تصويرُ النازلة وسؤالُها
بسم الله الرحمن الرحيم
كثرت في هذه الأيام الفتاوى الصادرة عن بعض المنسوبين للعلم والفتوى من أفراد ومؤسسات، تقضي بأنّ خدمة الزوجة لزوجها ولأولادها ليست واجبة عليها، وليس للزوج الحقّ في أن يلزم زوجته بالقيام بأعمال الخدمة في بيته، من طبخ وخبز وكنس وتنظيف وغسل وتربية للأولاد وغير ذلك، فما حكم الشرع في هذه الفتاوى؟ وما القول الصحيح في هذه المسألة؛ علمًا بأنّ هناك – على التوازي – فتاوى أخرى كثيرة صدرت على استحياء؛ في اتجاه دعم النسوية والإضعاف من قوامة الرجل، ومقاسمة المرأة له في دخوله بموجب ما أطلق عليه في مدونة الأسرة في المملكة المغربية، وغير ذلك مما تبدو عليه سيما النسوية.
التكييف الشرعيّ لواقع النازلة وتحرير محلّ النزاع
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد
من المعلوم أنّ الشريعة نصّت نصًّا صريحًا في آيات وأحاديث كثيرة على كثير من الحقوق التي تجب على الزوج تجاه زوجته وعلى الزوجة تجاه زوجها، لكنّ الحياةَ الزوجيةَ تفاصيلُها كثيرةٌ ومعقدة ومتداخلة، وهي كذلك متغيرة بتغير الزمان والمكان والظروف والأحوال؛ فهل الصحيح أن ننظر إلى مسألة خدمة الزوجة لزوجها من واقع النصوص الشرعية؛ فإن كان فيها ما يثبت وجوبها على الزوجة حقًّا للزوج قلنا به، وإلّا فلا يلزمها، وليس لنا أن نفتئت على شرع الله؟ أم الصحيح أن نراعي قواعد العدل في شريعة الله، ونُعْمِل عمومات النصوص، مع اعتبار العرف وتحكيم العادة المطردة دون تجاوز للنصوص الشرعية الخاصّة؛ فنقول بوجوب الخدمة على المرأة، إمّا ديانة وقضاءً وإمّا ديانة فقط؟ وهل للدوافع التي صاحبت الفتاوى الصادرة دور في توجيه الفتوى؟ ولاسيما مع تفجير قضايا أخرى تستهدف الأسرة المسلمة؟ أم لا اعتبار بذلك؟
الأحكام الشرعية المتعلقة بالنازلة.
أولًا: «اختلف الفقهاء في وجوب خدمة الزوجة لزوجها، فذهب جمهور الفقهاء – الشافعية والحنابلة وبعض المالكية – إلى أنه لا يجب على الزوجة خدمة زوجها، والأولى لها فعل ما جرت به العادة، وذهب الحنفية إلى وجوب خدمة الزوجة زوجها ديانة لا قضاء، وذهب جمهور المالكية إلى أن على المرأة خدمة زوجها في الأعمال الباطنة – أي الداخلية – التي جرت العادة بقيام الزوجة بمثلها»، ومن الملاحظ أنّ الخلاف ليس في مشروعية خدمة الزوجة لزوجها ولا في استحبابه، فإنّها مشروعة ومستحبة باتفاق، على أن تكون بما جرت به العادة، وإنما الخلاف في الوجوب: هل هي واجبة عليها قضاءً وديانةً، أم هي من باب الإحسان وحسن العشرة فقط؟
والذين قالوا بعدم الوجوب دعوا الزوجة إلى خدمة زوجها وأولادها، وعدوا ذلك من فضائل الأعمال، واعتمد الجمهور على أنّ النصوص التي نظمت العلاقة بين الزوجين قد تطرقت إلى أمور كثيرة ولم تتطرق إلى وجوب الخدمة على الزوجة.
لكنّ الذين قالوا بوجوب الخدمة لم يعدُّوا النصوص الواردة في الباب جامعة للواجبات والحقوق على وجه الحصر؛ فاعتمدوا النصوص العامة في الباب، كقول الله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) الآية (البقرة: 228)، وما لهنّ وما عليهنّ يصعب حصره حتى يقال هل ورد النص بذلك أو لم يرد؛ إذْ «ليس من السهل تفصيلُ حقوق كل من الزوجين قِبَلَ الآخر، أو تفصيل حقّ واحد منهما لكثرة تنوع تلك الحقوق وتجددها، لأنها تشمل كل ملابسات الحياة في جميع حقائقها ومظاهرها، ولقد فصّل القرآن الكريم بعض الحقوق التي لكل منهما على الآخر، وجاءت الأحاديث النبوية الشريفة بذكر شيء منها زائدا على ما ورد فى القرآن، وجماع هذه الحقوق قول الله سبحانه وتعالى {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} الآية (البقرة: 228)، …»
ثانيًا: ومن خلال ما تقدّم يتضح لنا رجحان القول بالوجوب؛ اعتمادًا على هذه الآية التي قررت القاعدة العامة، وردّت التقادير للعادة الجارية؛ لذلك قال العلماء: «وأما خدمة البيت كالعجن والكنس والطبخ فعلى العوائد ومقادير النساء واليسار»، ولأنّ العقود المطلقة إنما تنزل على العرف، والعرف خدمة المرأة وقيامها بمصالح البيت الداخلية»، «وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا، ألا ترى أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك».
وقد ثبت في صحيح مسلم أنّ أسماء ذات النطاقين كانت تخدم زوجها الزبير وتسوس له فرسه، فعن ابن أبي مليكة، أن أسماء، قالت: «كنت أخدم الزبير خدمة البيت، وكان له فرس، وكنت أسوسه، فلم يكن من الخدمة شيء أشد علي من سياسة الفرس، كنت أحتش له وأقوم عليه وأسوسه»، بل إنّ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شكت إليه ما أصابها من الخدمة لزوجها، فلم ينه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء من ذلك، وقولهم: إن خدمة فاطمة وأسماء كانت تبرعا وإحسانا يَرُدُّه أن فاطمة كانت تشتكي ما تلقى من الخدمة، فلم يقل لعلي: لا خدمة عليها، وإنما هي عليك وهو صلى الله عليه وسلم لا يحابي في الحكم أحدا، ولما رأى أسماء والعلف على رأسها، والزبير معه لم يقل: له لا خدمة عليها، وأن هذا ظلم لها، بل أقره على استخدامها، وأقر سائر أصحابه على استخدام أزواجهم مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية هذا أمر لا ريب فيه.
غير أنّ الوجوب – على الراجح – ديانة لا قضاء؛ بحيث إذا قصرت المرأة فيما يجب عليها من الخدمة تأثم بذلك، لكنْ لا يعطى الزوج الحقّ في أن يكارهها ويضاجرها لتفتدي نفسها ويسقط بذلك حقوقها، أو يدعي عليها بالنشوز؛ ولعلّ الاحتراز من هذا ما دفع جمهور العلماء إلى القول بعدم الوجوب.
ثالثًا: وعلى هذا جرى الإفتاء في المؤسسات المعاصرة، منها اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء، فمما ورد في فتاواها: «وجعل عليها حقوقا للرجل، فأوجب عليها القيام بما يناسبها من شئون البيت وتربية الأولاد ورعايتهم أيام الطفولة وما في حكمها، وبهذا يكون سبحانه قد شرع في حق كل منهما ما يوافق استعداده من الحقوق كما قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}»، وهذا الحكم هو الصحيح المتسق مع مقاصد الشريعة من التعاون على البرّ والتقوى وإقامة العلاقات ولاسيما الأسرية على ميزان العدل الذي يجعل كلّ حقّ يقابله واجب، وإن يكون على كلّ صاحب حقّ من الواجبات مثل ما له من الحقوق.
رابعًا: وليس خافيًا ما وراء هذه الفتاوى من دوافع سيئة ومن جهات مغرضة، تستهدف الأسرة المسلمة التي صارت في زماننا الحصن الأخير للقيم والأخلاق بعد انهيار النظم الإسلامية وانفصال السلطان عن القرآن، غير أنّ هذه الاعتبارات لا تحملنا على انتحال أحكام باسم الشرع؛ فللشرع قدسيته، وهو بغير حاجة إلى انتحال قادر على التصدّى للحملات المغرضة، إذا فُهم على وجهه الصحيح، وهذا ما يجب أن نقوم به، ولعلّ هذه الفتوى جاءت على هذا النحو من البحث عن الحلول الشرعية من خلال إعادة النظر في أقوال العلماء وترجيح الرأي الصحيح بالأدلة المعتمدة لدى الفقهاء والأصوليين، ولعلنا في قابل الأيام نتناول القضايا الأخرى التي تثيرها هذه الجهات المدخولة كحق “الكد والسعاية” وغيره من دعاوى النسوية.
خامسًا: أهم ما يجب الوقوف عنده هنا هو دور الأنظمة المجرمة التي تحكم بلاد المسلمين اليوم؛ فهي تسعى بكلّ جهد لهدم الأسرة وتفكيك بنيتها القيمية والأخلاقية، والأسرة – كما أسلفنا – هي الحصن الأخير المتبقي لأجيال المسلمين، وفي الوقت الذي تتلقى فيه الأسرة هذه الضربات يتم العمل على تتفيه الجيل وإفساده، باسم الترفيه تارة، وباسم الحرية تارة، وباسم الديمقراطية والمدنية تارة وتارة، والواجب على المسلمين جميعًا – ولاسيما العلماء – أن يواجهوا هذه المخاطر – كلٌّ بما يستطيع – وأن يتعاونوا في مواجهة هذه الأنظمة وفي السعي لإزالتها؛ فقد ظهر في حكمها الكفر البواح الصراح، وقادت المسلمين بغير كتاب الله، فإذا كان الجهاد قد شرع من أجل إماطة الفتنة عن كاهل الخلق؛ فإنّ هذه الأنظمة هي الفتنة بينها.
هذا والله تعالى أعلم


