذهب النقي مع الصفيح الصديء.

وهذا لا يكون.. حتى وإن وقع مؤقتا في دنيا زائلة فهو لا يدوم هنالك…. في دار القرار..

الميزان الداخلي وإعادة المعايرة

الذين آمنوا وعملوا الصالحات نحتوا الصخر بأظافرهم ليحافظوا على توازن الروح والأرض.

قيدوا غرائزهم، ودفعوا ثمن الاستقامة من راحتهم اليومية بينما الفجار اختاروا الطريق المنحدر السهل ووطئوا كل قاعدة أخلاقية ليحصدوا مكاسب سريعة ملوثة بأنّات الآخرين.

سورة ص بهذه الآية تعيد معايرة الميزان الداخلي.

والإنسان متى فسد ميزانه، اختلت رؤيته للوجود بأسره..

سيعظم الشهرة، يوقر التعدي، ويحسب كثرة الأتباع معيارًا للحق.

و الآية تقيس البشر بالأثر المترتب على أفعالهم.

﴿ٱلۡمُفۡسِدِینَ فِی ٱلۡأَرۡضِ﴾..

الفساد هنا يتجاوز الخطيئة الفردية ليصبح عدوى تنتشر، وشقوقًا تمتد في جدار الحياة وتلوث الأرض بينما الصلاح يقف في الجهة المقابلة كعملية ترميم رصينة لما تهدم، وحراسة دائمة للتوازن الإنساني.

موكب المقامات الشاهقة

هذه الآية وهذا السؤال يمثلان القلب النابض لسورة (ص)، والمحور الذي تنتظم حوله بقية مشاهدها.

فهي لا تكتفي بإعلان المبدأ… ولكنها تمضي بعده مباشرة لتبرهن عليه.

وكأن الرسالة = إذا أردت أن ترى هذا الميزان وهو يعمل، فلا تكتفِ بقراءته في آية ولكن انظر إليه وهو يزن الرجال.

من هنا ينطلق موكب المقامات الشاهقة…

داوود… وسليمان… وأيوب…وإبراهيم… وإسحاق… ويعقوب…

السورة لا تستعرض سيرهم لتقص عليك تاريخًا، ولا لتبهرك بمعجزات أو ممالك أو ابتلاءات، وإنما لتضع كل واحد منهم على هذا الميزان نفسه.

سترى أنبياءً أوتوا مُلك الأرض، ثم تكتشف أن سر رفعتهم لم يكن فيما ملكوا، بل في خضوعهم لربهم.

وسترى نبيًا جُرّد من الصحة والمال والأهل، ثم يحمل الوسام ذاته الذي حمله أصحاب التيجان: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾.

وكأن السورة تهمس لك منذ هذه اللحظة أن المقامات لا تُصنع بما في اليد… ولكن بما استقر في القلب.

بالإيمان والعمل الصالح.

وبالتقوى…

وعندها يتجاوز السؤال كل المقاييس التي ألفها الناس فلا يعود المهم ماذا يملك الإنسان ولا ماذا فقد ولا كم يعرفه الناس ولا كيف تصنعه الشهرة أو تحطمه الخسارة؟

يوم استعادة التوازن

لأن الخالق الذي أقام هذا الكون على أدق قوانين التمييز بين الحقائق، لا يمكن أن يختم قصة الكون بأكثر المعادلات سذاجة؛ أن يستوي الباني والهدّام، والمصلح والمفسد، والمتقي والفاجر.

ولذلك لم يكن يوم القيامة مجرد نهايةٍ للتاريخ ولكنه لحظة استعادة الكون لتوازنه الكامل.

اليوم الذي تعود فيه الأشياء إلى أوزانها الحقيقية فيُعلن للمصلحين أن كل دمعة، وكل مجاهدة، وكل تضحية، لم تذهب سدى، وأن ما بذلوه كان محفوظًا عند من لا تضيع عنده الودائع.

ويُعلن للمفسدين أن الخراب لا يسقط بالتقادم، وأن أنين المظلومين لا يذوب في الهواء، وأن كل أثرٍ تركوه في الأرض قد أُحصي،

هو الإعلان النهائي للمصلحين أن جهدهم المضني لم يتبخر في الفراغ المظلم، والإنذار القاطع للمفسدين أن فواتير الفساد لا تُلغى..

هي فقط قد تؤجل إلى يوم الحساب.

وهناك… يسقط آخر ميزانٍ صنعه البشر ولا يبقى إلا الميزان الذي أعلنت سورة ص قواعده

﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾.

الخلاصة

سؤال لا ينتظر جوابًا باللسان، فهو مكتوب في نظام الكون كله يردده منذ البداية: هل يستوي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالمفسدين في الأرض؟

إنه ميزان العدل الإلهي الذي يعيد للأشياء أوزانها الحقيقية، ويميز بين الباني والهدّام، والمصلح والمفسد، والمتقي والفاجر. هذا الميزان ليس استثناءً في الكون، بل هو القاعدة التي تنتظم بها الذرة، وتحيا بها الخلية، وتستقيم بها قوانين المادة، ويقوم عليها معنى العدل نفسه. ويوم القيامة هو لحظة استعادة هذا التوازن الكامل، حين يسقط آخر ميزان صنعه البشر، ولا يبقى إلا ميزان الحق الذي لا يجور.

المصدر

صفحة د. محمد علي يوسف، على منصة ميتا بتصرف.

اقرأ أيضا

التكيف اللذيذ.. وقصة قوم ملّوا المعجزة

طائر الخرشنة القطبية وإبراهيم الخليل: دروس في اليقين والهجرة إلى الله

التعليقات معطلة