تفسير سورة آل عمران

كيف يمكن لعقيدة التوحيد أن تكتمل دون أن يتبرأ العبد من الشرك وأهله، ويوالي المؤمنين ويُعادِي الكافرين؟ ولماذا جاء الأمر بموالاة المؤمنين والبراءة من المشركين في أكثر من ثلاثمائة آية في القرآن؟ وما معنى الاستثناء الذي جعله الله لمن أكره وأظهر الموالاة بلسانه مع طمأنينة قلبه بالإيمان، ولمن يتظاهر بموالاة الأعداء لتحقيق مصلحة قطعية للمسلمين؟

مكانة الولاء والبراء في عقيدة التوحيد

49) تدبر قول الله عز وجل: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 28].

ليكمل تدبر هذه الآية يحسن أن تضم إليها الآية في آخر سورة النحل حيث يقول عز وجل: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106].

في آية آل عمران يبين الله عز وجل مكانة الولاء والبراء في عقيدة التوحيد وأنه لا يصح توحيد العبد حتى يتبرأ من الشـرك وأهله وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: موالاة الكافرين: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي: ليس له من ولاية الله شيء.

رخصة الإكراه.. إظهار الموالاة مع طمأنينة القلب بالإيمان

ثم قال سبحانه: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ أي: إلا تخافوا منهم أمرًا يجب اتقاؤه ودفعه؛ فحينئذ يجوز إظهار الموالاة لهم دون أن يتطرق ذلك إلى القلب؛ حيث يجب أن يطمئن القلب بالإيمان بالله عز وجل كما في آية النحل: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ وهذه رخصة من الله عز وجل لعباده؛ وإلا فالأصل موالاة الله عز وجل ورسوله ﷺ والمؤمنون، والبراءة من الشرك والمشركين.

شروط وضوابط النطق بالكفر وإظهاره

والنطق بالكفر وإظهاره له شروط وضوابط، حيث ذكر أهل العلم في ذلك:

  • أن يكون تحت الإكراه.
  • وأن يكون الإكراه على ذلك ملجئًا إلجاءً شديدًا كإيقاع القتل أو التعذيب أو السجن.
  • وأن يكون هذا الإكراه حالاً لا متوقعًا.
  • وأن يكون من شخص أو طائفة قادرة على تنفيذ ما يهدد به.
  • وأن يكون القلب مطمئنا بالإيمان.

وأجاز أهل العلم أيضًا أن يتظاهر المسلم بموالاة الأعداء لتحقق مصلحة قطعية عظيمة للمسلمين أو إلحاق مفسدة قطعية عظيمة بالكافرين، وكل هذه الأحوال يفتي فيها أهل العلم المجاهدون الراسخون، وكل حالة لها حكمها الخاص.

أهمية الولاء والبراء في القرآن

وقد جاء الأمر بموالاة المؤمن والبراءة من المشـركين وعداوتهم في مواطن كثيرة جدا من القرآن، حاولت استقراءها من أول القرآن إلى آخره؛ فوقفت على أكثر من ثلاثمائة آية تأمر بموالاة المؤمنين وتنهى عن موالاة الكافرين، وهذا يدل على أهمية هذا الركن الركين من العقيدة وخطورة التهاون فيه، لأن ذلك يقدح في الإيمان والتوحيد، ومع ذلك الاهتمام الشديد به إلا أننا نرى التهاون فيه وفي خطره والتهاون في الحديث عنه في الدروس والبحوث والخطب، وعدم الإنكار على من وقع فيه أو هون من شأنه، ومما يدل على خطورة موالاة الكافرين ختمه سبحانه آية آل عمران بقوله عز وجل: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، وفي هذا تهديد شديد، وتخويف عظيم لعباده أن يتعرضوا لعقابه بموالاة أعدائه.

اقرأ أيضا

تدبرات وهدايات من سورة آل عمران (1)

تدبرات وهدايات من سورة آل عمران (2)

التعليقات معطلة