هل تستوي دعوة تدعو إلى الجنان وأخرى تسوق إلى النيران؟ وما سر ارتباط أسماء الله الحسنى بأحكام الأسرة في القرآن؟
بين يدينا وقفات تأملية مع آيات من سورة البقرة، نغوص فيها في بحر الهدايات الربانية، لنكتشف كيف يضع الله تعالى موازين القيم والمفاضلة بين الناس على أساس التقوى والإيمان، وكيف يربط أحكامه العادلة بأسمائه الحسنى ليكون التسليم لشرعه قائماً على الحب والتعظيم لا على الجفاف والانقياد الأعمى.
الميزان الرباني للخيرية والمفاضلة بين الناس
في الآية الكريمة (البقرة: 221) يقرر الله تعالى مبدأً عظيماً في المفاضلة بين الناس، فينهى عن نكاح المشركات وإن أعجبت المرأةُ بجمالها أو منصبها، وينهى عن إنكاح المشركين وإن أعجب الرجلُ بماله أو حسبه، ليعلن أن معيار الخيرية والتفاضل هو الإيمان والتقوى لا المظاهر الدنيوية.
تدبر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾
لما ذكر الله عز وجل المشركات ونهى عن نكاحهن ولو كان فيها ما يغري، ثم نهى عن إنكاح المشركين ولو كان فيهم ما يغري، قال سبحانه في ختام الآية: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ﴾.
وأن الأَمَةَ المسلمة والعبد المسلم خير من المشـركة والمشـرك، وفي هذا بيان الميزان الشرعي للخيرية والتفاضل بين الناس؛ وأنه على أساس التقوى والإيمان ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13].
وكذلك لأن المشركين ببقائهم على شركهم ودعوتهم إليه هم في الحقيقة يدعون غيرهم إلى النار وإلى الشقاء في الدنيا والأخرة، ويقابلهم في ذلك المؤمنون والمؤمنات الذين يتولاهم الله عز وجل ويضمهم إلى كنفه؛ وأنهم يدعون باسمه إلى الجنة والسعادة في الدنيا والأخرة.
وهكذا شأن المفسدين من الكفار والمنافقين في أي زمان أو مكان هم ينشرون الفساد والكفر والظلم في الأرض ويمهدون للناس الطريق إلى النار والعياذ بالله.
ويقابلهم المصلحون من عباد الله الموحدين الذين يدعون الناس إلى عبادة الله وحده، وإلى الأخلاق الفاضلة، والصلاح والإصلاح، ويمهدون للناس الطريق إلى الجنة، فأي الفريقين أحق بالاتباع والموالاة؟
ومثل هذه الآية في كتاب الله عز وجل قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَیَـٰقَوۡمِ مَا لِیۤ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدۡعُونَنِیۤ إِلَى ٱلنَّارِ ٤١ تَدۡعُونَنِی لِأَكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشۡرِكَ بِهِۦ مَا لَیۡسَ لِی بِهِۦ عِلۡمࣱ وَأَنَا۠ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡغَفَّـٰرِ﴾ [غافر: 41-42].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27].
أسماء الله الحسنى وأحكام الأسرة.. روابط تدبرية
عند تدبر الآيات الواردة في الطلاق الرجعي والبائن والإيلاء والمتوفي عنها زوجها وعقد الأيمان والوالدات المرضعات وأحكام الرضاعة والعدة، والحيض وغيرها من الأحكام المتعلقة بالمرأة والأسرة.
عند تدبر هذه الآيات والأحكام نجد أن كل حكم يرد في هذه الآيات يختم باسم أو اسمين من أسماء الله عز وجل الحسنى، فمثلاً نجد:
في آية اللغو في الأيمان ختمت بقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة:225].
وفي آية الإيلاء من الزوجة ختمت بقوله سبحانه: ﴿فَإِن فَاۤءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ٢٢٦ وَإِنۡ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ ﴾ [البقرة:226-227].
وفي آية تربص المطلقة بنفسها ثلاثة قروء، وأن الزوج أحق بردها، وأن لهن مثل الذي عليهن ختمت بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:228].
وفي آية إمساك الزوجة أو تسـريحها بمعروف عند انتهاء عدتها، وعدم مضارتها نجد أنها ختمت بقوله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:231].
وفي آية إرضاع المرأة لولدها حولين كاملين بعد الطلاق أو استرضاع الأولاد من مرضع نجد أنها ختمت بقوله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:233].
وفي آية المتوفى عنها زوجها ختمت بقوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:234].
وفي آية التعريض بخطبة المتوفي عنها زوجها وهي في عدتها نجد أن الآية ختمت بقوله سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة:235].
وفي آية مهر المطلقة قبل الدخول والأمر بالفضل والعفو، نجد أن الله ختمها بقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:237].
وفي آية رفع الجناح عن المرأة المتوفى عنها زوجها بعد إنهاء عدتها بخروجها من بيتها ختمها الله عز وجل بقوله: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:240].
خلاصة التدبرات والفوائد
نخرج من هذا التدبر لهذه الآيات وما ختمت به بما يلي:
أولاً: هناك ارتباط بين سياق كل آية وموضوعها وبين ما ختمت به من أسماء الله الحسنى، وهذا يدعونا إلى مزيد من التأمل والتدبر لمعرفة كنه هذا الارتباط.
ثانياً: أن أحكام الله عز وجل ليست مجرد أوامر ونواهي يلزم المسلم الانقياد لها، بل إنها مربوطة بالعلم بالله عز وجل وأسمائه وصفاته والتعبد لله بها وما تثمره في القلب من محبته سبحانه وتعظيمه والخوف منه ورجائه ومراقبته لأنه قد أحاط بكل شيء علمًا، وهو الرقيب علينا لا يخفى على سمعه ولا بصره شيء، وهو الخبير بخفايا الصدور، وكل هذا يثمر في قلب المؤمن التسليم لأمر الله محبة وتعظيمًا وخوفًا ورجاءً.
ثالثاً: في هذه الآيات تنبيه للعلماء والدعاة وهم يعلمون الناس العقيدة والأحكام والحلال والحرام أن يجمعوا في ذلك بين مخاطبة العقل والقلب وأن يكون الوعظ بتعظيم الله عز وجل والخوف منه والتسليم لشرعه ورجائه ومحبته، وأن يكون كل ذلك حاضرًا في جميع التخصصات العلمية التي تدرس في المساجد والمدارس والخطب والمحاضرات، وأن لا تكون دروسًا مجردة للمعرفة الذهنية والرد على المخالف فحسب، بل لابد أن تربط بالله عز وجل وتعظيم شرعه وأوامره ونواهيه، ولو كانت معاملات دنيوية؛ كما هو الحال في أحكام الطلاق والنكاح والبيوع وغيرها من المعاملات التي تكون بين الناس، حيث وجدناها تختم بالتذكير ببعض أسماء الله الحسنى التي تثمر محبة الله عز وجل والخوف منه ورجائه الحاملة على الامتثال والتسليم لها؛ بل والاغتباط والفرح بها؛ لما تتضمنه من العدل وتحقيق المصالح ودرأ المفاسد، ولا عجب في ذلك فهو شرع الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:82].
رابعاً: في هذه الآيات دستور للأسرة المسلمة يظهر فيه الرحمة والعدل للمرأة المسلمة أما وبنتا وزوجة ومرضعًا؛ حيث العناية الربانية بحقوقها وكرامتها، والعناية بالأسرة والمحافظة على تماسكها وترابطها، فأين الذين يتشدقون بحقوق المرأة والطفل؛ والتي تقوم دساتيرهم على ظلم المرأة وإهدار حقها وجعلها سلعة رخيصة تلعب بها الذئاب، قاتلهم الله.
والحمد لله على نعمة هذا الدين العظيم ونسأل الله الثبات عليه.
اقرأ أيضا
تدبرات وهدايات من سورة البقرة(1)


